الملامح العامة لتطور الفن التشكيلي العراقي في الثمانينات والتسعينات ملحق للجزء الثالث ( الحداثة )

عرضنا فيما تقدم الجزء الثالث من هذا الموضوع والذي يتناول الملامح المستجدة على الحركة التشكيلية العراقية في العقدين الاخيرين من القرن الماضي وكان هذا الجزء يتناول رسامي الحداثة وآخر الملامح التطورية التي سلكها ممثلو هذا الاتجاه، اما الاتجاه الاخر واسع الانتشار والذي ينتمي بمعظمه الى تيار الحداثة، فهو ذلك التيار الذي استعمل المفرادات التراثية و الحكايات والاساطير المحلية والحروف العربية كمفردات تشكيلية أو عناصر الهام لرسوم تروي لنا حكاية ما، مُخضِعا هذه المفردات وهذه الحكايات الى رؤية جديدة معاصرة. فالحداثة التي تناولناها في الجزء السابق ( الثالث ) كانت في بعض تجلياتها تندرج في سياق الرؤية التي تطورت في أوربا والتي تفرعت عن التيارين الرئيسيين لاحد أهم اشكال الحداثة الاوربية ( التجريد ) وأقصد بهذين التيارين : تجريدية كاندينسكي وتجريدية موندريان . ورغم تمسكي بالاعتقاد السائد من ان الفن التشكيلي ظاهر عالمية مترابطة و غير خاضع للحدود باعتباره خطابا بصريا لايعاني من الحدود المرافقة لأشكال إبداعية اخرى بسبب ارتباطها باللغة، مثل الادب بكافة اشكاله، الا ان الابتكار في الفن التشكيلي قد اعتمد الى حد بعيد اما على تطوير مفردات محلية، أو أخرى دخيلة على الفن الاوربي، الذي يبحث عن مصادر جديدة للالهام . ولكن من المنصف ان نقول أن ممثلي الحداثة العراقية الذين تناولناهم بالبحث في الجزء المشار اليه سابقا قد قدموا بدون شك اعمالا ذات اصالة رغم ان طرق الرؤية وبناء اللوحة خاضع لاعتبارات جمالية طورت في اوربا بالدرجى الاولى.

لحمد شاوي

لماذا نرى اذن، و كما ذكرنا اعلاه، ان التيار التشكيلي الذي اعتمد المفردات الحروفية والتراثية والاسطورية، ينتمي بمعظمه وليس بكليته الى تيار الحداثة ؟ والجواب هو كما الآتي : ان العودة الى الماضي من اجل العيش في اجوائه الساحرة المُلهِمة يجب ان توضع بشكل واع ٍ على انها رحلة التزود بمفردات وحكايات ورموز من اجل أن تُعاد صياغتها بطريقة معاصرة ورؤية جديدة وليس من اجل التكرار، أو لمجرد التذكير بامجاد الماضي ومغازلة نوازع النوستالجيا، وعليه فانا العديد من ( الاستلهامات ) كانت ذات طابع رجعوي استعادي غير خلاق، انها بصياغة اخرى، تجميع ميكانيكي لعناصر مستلة من الماضي دون مراجعة تشكيلية وجمالية معاصرة، ولكن معضمها كان على الضد من ذلك، يندرج في سياق الاستفادة من تراكمات العناصر الابداعية التي يزخر بها بلدنا ومنطقتنا عموما، هذه التراكمات تمثل طبقات مطمورة لحضارات عديدة متتابعة و هي تحتاج الى جهد ( آركيولوجي ) مثابر وخلاق من اجل نفض الغبار عنها.

كانت بعض اللوحات التي اعتمدت الحرف العربي والتراث لاتولي اهتماما للبناء التشكيلي وانما تستخدم احتواءها على نصوص دينية من اجل جذب وسط واسع من الجمهور و المقتنين والذين يرون وفق بعض وجهات النظر الدينية ان اللوحات وخصوصا التي تحتوي على صور اشخاص، واعمال النحت، على سبيل المثال، تدخل ضمن المحرمات، والذين ينظرون الى اللوحة من وجهة نظر تقرب الى الخط العربي الكلاسيكي اكثر من اعتبارها عملا تشكيليا معاصرا. علما بان الخط العربي قد حقق هو الآخر خروجا عن المكرور الكلاسيكي وقدم، وخصوصا في المعرض الذي أقيم على قاعة الإناء في بغداد في أواسط التسعينات، أعمالا تطرح خطا عربيا باسلوب جديد مبتكر ذي رؤية حداثية، وقد كان هذا المعرض مؤشرا مهما لعاملين : الاول مرونة الخط العربي وعدم إقتصاره على الشكل الكلاسيكي الذي طوّر اسسه ابن مقلة وواصل تطويره فيما بعد الآمدي و محمد هاشم الخطاط والثاني : لقد لفت هذا المعرض الانظار الى ان جيلا واسعا وواثقا من نفسه من الخطاطين المبدعين والذين ثوّروا الخط العربي قد ساهم في تكوين الصورة المشرقة التي عليها الفن التشكيلي العراقي، وللاسف لا تتوفر الوثائق الكافية من اجل دراسة وافية لهذا المنجز. كان العراق، بشكل خاص، و بسبب موقعه الجغرافي وتتابع نزوح العديد من الاقوام الى اراضية، وتأسيس حضارات متعاقبة ومتزامنة مؤثرة ومتأثرة، يمثل نقطة تقاطع للعديد من الحضارات والثقافات . وان التركة العظيمة من الثقافات بكافة اشكالها ومصادرها هي معين لاينضب للالهام.

الفن الحروفي والمفردات الاسلامية والتراثية

كان جميل حمودي من اوائل الذين استعملو الحرف العربي في الفن التشكيلي العراقي، رسم حمودي الحرف كوحدة تشكيلية تخلق بتداخلها مع شكل حرف آخر، تم اختياره بوعي، تكوينا يبعدنا عن التفكير بان الشكل الماثل امامنا هو حرف له مغزى صوتي ودالّة تقوم بالتضافر مع حروف اخرى بتقديم كلمة ذات مغزى، أو باعتبارها حاملا للمفهوم، والناظر العربي الى اللوحة ـ اقصد بذلك الذي يستطيع القراءة ـ على خلاف الناظر غير العربي اليها، يصعب عليه ان يتملص من الدلالة الصوتية للحرف لكي يستطيع أن ينصرف كليا الى دلالته التشكيلية، بنيانه، شكله، انعطافاته و رشاقته ...الخ وعمل جميل حمودي، الذي حدد في الغالب الحرف بخط خارجي، على اثراء الحرف من الداخل بعمل لوني مدروس غني وذي طابع ( صَدَفي ) بتكونه من شظايا لونية صغيرة وباستعمال صبور لسكين الرسم، الذي لابد أن يكون من النوع الصغير ليتمكن من تحقيق هذا التكنيك، وعمل على تحقيق خلفية اللوحة (Background ) بواسطة تكنيك مشابه يكتسب بعض الدكنة بأقترابه من الحروف والتي تعرض علينا نفسها متجاورة و متداخلة . استفادت الفنانة التشكيلية عشتار جميل حمودي، فيما بعد، من التكنيك اللوني لوالدها الا ان موضيعها كانت مختلفة، وسنحاول ان نعرض لتحليل أعمالها في احد الاقسام الخاصة المخصصة للفنانات العراقيات .

لوحات تروي لنا حكايات وأساطير: حسن عبد علوان و فؤاد جهاد

حسن عبد علوان ونسائه المحلقات في اجواء بغداد المزدهرة

يسرد حسن عبد علوان في لوحاته حكايات من الف ليلة وليلة، وتقوم لوحاته على الخيال المحلق، ويسحر الفنان مشاهديه بما لايمكن تصديقة الا في الحكايات والاساطير، فشخوصة أو من باب اولى نسائه ذات تناسب لايتماشى مع قواعد الفن الاكاديمي مما يؤكد الاسطورة والغرائبية، وهو ذو اسلوب خاص ومميز، فهو يستعمل اللون الزيتي بشفافية فائقة كما لو كانت الوان مائية ويترك لالوانه الشفافة ان تتبقع ولاتغطي كامل المساحة وقد روى في احدى الجلسات الخاصة ان انبوبة اللون المحبب لدية البني الغامق ( Burnt umber ) تكفيه على سبيل المثال لانجاز عشرات اللوحات. ان حسن عبد علوان يستلهم الاجواء البغدادية الاسطورية في زمن الازدهار الحضاري والاجواء الاسلامية في استذكار بغداد التي كانت مركز الحضارة العالمية بطريقة مختلفة عن زملائه ودون اللجوء الى مفردات الخط العربي.

وكان الفنان فؤاد جهاد أيضا من الفنانين التشكيلين العراقيين الذي قدموا فنا يعتمد على الحكايات والاساطير مثل القصص الخرافية من الف ليلة وليلة وعلى غرار زميلة حسن عبد علوان، مع الاختلاف الواضح في الاسلوب بين الفنانين . التكوين لدى فؤاد جهاد اكثر تعقيدا وتفصيلا مقابل البساطة والتركيز لدى حسن عبد علوان، وهو ـ أي فؤاد جهاد ـ يستخدم إضافات زخرفية وتفاصيل تخدم جو اللوحة وهدفها في نقل المشاهد الى اجواء الحضارات الاسلامية الوسيطة والطرز المعمارية السائدة آنذاك، كما انه يستخدم بمهارة رقائق الذهب لتعزيز الشعور بالفخامة التي كانت عليها مراكز الحضارة الاسلامية والتي كانت مركز العالم المتطور ظهر فؤاد جهاد بكامل عنفوانه في الثمانينات وكان انحسار نشاطه فيما بعد مما يبعث على الاسف.

قدم سلمان عباس كما ذكرنا في الجزء الاول من هذه الدراسة، وفي المهرجان العالمي للفنون التشكيلية المقام في بغداد 1989 " مثالا بشرا لصعوده المتألق لاحقا " اعمالا مميزة واستخدم المفردة الاسلامية مثل القباب والحروف والخط العربي لاقامة لوحة محكمة البناء وذات تناغم تشكيلي فريد، وكانت مجموعته اللونية منسجمة مع مواضيع لوحاته وقد هيمن عليها اللون اللازوردي ( lapislazuli) واسع الاستعمال في الرسوم وطراز العمارة الاسلامية . سنلاحظ ان سلمان عباس، يشاركه في ذلك فنانون آخرون، قد قدم لوحة اعتمدت المفردة والاجواء والقيم الجمالية الاسلامية والتراثية دون مسعى لمجاملة الذوق السائد والميول سابقة الذكر على حساب القيمة التشكيلية، وهي بذلك اثارت اعجابا واسعا لما لها من قيمة تشكيلية بحتة

سعدي الكعبي : لوحة تزاوج بين الحضارات
تعطي اللوحة المعروضة مع هذا الموضوع للفنان سعدي الكعبي، والتي تعود الى الثمانينات، إنطباعا قويا على ان هذا الفنان قد سعى بلوحته هذه الى دمج متناغم للعديد من مراحل وطبقات الارث الحضاري لبلاد وادي الرافدين من جهة، والحضارة العربية الاسلامية من جهة اخرى. فخط الثلث القديم الذي يَسِمُ خلفية اللوحة والمحدد بخط يحدده من الاسفل ومن الاعلى يعطى الانطباع،بسبب الحقول المتوازية والمتتابعة التي تمثلها، على انه يمثل اثرا بارزا لختم اسطواني مُررَ توا على طينٍ طري، وإذ ينتمي الختم الاسطواني هذا الى الحضارات الرافدينية القديمة فان الكتابة والتي هي بخط الثلث القديم تمثل الحقبة الذهبية من الحضارة الاسلامية،ان العناصر التشكيلية المستمدة من حضارات متعاقبة ومختلفة لم تخلق أي نوع من النفور أو التعارض وانما على الضد من ذلك ظهرت بتناغم وانسجام بسبب وحدة التكوين ومتانة البناء . كما يوحي التكنيك المستعمل والذي يقوم على ما يشبه الحفر بـ ( الرليف) الرافديني وهو ما يعززه أيضا شكل الاشخاص ( figure) باكتافهم العريضة مما هو مألوف في الفنون الآشورية والبابلية لبلاد وادي الرافدين . يعطي سعدي الكعبي شعورا بان لوحته بسبب الالتماع والملمس الناعم الذي توحي كما لو كانت مزججة، وهو على خلاف اغلب الفنانين الذين يدخلون ضمن هذا التقسيم لا يلجا الى الافراط في التلوين وانما يعتمد على لون واحد بتدرجات متباينة (monochrome ) من البنيات والالوان الارضية التي تميز اعماله السابقة والتي كانت اجواء الصحراء والبدو .

تطور اسلوب شوكت الآلوسي شاقا طريقه الخاص، فبعد ان رسم الآلوسي العديد من الدور البغدادية التراثية ذات المعمار المميز ( الشناشيل ) والتي تطورت تاريخيا مراعية الظروف البيئية والاجتماعية، طور اسلوبه اولا برسمها بواسطة اللون الزيتي بشفافية مستخدما اسلوبا يقوم على قشط اللون الزيتي الطري بواسطة شفرة لاظهار الخطوط والزوايا الحادة للشبابيك والمحجرات . ثم انتقل بعدها الى رسم الابواب التقليدية المقوسة لهذه البيوت والتي تحمل نقوشا وكتابات بالخط العربي الذي نفذها هي الاخرى بواسطة ازاحة اللون الطري بالشفرة. وكانت الابواب المقوسة والتي تتقوس على مدخلها كتابات محفورة بخط عربي هي الاتجاه السائد في اعمال هذا الفنان في فترة التسعينات على وجه الخصوص.

قام عبد الحسين تويج بعرض اعماله بشكل رئيسي في عمان وخصوصا في التسعينات ويمتاز هذا الفنان بحساسية لونية عالية وقدرة ملفتة للنظر في خلق انسجام لوني في طريقة رسمة التي اعتمدت بشكل واضح مهارته في الخط العربي دون ان يتخلي عن خلق لوحة فنية كاملة المستلزمات( انظر اللوحة ) . والملاحظ المدقق لاعماله سيلاحظ انه يبني لوحة تحتشد فيها الحروف والكلمات العربية في توليفة تشكيلية تعتمد مستويات متعاقبة من خطوط وكتابات باساليب واحجام متباينة وبالرغم من ان لوحته معقدة البناء الا انها ذات بناء تشكيلي مترابط . ولتعزيز البعد الثالث وتجنب التسطيح يراعي عبد الحسين تويج في هذه المستويات والمكونة من كتابات و بأحجام مختلفة، أن تكون بالوان باردة في المستوى الاول ثم تكتسب بالتدريج الوانا حارة والمزيد من التضادات كلما اقتربت من المستوى الاول.
لقد أثمرت الجهود التي بذلها الفنان حمد شاوي في تأسيس اسلوبه الخاص في استخدام الخط العربي والمفردات الاسلامية وخصوصا القباب والمآذن، ويبذل شاوي مجهودا واضحا وعملا دؤوبا لانجاز لوحته، وكانت بداياته تعكس تقيدا صارما بقواعد الخط العربي الكلاسيكي ويحشد اللوحة بنصوص ثقيلة احيانا من كتابات الثلث والجلي ديواني المتداخلة والتي تحتاج الى مجهود كبير دون ان تخدم اللوحة دائما مما يجعل لوحته تفتقر الى العفوية والانسجام احيانا ولكنه بمرور الوقت انضج اسلوبه وتحرر تدريجيا من قيوده

أياد الحسيني، معرض لاينسى
أقام هذا الفنان معرضا مهما على إحدى قاعات مركز صدام للفنون في أوائل التسعينات، قدم فيها أعمالا نحتية صغيرة اعتمدت الحرف العربي في تكوينات غاية في الاناقة والجمال، وقد استفاد هذا الفنان من ان اعماله مجسمة بثلاثة ابعاد معززا التكوين الذي قدمه والذي لايعطي نفسه كاملا الا دائريا، أي من جميع الجهات حيث تكون الرؤية المجسمة ضرورية لتقييم اعماله وكانت هذه التجربة، حسب علمي، أول تجربة من نوعها لاعمال نحتية تقوم على اعتماد الحرف العربي .

عبد المرسل الزيدي
الدكتور عبد المرسل الزيدي، كما هو معروف، شخص اكاديمي ومسرحي، وقد شغل في التسعينات مركزا اكاديميا مرموقا وهو عميد كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بغداد . ولكن الزيدي كشف عن امكانياته التشكيلية في العقد الاخير من القرن الماضي وقدم اعمالا تشكيلية ذات استعارات اسلامية وتراثية من شبابيك البنايات القديمة وكتابات وتجريدات مستمدة من الزخارف النباتية والهندسية للتراث الاسلامي والبغدادي القديم، وقد روى الدكتور الزيدي ان علاقته مع الفن التشكيلي تعود الى زمن اقدم من التسعينات بكثير، وهذا يبدو بالنسبة لي واضحا من خلال المستوى التقني الذي كان عليه . ورغم التحفظات التي اثارها البعض من ان الزيدي متخصص في المسرح ولاشأن له بالفن التشكيلي، أرى ان الذي ينطلق من اللوحة بروحية مجردة عن اسم الفنان، وهذا اجراء ضروري احيانا في عالم النقد، للتخلص من سطوة الاسم، فانه سيجد ان الزيدي قدم في تلك الفترة وخصوصا الاعمال التي كان يعرضها باستمرار على قاعة الاورفلي أعمالا ذات مستوى جيد مما لايمكن تجاهلة بدعاوى لا علاقة لها بالمعيار النقدي.

كما عرض الفنان ناصر ثامر اعمالا مهمة في المعرض الذي اقامه في التسعينات على قاعة الاورفلي في بغداد . ولكن من المؤسف ان عدم توفرالوثائق الكافية وبالاخص اللوحات لايسمح لي، في الوقت الحاضر على الاقل بالحديث تفصيليا عن اعماله، ولكن هذا الفنان استخدم في أعماله المعروضة الخطوط البارزة المستعملة في الاعمال الزجاجية واستعمل ايضا التلوين بطريقة الرش ( air brush) وكانت اعماله هي الاخرى ذات اجواء تراثية ساحرة .

يتـــــــبع
[email protected]

الحلقة الأولى

الحلقة الثانية

الحلقة الثالثة