الملك غازي الأول ndash; حركة بكر صدقي- حركة رشيد عالى الكيلاني ndash; الملك فيصل الثاني

الملك غازي الأول

كما ذكرت فى الجزء الثامن فان الملك فيصل الأول توفي فى أحوال غامضة فى سويسرا سنة 1933، فخلفه ابنه غازى الأول على العرش. ولد الملك غازي الأول فى سنة 1912 فى مكة التى كانت خاضعة لحكم العثمانيين، وعاش فى كنف جده الحسين بن علي الهاشمي شريف مكة الذى قاد الثورة العربية وطالب باستقلال العرب من العثمانيين واعادة الخلافة الاسلامية الى العرب.

أصبح وليا للعهد على عرش العراق سنة 1924 عندما كان والده فيصل الأول ملكا على العراق. وعند وفاة فيصل الأول سنة 1933 أصبح غازي ملكا على العراق وعمره 21 عاما.

الملك غازي ناهض النفوذ البريطاني فى العراق وتقرب من حكومة هتلر النازية نكاية بالبريطانيين، مما أكسبه محبة العراقيين الذين كانوا يكرهون الانكليز كراهية عميقة، فكانت تلك الكراهية ورقة رابحة بيد كل سياسي يريد حكم العراق حتى وان كان يفتقر الى مقومات الحكم. وفى الوقت الحاضروبعد اجتياح الأمريكان للعراق سنة 2003 وتخليص العراقيين من واحد من أسوأ حكامه (ان لم يكن أسوأهم)، تحولت الكراهية من البريطانيين الى الأمريكيين، فسارع السياسيون وكل من يرغب بالحكم الى اعلان كراهيته للأمريكيين للفوز بالمناصب.

كان السياسيون والعسكريون منقسمين الى جبهتين متناقضتين، الأولى تؤيد النفوذ البريطاني مثل عبد الاله ونوري السعيد، والثانية وقفت الى جانب الملك غازي الذى نادى بتحرير الأراضي العربية التى كانت متحدة تحت حكم الأتراك العثمانيين واحتلتها برطانيا وفرنسا، كما دعى الى تحرير الكويت من الوصاية البريطانية وتوحدها مع العراق. وفى عهده قام بكر صدقي بانقلابه الفاشل، وقيل أن الملك غازي هو الذى حرضه على الانقلاب للتخلص من الجبهة التى تؤيد بقاء النفوذ البريطاني فى العراق.

وفى يوم 4 نيسان 1939 قتل غازي فى حادث سيارة قرب قصره، وقيل أن ذلك الحادث كان مدبرا وأغلبية الشعب العراقي كانت تعتقد بأن عبد الاله ونوري السعيد كانا المدبرين لذلك (الحادث).

ثورة بكر صدقي

ولد بكر صدقي فى قرية قرب كركوك من أبوين كرديين ودرس فى اسطنبول وتخرج ضابطا فى الجيش العثماني. وبعد طرد العثمانيين من العراق انضم للجيش العراقي الجديد برتبة ملازم. وبالرغم من كونه كرديا فقد كانت ميوله قومية عربية. وصل الى رتبة فريق فى عهد غازي وقاد الجيش ضد انتفاضة الآثوريين سنة 1933 (فى زمن فيصل الأول) ثم ضد انتفاضة العشائر فى الفرات الأوسط سنة 1935، ثم ضد انتفاضة البارزانيين. وفى أواخر عهد وزارة ياسين الهاشمي اشتد الصراع بينه وبين المعارضة. وكان بكر حينذاك قائدا للفرقة الثانية يتردد على قطب المعارضة حكمت سليمان التركماني، واختمرت فى ذهنه فكرة اسقاط وزارة الهاشمي عن طريق انقلاب عسكري. وفى صباح 29 تشرين الثاني/اكتوبر 1936 سيطرت قواته على بغداد وأعطى مهلة 3 ساعات للملك غازي لاقالة وزارة الهاشمي. واضطر الملك الى تكليف حكمت سليمان بتشكيل وزارة جديدة بعد ان وصلت قوات الجيش الى بغداد عصر ذلك اليوم دون أن تلقى أية مقاومة.

أما ياسين الهاشمي ورشيد عالى الكيلاني ونوري السعيد فقد غادروا العراق بمساعدة السفارة البريطانية. ونظمت العناصر الوطنية المظاهرات المؤيدة للحكومة الجديدة. وسيطر بكر على مقدرات البلد وأجرى انتخابات فى 20 شباط/فبراير1937 وجاءت النتيجة كما خطط لها.

وفى 9 آب/اغسطس 1937 قرر بكر صدقي حضور مناورات عسكرية تركية، وعند جلوسه فى حديقة مطعم مطار الموصل هاجمه نائب العريف عبد الله التلعفري وأطلق النار عليه فقتله مع قائد القوة الجوية الذى كان حاضرا مع بكر صدقي. وسرت اشاعة بأن ضابط الاستخبارات البريطانية كان وراء عملية الاغتيال. وجرى تشييع رسمي للجثمان وفى مقدمته الوزراء وكبار ضباط الجيش والأعيان والنواب والسفراء ورجال الدين.

الملك فيصل الثاني

ولد فيصل الثاني فى عام 1953 فى بغداد ونشأ فيها ودرس على يد أساتذة اختصاصيين باشراف الدكتور مصطفى جواد الذى حاول جهده ان يربى الملك تربية وطنية خالصة، فأصبح القصر ضده وأخيرا أبعدوه عنه.
آل عرش العراق الى فيصل بعد وفاة والده وعمره 4 سنوات، وأعلمت أمه المسئولين بأن زوجها الملك غازي أوصى أن يكون أخيها (خال فيصل) وصيا عليه. وهذه مسألة مشكوك فيها اذ كيف يوصي غازي المناهض للانكليز أن يكون عبد الاله الممالىء والخاضع للنفوذ البريطاني وصيا على ولده فيصل؟

بعد أن أكمل فيصل دراسته فى بريطانيا فى 23 تشرين الأول/اكتوبر 1952 عاد الى العراق حيث تولى سلطاته الدستورية فى يوم 2 أيار/مايو 1953 واحتفل العراقيون بذلك وكلهم أمل بأن فيصلا سيقودهم نحو مستقبل أفضل بعد أن ضاقوا ذرعا بالاضطرابات والرجات المتتالية من انتفاضات أهالى الفرات والأكراد والآثوريين، وانقلابات بدأها بكر صدقى وتبعه رشيد عالى الكيلانى والمضاهرات الدامية المتتابعة والتغيير السريع للحكومات (منها من لم تلبث فى الحكم أكثر من أيام قليلة معدودات).

ثورة رشيد عالى الكيلاني

ولد رشيد عالى ببغداد فى سنة 1893 وتولى منصب وزارة العدل سنة 1924 فى وزارة ياسين الهاشمي. أنشأ نقابة للمحامين ونظم المحاكم على اسس عصرية، واشترك مع ياسين الهاشمي فى تأسيس حزب الاخاء الوطني. شكل وزارته الأولى فى سنة 1932 ولكنها حلت بعد وفاة الملك فيصل الأول.

عندما قام بكر صدقي بانقلابه فى سنة 1936 ضد حكومة الهاشمي ndash;كما أسلفنا- كان الكيلاني من بين الهاربين الى خارج العراق ولم يعد الا بعد اغتيال بكر صدقي سنة 1937. ثم تولى منصب رئاسة الوزراء فى آذار 1940.

كانت بريطانيا ترتبط بالعراق بمعاهدة سنة 1931 التى تضمنت عددا من الالتزامات لكل من الطرفين اتجه الطرف الآخر، منها السماح لقاعدتين جويتين لبريطانيا واحدة فى البصرة والأخرى فى الحبانية، وتتعهد بريطانيا بتزويد العراق بأحدث أنواع الأسلحة والمعدات الحربية، ويقدم العراق التسهيلات للقوات البريطانية فى العراق فى حالة نشوب حرب دولية. ولكن البريطانيين كثيرا ما وضعوا العراقيل أمام الحكومة العراقية فى محاولاتها لشراء أسلحة من دول غير بريطانيا.

وبعد نشوب الحرب العالمية الثانية رفض رشيد عالى طلب البريطانيين بقطع العلاقات مع ايطاليا حليفة ألمانيا، فاحتجت بريطانيا بشدة على الحكومة العراقية، وطلب الوصي عبد الاله من رشيد عالى تقديم استقالته، فاستقال فى 30 كانون الثاني 1941.

تلقى الجيش والشعب هذا النبأ بغضب شديد وقامت المضاهرات ضد حكومة الهاشمي الجديدة التى خلفت حكومة رشيد عالى، وقام بعض قادة الجيش بانقلاب ضد عبد الاله الذى هرب مع نورى السعيد الى البصرة. سقطت الحكومة وسيطر الجيش على الوضع وأعلن عن تشكيل حكومة جديدة برآسة رشيد عالى الكيلاني. اعتبرت بريطانيا أن ما حدث يهدد مصالحها، فقررت تصفية الحركة قبل استفحالها، وفى يوم 29 نيسان 1941 نزل الجنود البريطانيون فى البصرة، وتحشدت على الحدود الغربية قوات بريطانية بمعيتها قوات أردنية، واندفعت نحو بغداد.

التتمة فى الجزء القادم


عاطف العزي

الجزء الثامن