...وانسحب المسلحون من الشوارع.. فتحت الطرقات وفكّت خيام الإعتصام، تحررت السراي الحكومية وعادت بيروت إلى حياتها مع إتفاق الدوحة وانتخاب الرئيس الجديد.
الأضواء والمفرقعات ملائمة تماما فهي تساير أصوات الرصاص والقذائف التي ما زالت طازجة حاضرة في العقول والنفوس تأثرا وتأثيرا. فبيروت التي انقسمت خطوط تماس وحرب شوارع وزواريب قد عادت إليها عافيتها ولا بدّ من الإحتفال.
تتحول ساحة رياض الصلح وتتغير ملامحها مع كلّ مرحلة وحالة جديدة.. ناشطة.. حيوية.. راكدة.. شبه ميتة.. مفتوحة.. مقفلة.. جديدة.. عتيقة.. متجددة.. ضاحية.. مخيم.. تفتح المقاهي والمطاعم المتوزعة بين ساحة النجمة وستاركو وباب ادريس والشوارع المواجهة لساحة الشهداء أبوابها.. بعضها يتحول من مطعم لا يمكن دخوله إلا بحجز مسبق إلى سناك للوجبات السريعة والرخيصة أيضا لا أكثر حين ينقلب توظيف حرفي اسم المدينة دي- تي من الداون تاون إلى الضاحية التحتا.
يتبدل الحال مجددا وتطلق طفرة العهد الرئاسي الجديد صافرتها فينطلق المحتفلون وسط حمى الأصوات والأضواء والوعود بالسهرة الحافلة بهيفا. لا يكاد يصدق الحضور أنهم سيرونها ويسمعونها فعلا فهي كالحلم لمن مثلهم من المنتقلين من ساحات مهرجان سياسي إلى ساحة فنية. تعلو أصواتهم باسمها ويتزاحم المئات للوصول إلى المسرح، شبانا فتيات صغاراً كبارا.. يتسلق بعضهم أعمدة النور وبيوت الحراسة والأرصفة العالية والأشجار، ولا يسلم تمثال رياض الصلح نفسه من التحول إلى عشرات التماثيل المتحركة هذه المرة ولو قدّر لأحدهم الإرتقاء أكثر لجلس فوق طربوش الزعيم التاريخي نفسه.
يرفع أحدهم صوته quot;رأيت طرف فستانهاquot; يبارك له الآخرون ممن لم يتمكنوا من الفوز بتلك الحظوة كحاله. يعلو الضجيج فوق الأجهزة الموسيقية ويطلق أحد المنظمين بضع كلمات ترتد إليه شتائم لا حصر لها من الحشد؛ quot;يا شباب.. يا صبايا إذا بقيتم هكذا لن نتمكن من سماع هيفاquot;.
يستكمل الحفل أو يتوقف.. لا مشكلة في ذلك حين تبرز تظاهرة صغيرة تلتف عائدة نحو ساحة النجمة حيث البرلمان الذي استخدمت مفاتيحه مجددا. يمضي من يمضي لتبين التظاهرة تطلق شعارات طائفية تقابلها أخرى تماثلها في الهتاف.. يبرز صوت عاقل بينهم يقول؛ quot;بلا طائفيةquot;.. يصرخ الفريق الأول: quot;الله ونصر الله والضاحية كِلاّ... أبو هادي... أبو هاديquot; فيرد الفريق الثاني: quot;الله وحريري وطريق الجديدة... أبو بهاء... أبو بهاءquot;. يدورون في الساحة كرا وفرا وفجأة يصمتون جميعا ويطلقون معا صوتا واحدا يبرز وحدتهم الوطنية: quot;هيفا هيفا هيفا هيفا هيفاquot;..
عصام سحمراني
[email protected]
http://essam.maktoobblog.com/




التعليقات