إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 2739 الخميس 20 نوفمبر 2008 آخر تحديث  GMT 8:30:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات>> مكتبة إيلاف   
    

خلاصة تنفيذية في سببية العمارة وجدليتها

GMT 17:30:00 2006 الأحد 5 نوفمبر

رفعة الجادرجي


صدر مؤخرا للمعماري العراقي رفعة الجادرجي كتاب عنوانه: "الخلاصة التنفيذية في سببية وجدلية العمارة"، عن دار "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت. وقد سمح لنا مشكورا الدكتور رفعة الجادرجي إعادة نشر مقدمته للكتاب.


1. مقدمة
نشرت هذه المجموعة من المقالات بين عامي 1995 و 2006. كان البعض منها بدعوة من قبل الناشر، و الأخرى دراسات هيئتها بهدف الاشتراك في ندوات و مؤتمرات عن

اقرأ أيضا:

مقارنة العمارة الإسلامية بالغربية

العمارة. كنت أهيئها لتوضيح الفكرة بالنسبة اليّ، و من ثم اعرض الموضوع عن طريق تخطيط بياني، و ليس كقراءة للنص.
إن ما يجمع هذه المقالات، على رغم الفترة الزمنية، في أنها تنبني على مفهوم لبنيوية العمارة. أبيّن هنا في هذه الدراسة التوضيحية عموميات المفاهيم التي وردت فيها، و تتركز على حركة الدورة الإنتاجية، و تطور صيغها التي تحصل بسبب تفاعل جدلي لثلاثة مستقطبات، و هي:
الحاجة الاجتماعية و التكنولوجية الاجتماعية، و يحرك التفاعل بينهما المستقطب الثالث و هو الفرد المفكر و الفاعل الذي يمثل المجتمع. و المجتمع هو الذي يعي بالحاجة إلى عمارة ما، فيقدم على ابتكارها و تصنيعها، و من ثم تشغيلها كأداة بهدف إرضاء الحاجة المعينة.
 أما السببية، فهي الترابط بين الحدث و النتيجة، بين الفعل و المحصلة، و المسبِب هو ذلك الذي يقرر و يحتم و يكيّف المحصلة، فيما تكون إرادة الفرد و قدراته الابتكارية و مخيلته هي المسبِب، فيكون المسبَب هي المصنَّعات.
و المصنَّعات هي تلك الكيانات المادية المحصلة للدورة الإنتاجية، بما في ذلك العمارة و العربة و الملابس التي تسخر من قبل الفرد و الجماعة بهدف إرضاء حاجة ما.
لا أعتقد أن هناك ضرورة لبيان التنوع و الاختلاف في مفاهيم الجدلية التي ظهرت منذ هرقليطس مروراً بأفلاطون و جوهان غوتيلب فيخته و هيغل و ماركس و كثيرين من الفلاسفة المحدثين، و بخاصة بعد منتصف القرن العشرين، لذا سأكتفي بالإشارة إلى أرنالد هاوزر (1) في مجال تاريخ الفن و الفلسفة، و إدورد ولسن (2) في مجال السوسيوبيولوجية (3).
و بما أن قاعدة جميع المقالات هي مفهوم جدلي و سببي، ضمن مفهوم عام لبنيوية ظاهرة العمارة، فقد ارتأيت أن أعرض هنا ما تحتوي هذه المقالات من تنظير، و ما تشير إليه

محتويات الكتاب:

مقدمة: جدلية العلاقة بين التاريخ الاجتماعي و التراث العمراني ... بقلم د. مسعود ضاهر

الفصل الأول: جدوى رصيد السلف في تكوين المعيش المعاصر
 مقدمة
 أولاً: التعرف على بنيوية العمارة
 ثانياً: مقومات المعاصرة
 ثالثاً: التشخص و الفردانية
 رابعاً: المركزية الغربية
 خامساً: موقف الفكر العربي في مجال العمارة من المركزية الأوروبية
 سادساً: الفصل و الوصل
 سابعاً: حركة الفصل و الوصل
 ثامناً: رصيد السلف و المعالم التراثية
 تاسعاً: أهمية استحداث الهوية المعاصرة
 عاشراً: خصوصية المعاصرة
 حادي عشر: المقومات العالمية و أصناف العموميات   

الفصل الثاني: الهوية و الخصوصية في الفن و العمارة
 مقدمة
أولاً: مقومات المعاصرة
ثانياً: التذاوت المتبادل
ثالثاً: توازن إرضاء الحاجات
رابعاً: سيميائية الإنتاج
خامساً: أصناف المتعلمين و ضمير المجتمع

الفصل الثالث: عن المدن و مساحة الفنون ... ثانية
أولاً: الناقد و دوره في المجتمع
ثانياً: التغذية الاسترجاعية  (Feedback)
ثالثاً: البنيوية و البنى
رابعاً: مفهوم البنيوية
خامساً: مفهوم الحاجة و أصنافها
سادساً: الحاجة الاستطيقية
سابعاً: آليات إرضاء الحاجة الاستطيقية
ثامناً: المعرفة و القيم في الدورة الإنتاجية
  تاسعاً: الاختصاص
 عاشراً: سيميائية بنيوية العمارة
 حادي عشر: مصطلح الرمزية
 ثاني عشر: تفاعل الأقطاب الجدلي
 ثالث عشر: الحوار في الدورة الإنتاجية
 رابع عشر: خصائص المادة و صفاتها
 خامس عشر: تلوث البيئة المعمّرة
 سادس عشر: السبريانية

الفصل الرابع: المعمار والمجتمع
 مقدمة
 أولاً: تكوين المجتمع و الفرد و الجماعة
 ثانياً: النقص في تكوين بايولوجية الفرد و ظهور الحاجة اللاغريزية
 ثالثاً: توليد المُصنَّع و ظهور الإنتاج اللاغريزي
 رابعاً: أصناف الحاجة الاجتماعية
 خامساً: الدورة الإنتاجية و دور الفرد فيها
 سادساً: ظهور الاختصاص
 سابعاً: سيميائية المراحل الانتاجية
 ثامناً: مراحل تطور الإنتاج
 تاسعاً: عصر النهضة
 عاشراً: الإنتاج الممكنن و المعاصرة
 حادي عشر: العلوم المعاصرة و الاختصاص
 ثاني عشر: المعمار و التقني
 ثالث عشر: الحداثة
 رابع عشر: ما بعد الحداثة
 خلاصة

الفصل الخامس: التقانة الاجتماعية و بيئة الحرب
 أولاً: صفات وجودية الإنسان
 ثانياً: أداة التعامل مع البيئة
ثالثاً: التقانة الاجتماعية
رابعاً: المطلب الاجتماعي
خامساً: العلاقة المتبادلة بين المطلب الاجتماعي و التقانة الاجتماعية
سادساً: أصناف المطلب الاجتماعي و توازنها سابعاً: مقومات التقانة
ثامناً: الدورة الإنتاجية
تاسعاً: تركيب سيرورة الاتصال
عاشراً: إفساد سيرورات التذاوت يُفسد التضامن الاجتماعي
حادي عشر: خفة حدة فساد الإيصال في المجتمع التقليدي
ثاني عشر: الإنتاج المعاصر و ظهور التنحي
ثالث عشر: الحرب الأهلية و خلل تقانة الإيصال
رابع عشر: مراحل آليات تلوث العمارة
خلاصة

الفصل السادس: إشكالية العمارة و التنظير البنيوي
 أولاً: التنظير البنيوي للعمارة
 ثانياً: وظيفة العمارة
 ثالثاً: بنيوية العمارة Structure)) 
 رابعاً: الإنتاج التقليدي و المعاصر
 خامساً: الحداثة
 سادساً: ما بعد الحداثة
 سابعاً: العالمية و العولمة  ثامناً: إفساد العمارة و تلوثها
 تاسعاً: الحاجة إلى تنظير بنيوي

الفصل السابع: المسؤولية الاجتماعية لدور المعمار، أو المعمار المسؤول
 أولاً: بنيوية العمارة
 ثانياً: العمارة التقليدية
 ثالثاً: المعاصرة
 رابعاً: الحداثة
 خامساً: العالمية و العولمة
 خلاصة
   الفصل الثامن: العمارة المقدسة
 أولاً: المقدس و هوية الفرد
 ثانياً: مقومات هوية الفرد
 ثالثاً: ظهور تصور «الروح» و الإنسان النيناندرتالي
 رابعاً: الدورة الإنتاجية و متطلبات الحاجة الرمزية
 خامساً: أصناف الحاجة
 سادساً: مصطلح الرمز
 سابعاً: مقومات الهوية
 ثامناً: الحاجة الرمزية
 تاسعاً: صفة المقدس
 عاشراً: ظهور مفهوم المقدس من السحر إلى الدين
 حادي عشر: توليد شكلية المقدس للوجود المادي
 ثاني عشر: نقلة الفكر إلى مادة

الفصل التاسع: دراسة مقارنة لعمارة الحضارة العربية الإسلامية
 مقدمة

 أولاً: الحاجة عند الإنسان
 ثانياً: الدورة الإنتاجية - مراحل الدورة الإنتاجية، آلياتها و مقوماتها
 ثالثاً: تطور القدرات الاستطيقية في العالم الإسلامي
رابعاً: النقلة إلى الحداثة
خامساً: النقلة في العمارة 

الفصل العاشر: رؤيا لمفهومي الجمال و القبح
 مقدمة
 أولاً: الإنتاج
ثانياً: صيغ الإنتاج في حضارة الإنسان
ثالثاً: الحاجة الاجتماعية Social Need))
رابعاً: الحاجة الاستطيقية (Aesthetic need)

الفصل الحادي عشر: مقارنة بين ثلاثة أنماط فكرية: الأمثال، واللاهوت، والفلسفة
 أولاً: الأنماط الفكرية
 ثانياً: الأمثال، صفاتها ووظائفها
 ثالثاً: ظهور نمط الفكر اللاهوتي
 رابعاً: ظهور نمط الفكر الفلسفي
 خامساً: مقارنة بين الأنماط الفكرية الثلاثة

خلاصة

في مجالات متعددة في تفهم العمارة، أي اختزال المفاهيم التي جاءت بها، بدلا من اختزل مواضيعها بحسب ظرف تقديمها. و سيتضح من سياق عرض هذا المختزل الصيغة التي سخرت فيها مفهوم الجدلية، مقارنة مع صيغها المتعددة التي ظهرت في تاريخ تطورها.
لقد انبنت جميع المقالات على مفهوم لبنيوية العمارة، و هو مفهوم وضعت مبادئه الأولية في عام 1950، و أقدمت منذ ذلك الوقت على توسيع و تطوير هذا المفهوم في مجالاته النظرية و التطبيقية، أي في مجال ممارسة العمارة. و بمرور الزمن، أصبحت هيكلية البنيوية و الحركة الجدلية، كما يلي: لكل ظاهرة، سواء أكانت جامدة أم حياتية، فكرية أم مادية، لا بد لها من مقومات قائمة في الوجود، وإلا لما وجدت. و كل ظاهرة، لا بد من أن تكون في حالة حركة و تغيير مستمر، سواء كان التغيير ملموسا أم لا، و لذا فهناك علاقات من تفاعل و تفعيل بين مقوماتها. و لأن هناك تفاعل، فلا بد من أن تستقطب هذه المقومات بمقررات متضادة و متفاعلة في سيرورات من تفعيل جدلي. و فيما اعتمد مفهوم الجدلية بعامة مستقطبين تحرك سيرورات تفاعلها، فقد اعتمدت ثلاثة مستقطبات.
تتجمع في مجال ظاهرة العمارة و المصنعات بعامة مقومات تستقطب، فتؤلف ثلاثة مقررات: الحاجة الاجتماعية التي تتضمن الحاجة النفعية، والحاجة الرمزية، و الحاجة الاستطيقية. كل من هذه الحاجات متأصلة في وجودية معيش الإنسان، كما إنها متأصلة في سيكولوجيته. و في المقابل، هناك مقرر التكنولوجية الاجتماعية الذي يتضمن المادة الخام، و الطاقة المسخرة في تحريك الدورة الإنتاجية. إن محرك سيرورة الجدلية هو المستقطب الثالث، و هو الفرد كإرادة متضمنة المعرفة و الأوهام و المزاج و القدرات الابتكارية. و تحقق هذه المستقطبات تحريك الدورة الإنتاجية التي تحقق إرضاء الحاجة.
و بما أن حركة الدورة الإنتاجية هي التفاعل بين المقررات الثلاثة، فيصبح المحتوى Content، بكونه مطلباً، أحد مقومات الحاجة الاجتماعية، فيصبح الشكل في هذا التنظير عبارة عن التعبير المادي للمطلب/المحتوى. و لذا السجال في تاريخ التنظير الذي يفاضل أهمية المحتوى مقابل الشكل أو العكس، هو تنظير ظهر منذ العصر الكلاسيكي الإغريقي، و يؤلف قاعدة السجال القائم بين الرومانتيكية و الواقعية، و مختلف تسمياتها و صيغها التي اشتدت صيغها السياسية في منتصف القرن الماضي، بين «المنظر الاشتراكي» الذي يفاضل المحتوى، في مقابل «المنظر الغربي» الذي يفاضل الشكل، سجالاً لا ينبني على قاعدة جدلية بنيوية مادية، بل مثالية، على الرغم من الادعاءات لخلاف ذلك، لأن الخلاف الحقيقي بين الطرفين في السجال ليس المحتوى مقابل الشكل و أيهما أفضل، و إنما في الواقع هو حول الصيغ المتعددة للمحتوى، أي الوظائف المتعددة لإرضاء الحاجات المتعددة و المتباينة التي تظهر في المجتمع المركب. و لذا جاء واقع الخلاف حول الصيغ المتعددة لإظهار المحتوى كشكل بكونه محصلة للدورة الإنتاجية (4)، من غير أن يعي هذا السجال واقع جدلية الحركة ضمن الدورة الإنتاجية و موقع الشكل فيها.
و من هنا نؤكد بأن شكل المصنّع ما هو إلا محصلة للتفاعل الحاصل بين المقررات الفعالة ضمن الحركة الجدلية و واقعية الدورة الإنتاجية، و التنظير هنا في هذه المقالات يستند الى هذه القاعدة.

2. البنى و البنيوية
إن غالب ما كتب عن تاريخ الفن و العمارة و التنظير فيهما، جاء مهتما أساساً في التكوين الشكلي Form للمُصنَّعات و مقتصراً عليها، و هو وصف يركز على شكلية الظاهرة في حالاتها الواقعية الملموسة بكونها كتلاً لها جسم مادي، أي البنى Construct، و البنية كما هي الكيان المادي القائم في الزمان و المكان.
إن البنية هي مادة كأداة تُصنَّع و تُسخَّر لتؤدي وظيفة محددة. و من هنا يتعامل معها الفكر و يقف منها موقفاً كمؤرخ مدوّن لواقعية وجودها، و كمنظر لتصنيف و تقييم أنماط أشكالها القائمة أو السائدة في الزمان و المكان.
أما النهج البنيوي Structure، فيسعى إلى إجراء استقراءات للوقائع التاريخية المتعددة و لشكلية عدة بنى'، و لا يتحدد بزمان أو بمكان. تتركز وظيفة هذا التنظير البنيوي، شأنه شأن التنظير البنيوي في المجالات الاجتماعية و الطبيعية الأخرى، في تهيئة مفاهيم معممة لبنيوية المُصنَّعات، فهو مفهوم يجرد شكليات هذه المُصنَّعات من تاريخها الخاص، و من خصوصيات ظروفها الاجتماعية، و يسعى إلى التعرف على الظاهرة، و إلى مقوماتها المادية و الفكرية، كأنماط و ليس كوجود مادي في الزمان و المكان.
و هنا مصدر أهمية بيان العلاقة بين البنية Construct و البنيوية Structure و ترابطهما الجدلي: عندما تكون البنية هي واقعية الوجود، المادي و المعنوي، في الزمان و المكان للمقومات الفكرية و المادية، و محصلتها هو كيان قائم و مقترن بوظيفة اجتماعية. و تؤلف واقعية البنيوية، من جهة أخرى، تلك الحالات من معممات و أنماط للمتكررات و للمتشابهات لمختلف المقومات و الحركات ــ الثوابت و الإطراديات ــ التي لا تتحدد بزمان أو بمكان. و التنظير البنيوي هو، إذاً، المعرفة لهذه الثوابت و الإطراديات، سواء كانت ظاهرية أو لاملموسة، و التي تنظم بموجب مفاهيم عقلانية واضحة.  أدى التطور الهائل في علوم بنيويات الكثير من الظواهر، منذ القرن السابع عشر، من قبل علماء كغاليلو و نيوتن و دارون، إذ اكتشفوا الكثير من بنيويات الظواهر ضمن علوم الفيزياء و الكيمياء و الحياتية و الطبية و اللسانية و النفسية. إلا أن ظاهرة العمارة بقيت، و معها ظاهرة الفن بعامة، تفتقر إلى مفهوم بنيوي، إذ لم يزل ينحصر غالب التنظير و التدوين في العمارة، بما في ذلك في المجال الأكاديمي، و هي محتبس غالبه في بردمية Paradigm)) مسألة التكوين الشكلي. و يركز جمّ اهتمامه في مقارنة الشكل، و تدوين تاريخ ظهور طرز الأشكال، و وصف معالمها و انتشارها و مقارناتها. إن الشكل في هذا التنظير هو كيان يعرض غالباً كما لو كان خارج الدورة الإنتاجية، و يهمل الإشارة إليه، و ليس بكونه محصلة لها، كما يعرض في صيغة المثالثة و اللاهوتية بكونه منزّلاً أو ملهماً، أي مثالاً أعلى و خارج قوى إرادة البشر ـ كما في التنظير الأفلاطوني و اللاهوتي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تؤلف العمارة مقوماً متأصلا في سلوكيات الفرد مع البيئة الاجتماعية، المتمثلة بالدار و المعبد و المخزن و غيرها من بنى' أخرى، أي إنها أساس في تفعيل القدرات الحسية البصرية و الوجدانية للفرد في معيشه اليومي، إضافة إلى وظيفتها كأداة ترضي الحاجة النفعية. إنها أداة فعالة في الحوار العاطفي و الوئامي في تكوين العاطفة الجمعية للمجتمع، و في صياغة همومه عامة. و بقدر ما يُسخِر فكر المجتمع العمارة في إفعال حوار جمعي و صحي و شفاف بين مختلف أفراد الجماعة، بقدر ما تكون أداة فعالة في تحقيق تماسك اجتماعي صالح. لذا هي أداة ترضي حاجة متأصلة في تكوين كيان الإنسان الجسدي و الفكري، إن كانوا أفراداً أو جماعات. و لذا فإن التنظير الموضوعي ليس ترفاً في ظاهرة المصنّعات، العمارة و الفنون، و إنما ضرورة لبناء مجتمع يستمتع بالفنون، و يواكب تطوراته و تنوعاته، و هو يؤمن لنفسه تماسكاً اجتماعياً صالحاً.

3. مركب الحاجة
أشرنا الى أن مقرر الحاجة في التفاعل الجدلي يتكون أو يظهر في ثلاثة أصناف، و هي:
ـ الحاجة النفعية
ترضي الحاجة النفعية المتطلبات الأساسية و القاعدية في تأمين الوجود، و المتمثلة بمُصنَّعات كالملجأ و المخزن و النقل و الحماية. و يتجسد هذا في شكلية وظيفة الدار و القلعة و العربة و السيف و الكرسي المريح.
ـ الحاجة الرمزية
ترضي الحاجة الرمزية متطلبات هوية الفرد و المجموعة، و ترضي حاجة الذات الواعية بذاتها لتؤمن موقعاً مناسباً لذاتها بين مختلف الأشياء. و تتجسد هذه العلاقة عن طريق تصنيع أجسام مادية ملموسة تحمل معالم تعبر عن هوية الذات. يتمثل هذا التعبير بفخامة الدار أو القصر و رقي شكلياته، و في اللباس الإثني للفرد، و طرز المعابد و ضخامتها.
ـ الحاجة الاستطيقية
هناك ظرفان سببا ظهور الحاجة الاستطيقية في سيكولوجية الإنسان، و هما البيولوجية و الإنتاجية. و مع تطور دماغ الإنسان العاقل ظهر تناقض تأصل و دام في سيكولوجيته. من جهة تطلب التجوال في بيئات متنوعة الفطنة و الانتباه الدائمي، و تدريب الفكر على القرار السريع، و إلا عجز عن تأمين البقاء. و قد أصبح تكرار التعامل بالنسبة إليه تعاملاً من دون الوقوف على معرفة مستجدة، و هي حالة تؤدي إلى الملل، فقفزت بيولوجية قدرات الاصطفاء الطبيعي التي ورثها من الإنسانيات، و ابتكرت قدرات ابتكار التنوع في التعامل مع متطلبات المعيش بعامة، بما في ذلك المصنَّعات. و بهذا تمكنت سيكولوجية الإنسان من تخفيف حدة ملل وجودها.
من جهة أخرى، بقدر ما أخذ عقل الإنسان يتأمل بواقعية وجود ذاته، أخذت هذه الذات المتأملة بوجودها تعي بأن حقيقة بقائها ليس أكثر من صدفة بيولوجية، أي أن بقاءها لا معنى له، سواء أكان هذا وعياً واضحاً أم ضمنياً.
لذا ظهرت و تطورت و نضجت حاجة مساءلة عبثية الوجود، فظهر في وعي سيكولوجية الإنسان منحى يهدف إلى منح قيمة للوجود عن طريق الاستمتاع، و هذا بعد أن يتحقق الإرضاء، بالقدر المناسب. يؤمن البقاء عن طريق إرضاء حاجتين: النفعية و الرمزية، سواء في الواقع أو مفترض في المخيلة، فيتحول عندئذ الوجود في سيكولوجية الذات، من حالة الاكتفاء بـ «السرور» إلى ابتكار وجود «ممتع»، فيتجاوز بذلك واقع عبث الوجود.

4. الدورة الإنتاجية
4.1 ليس في قدرة الإنسان العاقل المعيش من دون تسخير مصنَّعات كأداة إرضاء الحاجة، و لذا أصبح الإنتاج بالصيغة التي يمارسها مجتمع الإنسان ضرورة بيولوجية كلجرية Culture.
4.2 إن آلية تفعيل الدورة الإنتاجية، و تحقيق المصنَّعات للوجود هي تغيير حالة مادة خام، منتزعة من الطبيعية، إلى شكل المصنَّع، و ذلك عن طريق معرفة موروثة و مكتسبة اجتماعياً، و مبتكرة من خلال التعامل نفسه. و يتحقق هذا التعامل حينما تستقطب مقوّمات متعددة بثلاثة مقررات.
هناك نوعين للقوى التي تحرك الدورة الإنتاجية: أولاً، التفاعل بين قدرتين، قدرة الابتكار و الذاكرة. و هما قدرتان ترث بيولوجياً، و تبقى كامنة سابتة، و لا تؤلف سلوكيات معينة، و إنما إمكان محتمل في انتظار تفعيل. و لا تتحرك ما لم تنشط. لذا يقدم المجتمع و يهيئ الظرف المناسب لتفعيل هذه القدرات التي يرثها الفرد المعيّن، و بقدر ما يتمكن من ذلك يتقدم الإنتاج، و عكس هذا بقدر ما يعجز، يعجز و يفسد، و يخرج عن مجال المنافسة. و في تداخل مع القوى المحركة الأولى هناك التفاعل الجدلي بين المقررات الثلاثة التي تؤلف القوى المحركة الثانية في تفعيل الدورة الإنتاجية.
و من بين أهم ما تشير إليه بنيوية المصنّعات هو أن الدورة الإنتاجية تتضمن أربع مراحل متعاقبة بالضرورة. و هي كما يلي:
ـ المرحلة الرؤيوية: يعي الفرد بحاجة ما، أو يبتكرها، مع ابتكار المعيش معها و بواسطتها، و يبتكر في المخيلة شكلاً لأداة إرضائها، و يرسل صورتها إلى مرحلة التصنيع.
ـ مرحلة التصنيع: تستلم صورة المصنَّع، و تفاعل المادة الخام، و تحولها إلى شكل المصنَّع، فيظهر هذا المصنَّع للوجود.
ـ مرحلة التلقي: يستلم المتلقي المصنَّع و يشغله في وظيفة إرضاء الحاجة.
ـ مرحلة التغذية الاسترجاعية: بعد أن يمارس المتلقي تشغيل المصنَّع في وظيفة إرضاء الحاجة، يرسل تجربة جدوى المصنَّع كأداة إرضاء للحاجة إلى المرحلة الرؤيوية في الدورة الإنتاجية اللاحقة، فترسل التغذية الاسترجاعية معلومات إلى المرحلة الرؤيوية تبيّن سواء كان الكرسي المصنع مريحاً أو عكس ذلك.
و تشير بنيوية العمارة بأنه ظهر في تاريخ تطور الإنتاج في حضارة الإنسان مرحلتان من العلاقة بين الفكر و المخيلة في مقابل التغيّر الحاصل في المادة الخام: تؤلف المرحلة الأولى قاعدة الإنتاج التقليدي الذي ينبني على العلاقة السبريانية Cybernetic interaction، و ذلك منذ ظهور الإنسان العاقل، و لغاية نهاية القرن الثامن عشر. و ظهرت المرحلة الثانية مع ابتكار الإنتاج الممكنن، و مع تقدم استعمالها بهذا القدر أخذت تتعطل هذه العلاقة، و تخرج عن الدورة الإنتاجية.
السبريانية، هي تلك العلاقة الحسية المباشرة و الملموسة بين حركة يد الحرفي و الفكر المحرك لها من جهة، و التحول الحاصل في المادة الخام، و التأمل في هذا التحول خلال أنيات التوقف الميكري Micro المتعاقب للحركة من جهة أخرى، فيقيم الفكر محصلة الحركة و يعيد استراتيجية سيرورتها اللاحقة.
و جاءت الماكينة لتأخذ موقع الوسيط بين حركة التحول و حسية اليد. و لذا أحدثت المكننة تحولاً جذرياً في تاريخ الإنتاج، و في العلاقة مع ابتكار الشكل. لقد عجز الكثير عن التنظير في تقدير أهمية هذا التحول، بمعنى، أن غالب الحس الذي يتعيّن أن يتضمنه شكل المصنَّع انتقل من مرحلة التصنيع إلى مرحلة الرؤيوي، أي أصبح ضمن وظيفة المعمار المعاصر. أدى هذا التحول في موقع توليد الحسّ إلى إحداث قطع جوهري في سيرورة تطور تاريخ الشكل، و تغيير جذري في ابتكار شكل المصنع: الممكنن عن ذلك التقليدي اليدوي. لقد أخذ يؤلف عجزاً في تفهم هذا التغيير الجذري في العلاقة بين التصنيع الممكنن عن ذلك اليدوي الذي أصبح من بين أهم مسببات توليد أشكال خرقاء للمصنّعات، وأدى تبعاً لذلك إلى تلوث البيئة المعمّرة.

5. سيميائية الدورة الإنتاجية
إن وظيفة سيرورة الدورة الإنتاجية هي تحويل المادة الخام إلى شكل المصنَّع، كما أن وظيفتها الأخرى الأساسية هي في إيصال المعلومات بين المراحل الأربع للدورة. إن أي عجز في هذا الإيصال سيؤدي إلى إفساد الدورة. و بما أن هناك ثلاثة أصناف من الحاجة، فتبعاً لها هناك ثلاثة أصناف من الإيصال كل منها يقوم بوظيفة إيصال المعلومات التي تخصّ الصنف المعين من الحاجة: النفعية و الرمزية و الاستطيقية. و تتخصص المعلومات التي تنقل من مرحلة الى أخرى بالعلاقة المعرفية المتطلبة إيصالها بين مراحل الإنتاج.
هناك في العلاقات السيميائية في مجتمع الإنسان نوعان من الإيصال:
1- «الإيصال الزائل»، و هو الذي يسخر واسطة إيصال زائلة، البصرية و الصوتية و الشمّية، متمثلة بالنطق و الغناء و الرقص و المايم (5).
2- «الإيصال الباقي»، و هو الذي يسخر واسطة إيصال باقية نسبياً، متمثلة بالمعالم المادية للمصنَّعات التي تمتد قدراتها الاتصالية في الزمن. تستند كفاءة وظيفة المصنع كأداة إرضاء الحاجة الى كفاءة إيصال المعلومات. فهي دائماً نوعان: الأول صنف المعلوماتية، تتمثل بمعلومات كيفية الجلوس على كرسي، و قيادة عربة، و استعمال المطرقة. و الثاني صنف الحس الذي يحمل الناحية العاطفية و التعاطف و الفنتزة، ما يدل على أن سيميائية العمارة شديدة التعقيد، لأن أدوات و معالم الإيصال هي أدوات تبتكر في ظرف متطلبات و زمن الحاجة، و غالباً ما تسخر المعالم نفسها للدلالة على أكثر من معنى واحد معيّن. و يؤدي هذا أحياناً إلى الالتباس و الغموض. إن توظيف المعالم بدلالة معنى معيّن هو ابتكار اعتباطي، و تصبح المعالم دلالة فعالة فقط حين نقلها إلى المرجعية المشتركة. و لذا تتعرض آليات الإيصال السيميائي إلى عقبات و عوائق و صعوبات في تحقيق إيصال مناسب بين مختلف المؤدين في مختلف مراحل الإنتاج. مع ذلك، تمكن البشر من تحقيق بقدر مناسب إيصال حقق التطور الحضاري. و حينما تعجز حضارة ما عن ذلك، فستخرج عن مجال المنافسة، و تتقدم حضارة غيرها لتنقل الحضارة عامة إلى مرحلة أخرى من التقدم. و للسبب ذاته يتضمن هذا التقدم الحضاري ردات تؤخر التطور أحياناً، و يؤدي أحياناً أخرى إلى زوال حضارات من مسيرة التقدم الحضاري. و هذا هو تاريخ تطور طرز العمارة في حضارة الإنسان.
تظهر الطرز و تنمو و تنضج، ثم تنحط و تستبدل بغيرها، و أحياناً تحتبس البعض منها في بردميات طرزية/ كلجرية، فتستمر في الزمن بصيغ تقليدية أو تفتقر إلى الحسّ و الابتكار.

5.1 الفائض
يؤلف الفائض في الإنتاج الذي ظهر بخاصة مع الإنتاج الصناعي وفرة في كمّ قوت المعيش، فيهيأ ظرف تعطيل ضرورة تفعيل القدرات الابتكارية، ذلك في ابتكار المعالم المناسبة لتحقيق إرضاء الحاجة، أو إيصال مناسب لها. و هو ما يهيئ ظرفاً في إفساد التوازن بين إرضاء الحاجة و استنفاده الطاقة، أي هدرها، و يعجز الإنتاج بهذا القدر عن تحقيق صفة الإبتمال المناسب، فيحصل ظرف إخراج الإنتاج من مجال المنافسة. هذا ما يفسر ظهور الأشكال الخرقاء التي ظهرت مع الإنتاج الممكنن. وهذا لا يعني أبداً أن زيادة الفائض و المكننة يسببان تلقائياً هذا العجز، لأن السبب الحقيقي لهذا العجز في سيميائية الإنتاج هو عجز المجتمع في تهيئة الظرف المناسب لحرية القدرات الابتكارية و تفعيلها.

5.2 الاغتراب/التنحي
يؤدي الاغتراب ضمن الدورة الإنتاجية إلى تنحّي الذات الواعية بذاتها إلى نكران دور الفرد في الدورة الإنتاجية، سواء أكان هذا النكران يُفرض على الذات من خارجها، و الذات واعية به، فيؤلف حالة استلاب للذات، أو يكون نكراناً ذاتياً لاواعياً، فيؤلف حالة انسلاخ للذات.
كان غالب أفراد المجتمع يتمتعون في المجتمع التقليدي، ما قبل المعاصرة و الإنتاجي الصناعي، بصيغ إيصال مناسبة بين مراحل الإنتاج، و لذا لا يتعرضون إلى حالات من عجز في الإيصال، أو استلاب الذات من حقها في التمتع بإيصال مناسب. و لكن مع المعاصرة، و ظهور الاختصاص، و من ثم المكننة، كان الحرفي أول من استلِب من ممارسة إيصال مناسب، كما استلِب المجتمع بعامة مع المكننة من تفعيل إيصال مناسب، و هو لا يدري أيهما استلخ من قدرات الإيصال.

تحصل هذه الحالة بقدر ما يصبح غالب أفراد المجتمع يجهلون ما يجري في مراحل الرؤيوية و التصنيع، فيجابه المتلقون المصنَّعات و يسخرونها في إرضاء حاجاتهم، من غير معرفة مناسبة لصيغ و لتكنولوجيات الرؤيوية و التصنيع. وتتحول علاقات الكثير من الناس مع المصنّعات، فتتصف بعلاقات فيتيشية (6)، و بخاصة في مجال الانجراف بحركات و دورات الفاشن (7).

5.3 التذاوت و التذاوت المتبادل
تأخذ الذات في الدورة الإنتاجية موقعين متذاوتين مختلفين: أولاً، التذاوت الداخلي الذي يحصل في الحوار الذاتي بين «الأنا»، و في المقابل «الأني»، و تمتد هذه الصيغة من التذاوت في مختلف مراحل الإنتاج، حينما تحاور الذات ذاتها لتقرّر موقفاً من موقعها في المرحلة المعيّنة. و يتمثل هذا التذاوت في أشد حالاته في المرحلة الرؤيوية حينما يقدم الحرفي أو المعمار أو الفنان على ابتكار شكل المصنَّع، إذ يتضمن التذاوت الداخلي الشك و مساءلة الذات ضمن سيرورات مخاضة مراحل الابتكار.
و الموقع الثاني الذي تأخذه الذات في الدورة الإنتاجية هو التذاوت المتبادل الخارجي، و هو «الأنا/ النحن» في مقابل «الهو/الهم». فهنا تتداور الذات في مواقع متبادلة من «الذات الأنا و النحن الفاعلة» و إلى «الذات الأني أو النحن المفعول بها». و يحصل هذا التذاوت في مختلف حالات الاتصال بين مختلف الأفراد، و في مختلف مراحل الدورة الإنتاجية، حينما يكون الفرد تارة المرسِل، و تارة أخرى المرسَل إليه.

5.4 الخلل في الدورة الإنتاجية
ما إن يحصل من خلل في الدورة الإنتاجية، يتمثل: عجز تشفير المعالم بهدف إيصال مناسب، أو عجز إيصال مناسب بين مراحل الإنتاج، و هو عجز تحقيق توازن بين إرضاء أصناف الحاجة، و عجز تحقيق القدر المناسب من صفة الإبتمال.

و بسبب وجود سدادات و عوارض معلوماتية و حسية بين مراحل الإنتاج، يعجز و يفسد التذاوت و الإيصال بهذا القدر في الدورة الإنتاجية. و بما أن الإنتاج هو قاعدة تأمين قوت المجتمع و إدامته، تتعطل قدرات قادة المجتمع على إدارة سليمة، و تتعرض تبعاً لذلك القدرات الحوارية و الاتصالية و التذاوتية التي تؤلف مادة إيصال الضمير الاجتماعي، و قاعدة الدورة الإنتاجية، و تبعاً لذلك التماسك الاجتماعي الصالح.

5.5 الناقد
عندما أخذت الدورة الإنتاجية تبتكر أشكالاً جديدة للمصنَّعات في المجتمع المعاصر، و بقدر ما أصبح المجتمع يفتقد مرجعية مشتركة عامة، يفقد مجتمع مثل هذا المعرفة المناسبة التي تؤهله لتفكيك معاني معالم المصنَّعات، و بخاصة منها التي تهتم بالدلالات الحسية الاستطيقية كالفنية و المعمارية. و هنا يظهر دور الناقد و أهميته في المجتمع المعاصر، فيقدم الناقد و يقوم بوظيفة المثقِف و المعلِم و المدرِب، و ذلك بقدر ما تكون المعرفة التي يتمتع بها الناقد تفوق إلمام الفرد المتلقي العادي، فيعرض الناقد مميزات المعالم الجديدة و إمكانات تسخيرها في إرضاء الحاجة.
لذا للناقد وظيفة أساسية في المجتمع المعاصر متأتية من ظهور مفاهيم جديدة تتطلب إيصال هذه المعرفة، و تهيئة للمجتمع مرجعية جديدة فعالة مشتركة، إلا أنه بقدر ما يكون الناقد بمعزل عن تطور سيرورات التصنيع، و تطور ابتكار أشكال المعالم، يفقد بهذا القدر وظيفته الاجتماعية، كرقيب جيد لكفاءة المصنعات، و كموجه مجدي للمتلقي العادي.

5.6 الجدلية و السببية
تتضمن داينمية الاتصال السيميائي ضمن بنيوية العمارة حركات متعددة، و هي:
ـ من فكر إلى فكر ـ من رؤيوي إلى مصنِّع.
ـ و من فكر إلى مادة جامدة ـ من المصنِّع إلى المادة الخام و تبعاً لذلك المصنَّع.
ـ و من مادة جامدة إلى فكر ـ المصنَّع إلى المتلقي.
ـ و من فكر إلى فكر ـ المتلقي إلى الرؤيوي.
و كل هذه الحركة السيميائية هي في توافق مع المراحل الأربع في الدورة الإنتاجية و مقومة لها أساساً، فالجدلية في هذه الحركة هي تفاعل فكر مع الفكر، و في الوقت نفسه تفاعل الحركة بين الفكر و المادة، و بين المادة و الفكر، بينما السببية هي تفاعل الحركة بين المادة و المادة، كحركة المنشار مع قطعة خشب، بينما حركة النجار مع المنشار هي فكر مع مادة.

5.7 السدادات
لقد كان انسياب المعلومات بين مراحل الإنتاج التقليدي انسياباً سلساً، و ذلك لان مختلف المراحل تمتلك و تتعامل مع مرجعية معلوماتية مشتركة، و غالباً ما تكون هذه المرجعية هي ذاتها فعالة بين الكثير من المؤدين في مختلف مراحل الإنتاج، و هو ما يعني أن انتقال المعلومات بين المراحل كان سلساً، لا تعيقه سدادات: طبقية أو مقامية أو معلوماتية، إلا بصيغ مخففة.
مع المعاصرة و الحداثة و المكننة، و تعدد الاختصاص، و مع ظهور المعمار و المهندس و المصمم و غيرهم، كما مع ابتعاد موقع التصنيع عن دكان المحلة، و انتقال التصنيع إلى معامل متخصصة مع تكنولوجيات شديدة التعقيد، أصبح انسياب المعلومات بين مختلف المؤدين ضمن الدورة الإنتاجية غير متوازن من حيث المعرفة و الهموم و أوقات و مواقع التصنيع، فاحتقنت السدادات بين مراحل الإنتاج.
و بقدر ما احتقنت انسيابية المعرفة بين المرحلتين الأوليين من الإنتاج، ما يعني تبعاً لذلك انسدادها عن مرحلة التلقي، أصبح المتلقي بمعزل عن الفكر الرؤيوي للمعمار المصمم، و كذلك عن مختلف الاختصاصات و التكنولوجية المتقدمة والمتشعبة و المتحققة في مرحلة التصنيع. لذا أصبح المتلقي مستهلكاً أمياً.
و قد فقد المتلقي القدرة على تهيئة تغذية استرجاعية مناسبة إلى الرؤيوي، ففقد هذا الأخير، المعمار، تماسه المباشر و الفعال مع واقعية كفاءة التلقي، فأصبح بدوره الرؤيوي يجهل المعرفة المناسبة عندما يقدم على تفعيل الدورة الإنتاجية اللاحقة. و بقدر ما يكون هؤلاء المخططون الرؤيويون بمعزل عن واقعية متطلبات المتلقي، أصبحوا هم كذلك أميين. و من هنا أصبح غالب انسياب المعرفة في الإنتاج المعاصر يتصف بحالة رؤيوي أمي، يقود متلق أمي.

5.8 الحرب الأهلية و تلوث البيئة المعمرة
يتعرض في الحروب الأهلية بقاء الفرد للتهديد، و يسيطر القلق على هوية الذات. وغالباً ما يلتجئ الفرد القلق إلى دعم فئوي، بما في ذلك الطائفي و الطبقي و الإثني، و يحمي هويته حصراً عن طريق منظماتها و كلجرها.
و بهذه الخطوة يفصل الفرد همومه، و حاجاته عن هموم حاجات المجتمع بعامة التي أفسدت الحرب ترابطها المدني، و استبدل الحوار المدني بحوار الحرب: حوار المنطق و التعايش بحوار العنف. و يختزل التذاوت المدني، و ينحصر بإرضاء الحاجتين النفعية و الرمزية، و بخاصة بصيغتها الذاتية الأنانية. و بهذا يفسد التوازن الطبيعي بين مركب الحاجة، و ذلك بقدر ما يعزل الفرد همومه عن متطلبات تماسك متوازن لعلاقات إنتاج البيئة المعمرة.
لقد تنفلت سلوكيات البعض من أفراد المجتمع، فيقدمون هؤلاء على تجاوز متطلبات و شروط التنظيم العمراني، سواء الرسمي أم الحسّي أم الوجداني. و من هنا تتعطل الخبرة و المهارة و الاختصاص في تكنولوجية التنظيم العمراني التي تراكمت لتؤلف مرجعية التنظيم المدني، و بتعطلها يتعطل الضبط الإداري و الوجداني، فتكون المحصلة تلوثاً معمارياً للبيئة المعمرة، كما نجده في المدن و القرى اللبنانية مثلا.
 إن تلوثاً بيئياً مثل هذا يحصل عادة تدريجياً، و لذا يكون تأثيره في سيكولوجية تقبّل الناس له كذلك تدريجياً. و بحكم المعيش المستمر مع البيئة الملوّثة، و فقدان بديل لمعيش آخر، تتقبله سيكولوجية معظم أفراد المجتمع، و هكذا يتبلد الحسّ تدريجياً، من غير أن يعي غالب الناس ما حصل لقدراتهم الحسية، فيتعايشون مع بيئة أصبحت واقعاً، من دون أن يؤلف تلوثها إشكالية حسية في مخيلة الناس. لا يؤلف إعادة تعمير البيئة المعمرة و إزالة التلوث منها إشكالية، كممارسة تعميرية إصلاحية، و ذلك لأن المعرفة التكنولوجية لهذه الممارسة قائمة و متوفرة. و لكن الإشكالية تكمن في تربية القدرات الحسية للأطفال ـ و ذلك بقدر ما يُلقَنوا و يُثقَفوا بميميات حسية تعي الصفات الإبتمالية القائمة في الظواهر الطبيعية. و لكن الخطورة هنا أن في هذه الظروف ستعجز المرجعية الفعالة عن قدرة تهيئة تربية مناسبة بالنسبة الى الأطفال.
يولد الأطفال مع قدرات حسية لمختلف متطلبات التعامل مع صفات الإبتمال، و لكن تبقى هذه القدرات مسبتة الى حين تنشيطها و تثقيفها و تدريبها. و من غير هذا التثقيف في مرحلة نمو الطفل، تعجز هذه القدرات عن استيعاب الثقافة الحسية في ما لو تهيأت لها الفرصة في ما بعد في عمر الصبا، إلا ما ندر. إن الإشكالية تكمن في أن معيش الطفل يكون في بيئة ملوّثة، و معرض لمشاهدة التلوث و التعوّد عليه، و يحصل هذا في الفترة الحرجة الطبيعية لنمو هذه القدرات الحسية و تنشيطها و تكامل تكوينها البيولوجي/ الكلجري. كما أن البالغين المدرّبين يكونون أنفسهم قد فقدوا الكثير من قدراتهم الحسية في مرحلة الحرب، و بهذا يكونون فقدوا القدرة على تنشيط القدرات الحسية الذاتية، و تبعاً لذلك قدرة تثقيف القدرات الحسية التي تحملها بيولوجيا الأطفال.

6. الإبتمال Optimality
تتصف سلوكيات التعامل لمختلف الكيانات الحيّة مع الظواهر الطبيعية، و مع الكيانات الحية الأخرى، بصيغة ما من صفات الإبتمال. الإبتمال هي تلك الحالة حينما يتحقق التوازن المناسب الظرفي بين استنفاد الطاقة و تحقيق إرضاء حاجة البقاء، و من غير هذه القدرة يخسر الكيان الحيّ موقعه في مجال المنافسة، سواء مع الكيان الآخر أو القدرة على توافق معيشها مع متطلبات البيئة، فتزول. لذا تتألف غالب سلوكيات الكيانات الحية، و حتى المتقدمة منها، استراتيجيات موروثة بيولوجياً، و تكتمل هذه الاستراتيجيات مع النمو عن طريق التدريب و التجربة، و يتحدد هذا النمو بقدراتها البيولوجية الموروثة. و تتمثل هذه السلوكيات المبتملة باستراتيجيات صيد الأسد للغزلان، و بناء الطيور أعشاشها.
إنها الآلية ذاتها التي تقود سلوكيات الإنسان في تعامله مع متطلبات البيئة، سواء الطبيعية منها أو الاجتماعية، إلا أن هناك اختلافاً جوهرياً بين ما يرث الكيان الحي الآخر و ما يرثه الإنسان. إن الإنسان يرث قدرات حسية و معرفية لتحقيق صفة الإبتمال و التعايش مع متطلبات البيئة الطبيعية و الاجتماعية من غير استراتيجيات تعامل.
و لذا، فإن تدريب قدرات الإنسان و تثقيفها على الحس بالصفات الإبتمالية القائمة في الظواهر الطبيعية و كيفية التعامل معها، و كذلك تدريب قدرات الابتكار على توافق سلوكيات تحقيق أشكال المصنّعات في سيرورات مرحلة التصنيع، هي حاجة تطورت و تأصلت في التركيب البدني و العقلي لكيان الإنسان العاقل.
إن حركة قدرات الابتكار عند الإنسان هي حركة سيكولوجية واعية بذاتها، هدفها إرضاء الحاجة، و استراتيجياتها ليست طبيعية، و إنما كلجرية مبتكرة. و لذا بسبب ما تتضمن من ابتكار لا تتصف بالضرورة بصيغ متوافقة مع متطلبات خصائص المادة، لا من حيث استنفاد الطاقة، و لا من حيث إرضاء الحاجة، و لذا لا يتحقق دائماً بالضرورة التوازن المناسب حيث تكتسب صفة الإبتمال. لذا بقدر ما تنحرف حركات الدورة الإنتاجية عن متطلبات خصائص المادة، تعجز الدورة بهذا القدر عن تحقيق صفة الإبتمال للشكل المصنَّع.
و هذا يعني أنه لا ترث القدرات الحسية التي يتعامل بموجبها الإنسان استراتيجيات تعامل تضبط الحركة. و من غير هذا الضبط تتعرض ممارساته إلى الانفلات و تبذير الطاقة، و إخراج الدورة الإنتاجية من قدرتها على تحقيق صفة الإبتمال. و كما على الإنسان أن يبتكر استراتيجيات التنوع، فعليه أيضاً أن يبتكر استراتيجيات ضبطها، و ذلك عن طريق التعليم و التدريب و التثقيف على حس ضبط التنوع، و التعامل ضمن ضوابط مبتكرة. و من بين أهم ضوابط التكوين الشكلي للمصنّعات هي صيغ الأنماط، و السمتري (8) و توازن الكتل و الاتساق، و غيرها من ضوابط التكوين الشكلي.

7. المعاصرة و الحداثة
لقد استمر العصر الزراعي، أو ساد تنظيم المجتمع الزراعي و رؤية الوجود التي اقترنت به، و قاد تطور حضارات الإنسان القديمة و الكلاسيكية، حتى إنه حصلت ردة حضارية عامة مع انتقال المسيحية إلى أوروبا، و زوال الحضارتين الكلاسيكيتين الإغريقية و الرومانية. و قد غطى أوروبا عصر ظلمات دام أكثر من عشرة قرون. و من ثم ظهرت المسيحية بصيغتها اللاتينية، فأخذت تسائل و تبحث في أديرتها و جامعاتها و في حلقات مثقفيها، ابتداء من القرن الثاني عشر و لغاية القرن الرابع عشر، حتى إنه أخذت تظهر معالم العصر النهضوي، و ذلك في مطلع القرن الخامس عشر (9).
لقد أحدث ظهور عصر النهضة نقلة جذرية في تاريخ البشرية، لم تسبقها نقلة بأهميتها سوى النقلة من مجتمع الصيد إلى مجتمع الإنتاج الزراعي. تمكنت المسيحية اللاتينية في عصر النهضة أن تتحرر بدرجة كبيرة من ظلمات و غيبيات الإبراهيمية التي سادت زمن تلك القرون المظلمة السابقة. لقد تم إحياء الفلسفة و التفلسف، و ظهر البحث في العلوم و في القوانين الطبيعية، و بدأ يتبلور موقف موضوعي من المعرفة. و أخذ الطليعيون يتجاوزون تدريجياً مجتمع التماسك الاجتماعي الفئوي الضيق: القبلي و الإثني و الديني، و ابتكروا تماسكاً اجتماعياً جديداً و مفهوماً عقلانياً للأخلاق يعتمد على التضامن الحر، كما أخذوا يتحررون من ابتلائهم بمفهوم الخطيئة، و بدأوا يكتشفون جمال بدن الإنسان و يستمتعون و يفتخرون بجمالية و عرض هذه الجمالية، لا في غرف مقفلة و إنما في ساحاتهم العامة و في كنائسهم. ظهر في الوقت نفسه الأدب و الفن الذي لا يهدف إلى تمجيد الإله المخلص، و إنما يهدف إلى البحث في هموم الإنسان، و الاستمتاع بجمال اللغة. و كذلك بالنسبة الى الفلسفة، حيث لا تركز على تبرير النصوص اللاهوتية، و إنما توظف نفسها في بحث هموم الوجود، و مساءلة هذا الوجود. و كان في مجموع هذه الإنجازات الحضارية و تداخلها أن ظهرت المعاصرة.
و قد تضمن تكوين المعاصرة ظهور الطبقة البرجوازية، و تداخل مع هذا ظهور المجتمع المدني الذي أخذ يتحرر من مختلف صيغ السلطة المركزية، سواء أكانت منها اللاهوتية أم الأسياد الحاكمة. ظهر في هذه البيئة الثقافية المعمار المتشخص Individuation، و ذلك بسبب تولد علاقات إنتاجية جديدة لم يسبق لها مثيل في المجتمعات التقليدية السابقة، كما أقدمت القدرات الابتكارية لقادة الحرفة و العمارة و ابتكرت موقعاً اجتماعياً و معرفياً و مقاماً لدورهم في ممارسة بناء البيئة المعمرة نيابة عن المجتمع، و قادته الى مواجهة هموم حاجاته الدنيوية و واقعية وجدانه.
ابتكر العصر النهضوي و ظهر معه قادته، و ذلك في مطلع القرن الخامس عشر، و هم كثيرون في مختلف مجالات الفنون، أشير هنا فقط الى البعض الذين أقدموا على تنشئة النهضة: جيوتو دي بوندوني (10)، و باولو أوتشلّو (11)، و من بعدهم جاءت مجموعة من الفنانين و المعماريين الذين أنضجوا مبادئ النهضة الفنية، و من بينهم: المعمار برونلسكي، و المعمار ألبرتي، و النحات دوناتلو، و النحات و الرسام مايكل آنجلو، و الرسام و العالم ليوناردو دا فنجي.

و تمتد هذه النهضة كموقف فكري و كممارسة حتى يومنا هذا، و خلالها تنوعت طرزها، كما تنوع قادتها،. فظهرت ضمنها الحداثة اعتباراً من أواخر القرن الثامن عشر، و كان قاد تنشئتها المعمار برتشارد، و المهندس جوزيف باكسن، و المعمار برتن، و المهندس برونيل. لقد جاء هؤلاء برؤية هندسية للحداثة، و جاءت من بعدهم مجموعة أخرى برؤية معمارية للحداثة. و من بين قادة تنشئتها في العقد الثاني من القرن العشرين: في ألمانيا بهرنس، و جماعة الباو هاوس بقيادة المعمار كروبيوس، و في فرنسا لي كوربوزيه، و في أمريكا فرانك لويد رايت.

لقد ابتكرت عبقرية المعاصرة و الحداثة علاقات اجتماعية و تنظيمية و تكنولوجية و معرفية، فكانت السبب المباشر لظهور المركنتالية و الرأسمالية، و المجتمع البرجوازي، و المجتمع الديمقراطي، و المكننة، و ظهور العلوم الحديثة، و الاستعمار و العولمة، و تغيّر دور الفرد في مختلف مراحل الإنتاج، و بمختلف صيغها الإيجابية و السلبية. و أشير الى البعض منها:
7.1 ظهر المعمار و الفنان و الكاتب المتشخص، و اقترن مع ظهورهم تعدد المرجعيات المعرفية و الوجدانية، ففقدت بهذا القدر المرجعية المعلوماتية صفتها المشتركة بين أفراد المجتمع.
7.2 مع ظهور المعمار و الفنان المتشخص استلب الحرفي من دوره المعرفي و الحسي، و انحصر في التصنيع برؤية يبتكرها المعمار، فأصبح تابعاً لقيادة المعمار في المرحلة الرؤيوية.
7.3 ابتكرت المكننة و تعممت بسرعة في مختلف صيغ الإنتاج، ففقد التصنيع الكثير من العلاقات السبريانية التي كان يتمتع بها الحرفي، و بهذا فقد المصنَّع حسية الحرفي التي كانت تُحال على معالمه.
7.4 اكتشفت الطباعة، و هو ما أدى إلى زيادة المعرفة التكنولوجية و الأدبية و العلمية زيادة أسّية، فانتشرت المعرفة، و لكنها أصبحت تتجاوز قدرة استيعاب الفرد المعيّن، فحصلت فجوة معرفية بين قدرة الممتهن على استيعاب المعرفة، و المعرفة التي أصبحت متوفرة و في زيادة مطردة، و بخاصة بالنسبة الى المتلقي.
7.5 تحولت وظيفة المُصنَّع من كونها أداة تُصنَّع بهدف إرضاء مباشر للحاجة إلى كونها سلعة تحمل قيمة استبدال(12) . لقد كان الإنتاج لغاية انتهاء مرحلة المجتمع الزراعي/ الحرفي يتمتع بترابط اجتماعي معلوماتي و عاطفي مباشر بين المُصنِّع و المتلقي. و استبدلت هذه العلاقة المباشرة
لتصبح علاقة بين المُصنِّع و المصنَّع بصفته سلعة بهدف تداولها في السوق، و لتصبح علاقة المتلقي مع المُصنَّع كذلك كسلعة يقتنيها في السوق، و ليس ضمن علاقة من حرفي.
و من ثم حولت قيمة السلعة لتصبح أرقاماً مجردة في قوائم ألواح البورصة. و لذا، بقدر ما تركز هدف الإنتاج على قيمة الاستبدال، أي القيمة النفعية السوقية، أهمل إرضاء الحاجات بصيغ متوازنة، و بالقدر نفسه أبعد المتلقي عن المرحلة الرؤيوية و التصنيع، و بهذا تعطل بدرجة ما دوره في تهيئة التغذية الاسترجاعية، و دوره في تحقيق توازن مناسب لمركب الحاجة. لقد فقد الإنتاج الكثير من العلاقات الإنسانية التي كانت متأصلة في سيرورات الدورة الإنتاجية.
لسنا هنا بصدد تقليل أهمية الحرية الهائلة التي اكتسبها الفرد الرؤيوي المعمار، و التي جاءت بها المعاصرة كالتشخص، و حرية تفرد المتلقي بتوفر تعدّد المرجعيات له، و تعدد بدائل المصنّعات، و دور هذا في إغناء معيش المتلقي و سروره و استمتاعه بها.
7.6 يتضح مما تقدم أنّ العمارة المعاصرة، و امتدادها في الحداثة، جاءت معها ايجابياتها و سلبياتها، فلكل من التشخص و المكننة و التخصص لها نواحيها المتباينة. و بقدر ما أحدثت هذه المقوّمات سدادات بين مراحل الإنتاج، سدمت شفافية انسياب المعلومات بين مراحلها، و أحبطت الفكر في مختلف مراحل الإنتاج، و أصبح عاجزاً عن الأداء المجدي. كان ذلك على الرغم من أن هذه المقوّمات ذاتها هي سبب في تهيئة ظرف حرية الابتكار المتزايد و المتنوع، و ابتكار عمارة و طرز متميزة أغنت حضارة الإنسان، إلا أنها تمثل حالات نادرة و خاصة و بمعزل عن عموميات الإنتاج. و هنا مصدر تلوث البيئة المعمرة، و بخاصة في مناطق العالم التي لم تتمكن كلجرياتها المعرفية و الحسية و الإنتاجية من استيعاب متطلبات رؤية الحداثة للوجود، و المتطلبات التنظيمية للتصنيع الممكنن.
7.7 تبيّن مما تقدم بأن مواقع الخلل في الإنتاج يمكن أن تحصل في أي من مقومات الأقطاب الثلاثة المتفاعلة في الحركة الجدلية للدورة الإنتاجية، و هو ما يجعل وظيفة المنظر هي البحث في بنيوية الدورة الإنتاجية ليتمكن من تشخيص مواقع التطور و التنضيج في الإنتاج المعاصر، كما في مواقع الخلل و التلوث البيئي.
7.8 التشخص ـ مع ظهور البرجوازية، كطبقة و فكر، تأسست حرية التشخص و انبنت عليها كلجرية التشخص، أو ربما بكلام أدق، ظهر التشخص كثورة تحرر إرادة و قدرات الابتكار من معوقات و مقيدات كلجريات المجتمع و الإنتاج التقليدي.
و كان من هنا أن منح الفرد المعمار و الفنان لنفسه حرية التفرد و التفكير، و هو ما جعلته غير مرتبط أو محدد بالعرف القائم، أي بالمرجعية المشتركة، ما أدى إلى توليد مرجعيات متمايزة متعددة.
التشخص هو تلك الحالة في العلاقات الاجتماعية حيث يمنح الفرد نفسه حرية التفرد، و يمنحه المجتمع هذه الحرية، و شرط حالة التشخص هو أن يقدم هذا الفرد على قيادة هموم المجتمع، و يتعاطف وجدانه معه. بينما التفرد، بذاته، هو التفرد بالهموم الذاتية و الخاصة، خارج هموم المجتمع.

8. الفصل و الوصل
إن الهدف من جدلية الفصل و الوصل هو انتقاء معالم من الخزين التقليدي، يسخرها المعمار كمقومات في ابتكار معالم حديثة، كجزء من الحركة العالمية في تطور العمارة، حيث تكون عمارة، و في الوقت نفسه تحمل معالم تعبّر عن خصوصية المحل.
تتضمن سيرورة الفصل انتقاء معالم من الخزين التقليدي، لا بسبب أهميتها التاريخية أو الرمزية، و إنما انتقاء حر اعتباطي. و هو يعرض هذه المعالم لتقييم ذاتي، يذاوتها، و يجعل منها مقومات في سيرورات توليد شكل حديث يتميز بدلالة خصوصية المحل.
و بهذه الحرية التي يمنحها المعمار لذاته يكون قد هيأ لنفسه قاعدة يتمكن بواسطتها من إخضاع شكلية المعالم التراثية و التقليدية إلى' تجريد. و التجريد هو عزل شكلية المعالم عن مسبباتها الأصل و آليات توليدها، عن خصائص المادة الأصل، و عن الحاجة التي كانت سبب تصنيعها. بهذا يتمكن من تجاوز التباين بين المتطلبات الشكلية لكلا الحالتين: متطلبات التصنيع التقليدي في مقابل التصنيع الحديث. و هو يسخر الشكل المجرد كمقوم في ابتكار شكل جديد حديث، من غير أن يتعرض إلى تناقض جدلي في توليد الشكل الجديد. و يكون بهذا قد حقق وصلاً بين حالتين متناقضتين لتكوين الشكل غير قابلتين للتوافق. و يتطلب تحقيق هذا الوصل شرط استخدام تكنولوجية معاصرة تتوافق مع خصائص المادة المسخرة في هذا الاستيلاد. و بهذا يكون قد حقق وصلاً مستحدثاً بحسب متطلبات تكنولوجيات حديثة. إن الهدف ليس إحياء معالم التراث، و إنما ابتكار عمارة معاصرة تتضمن تجريدات بدلالة محلية، فيتحقق تنوع و إغناء للعمارة العالمية عن طريق إضفاء سمات محلية على معالمها.
و عن طريق الفصل التجريدي و الوصل التكويني المتداخل معه يكون المعمار الرؤيوي الحديث قد استحدث رؤية لوظيفة جديدة للعمارة في إرضاء متطلبات حاجات وجدانية المجتمع، و ليس إرضاء متطلبات محددة بمحل أو قطر، و إنما إرضاء نهج الحداثة على صعيد عالمي يتعاطف مع خصوصيات المحل. و بهذا إغناء المحل بما يمكن أن تقدم له الحداثة العالمية، و بقدر ما يصبح مقوماً فيها، و لكنه يحمل دلالة تعبّر عن محله.
لذا إنها حركة تتضمن مجازفة تصميمية، لأنها لا تتمتع بمرجعية قائمة، أو هناك تجربة سابقة تستند إليها مخيلة المعمار، فيسخرها في سيرورات التجريد و التحديث و الابتكار، و إنجاب الشكل الجديد. إنها مجازفة الابتكار الاستطيقي، لذا لا يمكن تنبؤ جدواها، إلا بعد أن يتولد الشكل و يظهر خارج المخيلة، بصيغته ككيان لمادية العمارة.

9. مقارنة بين العمارة العربية/الإسلامية و المسيحية اللاتينية
حينما تظهر حضارة ما و تتأسس، يكون قد تهيأ مسبقاً ظرف يهيئ بدوره الظرف المناسب للقدرات الابتكارية القائمة و المسبتة في ذلك المجتمع، فتتقدم هذه القدرات و تبتكر كلجريات و تكنولوجيات لتأسيس تلك الحضارة، و هو ما يعني أن التقدم الذي يحصل ضمن الحضارة في مختلف المجالات الاجتماعية و الإنتاجية، بما في ذلك أشكال طرز العمارة و المصنّعات الأخرى كالملبس و غيرها، هو دلالة على أن المجتمع هيّأ الظرف المناسب للقدرات الابتكارية لتقوم بابتكار التقدم الذي يحصل في تلك الحضارة. و خلاف هذا، هو دلالة على عجز قدرة الحضارة على تفعيل القدرات الابتكارية.
لقد حققت الحضارة المسيحية اللاتينية في أوروبا، بين منتصف القرن الرابع و لنهاية القرن العشرين، خمس نقلات في مجال العمارة، عبّرت عنها بسبعة طرز متميزة، مع إحداث نقلة جذرية في التكنولوجية الإنشائية، و ذلك من إنشائية الكتلة إلى الإنشائية الهيكلية. إن الطرز التي ابتكرتها الحضارة المسيحية اللاتينية هي: البيزنطية، المسيحية المبكرة، الرومانيسكية، الغوطية، النهضوية، الصناعية، الحداثة.
بينما نجد أن الطراز العربي/الإسلامي ابتكر و طور و نضج في القرن التاسع، و امتد إنتاجه لغاية نهاية القرن التاسع عشر، مع تنوع لا يتجاوز الطراز نفسه، إلا أن هذا الطراز امتد من المغرب إلى الصين، و لمدة أكثر من عشرة قرون، من غير أن يحقق نقلة في الطراز، و لا في سمات أشكال المصنّعات، ولا في التكنولوجيات الإنشائية.
إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح: لماذا تمكنت الحضارة المسيحية اللاتينية من إحداث هذه النقلات و الطرز المتعددة، بينما عجزت عن ذلك الحضارة العربية/الإسلامية. ستدلنا المقارنة بين هاتين الحضارتين على البعض من المقوّمات و العوامل التي أدت إلى هذا التباين، كما إلى ظرف تفعيل أو تعطيل القدرات الابتكارية في كل من هاتين الحضارتين.
لقد انبنت هاتين الحضارتين على أيديولوجية متشابهة، تتضمن رؤية التوحيد، و هما متطابقتين من حيث مفهومهما لمصدر المعرفة، و القوى الكلية الكونية. كما إنهما حضارتان في تماس دائم جغرافي و اجتماعي و سياسي، سلمي و حربي. و قد أسهمت كلتاهما في تطور حضارة البشر، كما إن كلتيهما تعرضت في سيروراتها التاريخية إلى ردّات حضارية. لقد تعرضت المسيحية إلى موجة تكسير الأيقونات في منتصف القرن الثامن، و محاكم التفتيش في أوروبا، و الموجة البيوريتانية في انكلترا في القرنين السادس عشر و السابع عشر، و الموجة الانغليكانية الصهيونية الأمريكية في القرن التاسع عشر و العشرين. بدأت الردة في الحضارة العربية/ الإسلامية مع إدارة سلطة الخليفة المتوكل في القرن التاسع، فتوسعت الحركات الرافضة التطور المعرفي و الفلسفي بخاصة، و تمثلت بموقف أبو حامد الغزالي من المعرفة السببية و الفلسفة بعامة. و قد بالغ ابن تيمية برفض المعرفة في القرن الثالث عشر، فامتد تأثيره في الزمن، و لم يزل سائداً و متوسعاً بصيغه الوهابية و تفرّعاتها.

9.1 لقد انتقلت المسيحية إلى أوروبا، و تربعت على قاعدة الحضارة الرومانية التي تتضمن قواعد كلجرية للتعامل مع الحرفة و تنظيمها بموجب منظمات معترف بها من قبل الدولة و إدارات المجتمع، كما من قبل المجتمع نفسه ـ مفهوم تنظيمات النقابات و اللوجات(13)  و الكلدات(14)  التي ظهرت على هذه القاعدة ـ على أنها القاعدة الأساس في تكوين المجتمع المدني. إضافة إلى ذلك، بانتقال المسيحية إلى أوروبا تأسست على قاعدة فلسفية، إغريقية و رومانية، تتضمن المنطق و المساءلة الجدلية، في رؤية الوجود بعامة. و من هنا أخذت صفتها اللاتينية.
يفترض الإيمان بالتوحيد بأن مصدر الحركة هي القدرة الإلهية. تتعارض هذه الرؤية جذرياً مع القوانين الطبيعية، و لذا يعطل الإيمان البحث عن مصدر الطاقة في حركة الأشياء، و مسبباتها الحقيقية. و لكن مع التطور في الإنتاج الميكانيكي الذي أخذ يظهر و يتطور في أوروبا، ظهر تعارض متأصل بين هاتين الرؤيتين: التوحيد، و في المقابل القوانين الطبيعية.
 9.2 تأسست الأديرة المسيحية في أوروبا اعتباراً من القرن الرابع، فكان على الراهب في الأديرة العمل في الحقول و إنتاج المصنَّعات و العمارة، و هو ما جعله في ظرف تماس مباشر مع التصنيع، و في علاقة وجودية تأملية معرفية مع خصائص المادة. و من هنا أصبح يتمتع بوعي بأهمية الطاقة و العمل، و يمنحهما قيمة، فحينما انتقلت العلوم و الآداب و الفلسفة الإغريقية والرومانية و العربية إلى الأديرة، اعتباراً من القرن الحادي عشر، كان الرهبان في ظرف متهيئ لتقبل و استيعاب هذه العلوم و الفلسفة.
9.3 و مع تأسيس الدولة البيزنطية و المسيحية الرومانية، اعتمدت الإدارة المسيحية الفنون و الرسم الجداري و الموزاييك الزجاجي و الحجري و الأيقونات و الرسم، كأداة تعليمية تبشيرية، و هذا ما جعل رجال اللاهوت و القيادة المسيحية في تماس مباشر مع هذه الفنون، فأصبحوا في تجربة تطبيقية مستمرة مع خصائص المادة.
9.4 لم تمنح الحضارة العربية/الإسلامية ظاهرة الطاقة اهتماماً، لأن مصدرها في الرؤية التوحيدية هي القوى الإلهية. كما إن الاهتمام المعرفي في مصدر الطاقة و البحث فيها يتعارض جذرياً مع كلجرية البداوة و الغزو التي استورثتها الدولة الخلافية، و انبنت عليها، و هي كلجريات قاعدتها خارج الإنتاج.
ينبني التبادل التجاري على الثقة و الدقة في العمل، و تقدير و تقييم الجهد في الأشياء المتبادلة، و الذي تناقض تماماً معه هو الغزو الذي ينبني على الخدعة و المفاجئة، أي حينما يسخّر الأول حدسه لتقييم الجهد المتبادل عن طريق الأشياء المتبادلة، كما إن الثاني لا يعي هذا الجهد، و لا يمنحه قيمة، بل يمنح الحق لنفسه بأن يسرق ما عند الآخر. إن المصنَّع في مخيلة كلجرية الغزو لا يعبّر عن قيمة لجهد، و إنما شيء ممتلك، مجرد.
9.5 و حينما ظهر المنطق و الفلسفة و المساءلة في الحضارة العربية/الإسلامية، و تمثلت بحركة المعتزلة، و الفلسفة متمثلة بالكندي و ابن سينا و غيرهما، و في الفلك و الرياضيات و غيرهما من العلوم، كان تطور معرفي بين صفوة بمعزل عن المجتمع بعامة، و خارج رؤية اللاهوت الرسمي، و كانت مساءلاتها خارج البحث في الظواهر الطبيعية. و لم تكن ممارسة الفلسفة و البحث فيها في تماسٍّ مع التصنيع، بل خارجه. إن التصنيع الحرفي كان يبتكر تكنولوجياته و المعرفة التي يسخّرها بمعزل عن منطق الفلسفة و علوم الصفوة. و حينما ظهرت العلوم الطبيعية متمثلة بأبي بكر الرازي، و ابن الهيثم، كانت خارج المنظمات اللاهوتية، و في خصام معها. و لم تتأثر منظمات الفقه بهذه العلوم و الفلسفة، بل كانت معادية لها.
9.6 حينما انتقلت الخلافة الإسلامية من الجزيرة و توسعت انتقل معها تنظيم إدارة اللاهوت الذي كان أساساً تنظيماً قبلياً عسكرياً، و كانت جزءاً من السلطة المركزية. وهذا يعني أن رجل الدين، الفقيه، أشبه بمقام رجل السلطة و قيادته العسكرية، لا يمارس العمل، و يستنكف منه، و ليس له تماس معه. إن قوت معيش رجال الفقه لا يرجع إلى عمل يقوم به، بل الى رواتب تؤمنها لهم الدولة، أو تبرعات المؤمنين. و يكون قوت معيش هؤلاء بمعزل عن الإنتاج، و عن متطلبات العمل و همومه، و المعرفة المتطلبة له، و التأمل فيه. و لذا، أصبحت القيادة اللاهوتية في العالم الإسلامي بمعزل كلي عن التعرف على خصائص المادة، و التصور المعرفي العلمي، و متطلبات التصنيع و التسويق.
9.7 منذ أن جاء الإسلام، ظهر رجال اللاهوت، فأخذوا موقع قيادة المجتمع، و لكنهم مارسوا متطلبات المعيش اليومي بمعزل عن ممارسة الفنون. لقد شملت وظيفتهم اللاهوتية في قيادة المجتمع كبت غالب الفنون، منها الرسم و النحت و الرقص و الموسيقى، و كبت حرية الاستمتاع بها.

10. الجمال و القبح
10.1 يتفرد الوعي بذات الوجود لدى الإنسان عن باقي الحيوانات كافة، لأنها تعي بحتمية زوال البقاء، و بقدر ما تتأمل فيه، فتسائل جدوى الوجود و زواله، و باللغة التقليدية: لماذا أزول أصلاً، و لذا أتمنى الخلود، و أسعى إليه؟ وبذلك تصبح الصورتان: الحاضر و الماضي، عبثاً لا معنى له، ما لم تمنح الذات وجودها قيمة تبتكرها خارج متطلبات البقاء، و هي قيم إرضاء الحاجة الاستطيقية.
لقد أخذت المخيلة تبتكر تعاملاً حراً من هموم الوجود، فمنحت هذه الذات وجودها وعياً يتضمن قيمة إنسانية. و أخذت تسخّر قدراتها الحسية، إضافة الى حماية و إدامة الوجود، لحس بوجود خارج إرضاء متطلبات الحاجة القاعدية المركبة: النفعية و الرمزية، سواء في الواقع أو في المخيلة. لقد ابتكرت سيكولوجية «الاستمتاع»، إضافة الى السرور، و تأصل فيها مع ظهور الإنسان العاقل.
إن الذات تنسرّ بقدر ما تحقق قدرة البقاء الآمن و المريح، أي إرضاء متطلبات الحاجتين النفعية و الرمزية، كإرضاء حاجة الطعام، و الملجأ، و الملبس، و الحنان الأبوي، و الصحة الجيدة، و تكاثر الذرية، و التملك، و غبطة حماية الآلهة، و الانغماس في شطح صوفية، و غيرها. إن هذه حالات من فرح السيكولوجي، و لكنه سرور مشروط، و ليس حراً.
بينما الاستمتاع يؤلف حالة سيكولوجية متباينة تماماً، فإن المهم هنا ليس ما يدر الطعام من فائدة صحية، مثلاً، و إنما اللذة في طعمه و نكهته، و ممارسة الجنس ليس بهدف التكاثر أو أداء وظيفة بيولوجية غريزية، و إنما متعة نشوة الجنس الحر، فيصبح تفعيل السرور و تنضيجه هو الهدف ـ أي «السرور الحر» من هموم الوجود، و بهذا يكتسب السرور صفة سيكولوجية «الاستمتاع».
إذاً، شرط إرضاء سيكولوجية «الاستمتاع» هو تحرير السرور من الحاجة القاعدية، و شرط تفعيله المادي هو الحسّ بصفات الإبتمال القائمة في أشكال الأشياء: المصنَّعة و الطبيعية، و قدرة التعامل معها.
لقد أصبح الاستمتاع بالوجود، أو الوجود المستمتع، سيكولوجية متأصلة في حضارة الإنسان، و لذا على مجتمع حضارة الإنسان تدريب قدرات مخيلة تفعيل القدرات الحسية التي ترضي الحاجة الاستطيقية و التدريب عليها. و أضحى الاستمتاع منحى تأصل في تركيب بيولوجية/ كلجرية مجتمع الإنسان، و من دون تفعيله و تنشيطه و تنضيجه سيصبح الوجود حالة بقاء ممل بلا معنى.

10.2 هناك تعاريف كثيرة، و تنظير متباين متعدد يصف المفاهيم و العلاقات بين الاستطيقية و الفن و الجمال، غير أننا بعد أن عرفنا صفة الإبتمال، و الفرق بين السرور و الاستمتاع، سنعرف هذه المفاهيم كما يلي:
ـ الاستطيقية
هي تلك الحاجة المتأصلة في سيكولوجية الإنسان، الثالثة في مركب الحاجة المركبة التي ترضي حاجة حس وعي سيكولوجية الفرد المعين باستمتاعه بوجوده، و بهذا يمنح الإنسان قيمة و معنى لإنسانيته.
ـ الفن
هو ذلك المصنّع الذي يحمل رسالة ترضي متطلبات الحاجة الاستطيقية، بكونها جزءاً من مركب الحاجة، و يشمل المصطلح المصنّعات كالعمارة و النحت و الرسم و الخط و الشعر و الأدب، كما يشمل سلوكيات الحركة كالموسيقى و الرقص و الغناء و الرياضة و اللعب بعامة.
ـ الجمال و القبح
يكتسب شكل الشيء، المصنّع أو الطبيعي، صفة الجمال المعممة، سواء أكان مصنّعاً أم ظاهرة طبيعية، بقدر ما يتصف بصفة الإبتمال، و بقدر ما تمنح القدرات الحسية الذاتية قيمة محبذة أو مفضلة لهذه الصفة، و بقدر ما يصبح بهذه القيمة هذا الشكل أداة استمتاع، لأن القيمة تنمح حصراً إلى مركب تكوين الشكل.
و بقدر ما يفتقد الشكل صفة الإبتمال، و لا يمنح قيمة محبذة، يتصف بالقبح بالنسبة الى الحس الاستطيقي، و إن منحته الذات قيمة محبذة، فستكون قيمه خارج إرضاء الحس الاستطيقي، و لذا فهي قيمة ذاتية غير معممة.
و بما أن جميع أشكال الظواهر الطبيعية هي محصلة لصيغة ما من حالات الإبتمال، فبقدر ما تمنح قيم محبذة ستكتسب في مخيلة الذات صفة الجمال، و عكس هذا ستنبذ و تعتبر مرفوضة أو قبيحة.

10.3 تنبني صفة الإبتمال التي تتصف بها المصنَّعات على التوازن المناسب للعلاقة الجدلية بين استنفاد الطاقة، أي خصائص المادة المتفاعلة، و في المقابل إرضاء الحاجة المركبة. و بما أن خصائص المادة هي من الثوابت في تركيب كل الأشياء، في كل مكان و زمان، ستؤلف قاعدة عميمة Universality لعلاقة جدلية الوجود المادي للإنسان. و من جهة أخرى، بقدر ما تكون الحاجة المركبة التي سعت جدلية الدورة الإنتاجية لإرضائها متوافقة مع سيكولوجية هموم البشر الوجدانية و العاطفية و البدنية بصورة عامةGenerally، ستتصف بعموميتها بالنسبة الى حضارة البشر. إن التوازن بين هاتين الصفتين: عميمة خصائص المادة و عمومية الحاجة، في التفاعل الجدلي الذي يحقق شكل المصنّع هو الذي يمنح الشكل صفة عمومية الإبتمال. هذا ما يجعل الحس بصفة الإبتمال، و منح قيمة محبذة للأشكال التي تتصف بها ستؤلف سلوكيات اجتماعية حضارية تتجاوز نسبية تفردية الذات، و نسبية الزمن و المكان، و ستؤلف قيماً عميمة تمتد عبر تطور حضارات الإنسان. إلا أن شرط التفاعل الحسي مع صفات الإبتمال هو تدريب القدرات الحسية و تنضيجها على تعامل حسي مناسب مع هذه الصفات.

11. المقدس
11.1 عند إرضاء الحاجة الرمزية تقدم الذات الواعية بذاتها، و تحدد في مخيلتها موقعاً لذاتها بين الأشياء و العلاقات الاجتماعية. و مع ظهور الإنسان العاقل، أخذ يبتكر قوى خارقة يسخرها كأداة لحماية الذات، أو كأداة التعبير عن هذه الهوية أو كقوى ضد خصومه. و تتمثل هذه القوى بكيانات الطوطميات و الأرواح و الآلهة. تتصف القوى الخارقة في أنها مجردة عن واقع الوجود، أي إنها لا تخضع إلى خصائص المادة، لا لسببياتها و لا لضرورياتها، فهي خارج الطبيعة، الزمان و المكان.
و بقدر ما تدعم هذه القوى هويته الذات، سيمنحها مقام التقديس و التأليه. و لكي يتمكن من التعامل معها، يجسّدها بكيانات ملموسة، مثلاً، شجرة ما في العلاقة الطوطمية، أو يصنع لها تمثالاً فتتجسد فيه، أو معبداً سكنته، فتصبح بالنسبة إليه في هذه الحالة كيانات خارقة، و لكنها في تماس مع المؤمن. و بقدر ما تُجسد هذه المصنَّعات و تأخذ كيان الآلهة، ستكتسب قدسيتها، أو بقدر ما يرتبط مُصنَّع ما بكيان هذه المقدسات، و يقرن الفرد هويته به، سيكتسب هذا المصنَّع مقاماً مقدساً في مخيلة المؤمن، فيصبح دخول المعبد من قبله لا يؤلف دخول مبنى، و إنما إحداث نقلة من عالم المدنس خارج أبواب هذا المنشأ، عالم الفوضى و الخطر، إلى عالم الحماية و رعاية قوى المقدس الخارقة التي منحها المؤمن مسبقاً قوى لهذا الكيان، و أضفى عليها إجلالاً متزايداً من خلال رهبة التعبد و التوسل. إذاً، العمارة المقدسة هي المصنَّع الذي يُوظّف كأداة تعبّر عن كيان مقدس ما، أو تمثله، أو تقرن به، أو تجسده.

11.2 هناك أربع حركات متعاقبة في الدورة الإنتاجية عند نقل رؤية المقدس من موقعها في مخيّلة الفكر إلى كيان مادي في عالم الوجود.
ـ المرحلة الرؤيوية
تتوضح فكرة كيان المقدس، كقوى خارقة في مخيلة المؤمن، و من ثم تتبلور و تتحدد كرؤية لمصنَّع يجسد كيان المقدس.
و بقدر ما يكتسب كيان المقدس إيماناً جمعياً، و يصبح التماس معه و اللجوء إليه حاجة جمعية، تظهر الحاجة إلى ابتكار الأداة المناسبة لإرضاء حاجة تجسيده، أو تمثيله بجسد مادي ملموس، أو لا يكتمل التعامل مع القوى الخارقة و هي في المخيلة ما لم يتحقق تجسيدها بكيان مادي ملموس. و ما إن تتوضح هذه الرؤية في الفكر، و ترسل كرؤية إلى مرحلة التصنيع، حتى تنتهي وظيفة هذه المرحلة.   ـ مرحلة التصنيع
يتقدم المؤدي المصنِّع و يفاعل المادة الخام، و يحوّلها لتأخذ شكل الرؤية المرسلة اليه، و بهذا يحوّل هذه الرؤية من موقعها في المخيلة إلى معالم مادية، و في واقعية العالم الدنيوي. و بانتهاء هذه المرحلة يكون قد أنجز تصنيع المُصنَّع. و ما زال هذا المصنَّع في موقع مرحلة التصنيع، يبقى كياناً مادياً لمصنَّع ما. إن مرحلة التصنيع هي تفاعل الفكر مع خصائص المادة بهدف تحويلها لشكل ما، و لذا فهي حركة بالضرورة سبريانية تخضع لمتطلبات خصائص المادة، فهي بالضرورة حركة منطقية في مختلف جزئياتها.
إن حركة التصنيع تحمل شكل المصنّع معالم تحمل مؤشرات تقوم بوظيفة الدلالة على فحوى الرسالة الواردة من المرحلة الرؤيوية. لذا فهي نقل رؤية إلى مؤشرات مادية بدلالة المرجعية المشتركة.

ـ مرحلة التلقي
ما إن ينتهي تصنيع المصنَّع، و ينقل إلى موقع التقديس، و يدشن كبناء مقدس، ينتقل في تلك الآنية من كونه مادة جامدة في واقع الوجود إلى قوى خارقة خارج واقع الوجود، و يكون قد اكتسب في تلك الآنيات صفة المقدس، و يفقد في الوقت نفسه صفته المادية. و لكن النقل الذي يحصل في المخيلة يتناقض مع واقع مادية المصنّع، و هو تناقض يواكب تعامل المؤمن مع المصنّع.

11.3 هذا ما يجعل تحويل مفهوم المقدس إلى شكلية متجسدة في مادة جامدة، كالحجر و الخشب اللذين يكوّنان جسدية معالم المصنَّع، ليس بحركة بسيطة أو ميكانيكية. إن تعقيد الحركة لا يكمن في أن هناك فكراً يحرك سيرورة التصنيع، لأن أي سيرورة تصنيع تتضمن هذا الفكر الفاعل المحرك للتفاعل الجدلي بين المادة و الفكر الذي يخضع بالضرورة إلى خصائص المادة.
إن نقل رؤية لكيان خارج واقع عالم الوجود، كالمقدس، إلى وجود مجسد يؤلف تناقضاً في منطق التعامل مع المادة. إننا نفهم تناقض هذه الجدلية و فقدانها المنطق و لاعقلانيتها لأنها تحوّل المؤشرات من واقع ماديتها إلى كيان غير مادي يحمل إرادة.
إن مادية المؤشرات لا يمكن أن تتضمن فكراً أو قوى حيّة، فالفكر و المادة وسطان في الوجود مختلفان لا يمكن تحويل الواحد الى الآخر في واقعية الوجود. إن المادة الجامدة بحد ذاتها لا يمكن أن تصبح فكراً، و لا يمكن للفكر أن يصبح مادة جامدة. إن وجود الفكر هو حصراً من اختصاص الدماغ لا غير، و يبقى' موقعه فيه. إن آلية نقل مادية مؤشرات المصنَّع إلى كيان المقدس الذي يتمتع بقوى خارقة، من فكر و إرادة، أو أنه يجعل من المصنَّع تجسيداً أو ملجأ لإله ما، هو خداع ذاتي ينبني على أنلوغية لاعقلانية تبتكر كياناً إرادياً في مخيلته، و هو قائم في المخيلة، لكنه يتصوره يتجسد في مادة جامدة ـ و هنا تكمن الحركة الرابعة.
و حينما تجسد معالم المصنَّع و تقمّص رؤية المقدس، عند ذاك تتحول وظيفة هذه المعالم من كونها أداة تأشير، أي من كونها مؤشِراً، إلى مؤشَر إليه، فتصبح حالة انتقال من وجود مادي إلى وجود لامادي، و بهذا تكتسب في مخيلة المؤمن مقام المقدس. و هنا يندمج كيانان متناقضان في تفاعل التلقي: تتحول وظيفة شكلية المؤشِر إلى كيان المقدس ذاته، و يفقد وظيفته كمؤشر، كما تتحول المادة إلى كيان مقدس. و هنا يكمن الاختلاف الجوهري بين السيميائية التي تنقل المعلومات التي تنبني بالضرورة على منطق التشفير و عقلانية منطق التجربة العملية في المعيش اليومي، إلى حركة «تجسيدية» لامنطقية، خارج التجربة العملية و خارج واقع عالم الوجود. و من غير هذه الحركة الأنلوغية اللامنطقية، و اللاعقلانية، سيفقد المصنَّع قدسيته، أو حتى وجوده.
في هذا المخاض الفكري يتحول نظام الحوار إلى نظام الإيمان. و هذا ما يفسر ظاهرة العلاقة القدسية بين المؤمن و المصنَّع. لا يتحقق ارتقاء المصنَّع المادي إلى مقام كيان المقدس ما لم تبطل واقعية منطق نظام الدلالة، و استبداله بنظام لاعقلانية الإيمان. إن العلاقة بين المؤشِر و المؤشَر إليه، في هذه الحالة، ليس إيصال معلومات، بل نقل حالة المادة من موقعها المادي إلى صفة لا مادية في المخيلة. ويكون الحوار بهذه النقلة قد تجاهل واقعية مادية شكلية المُصنَّع، و بهذا يكون قد أُبطِل منطق الحوار و التجأ إلى دلالة أنلوغية تذاوتية، لاعقلانية.

12. أنماط الكلجريات
تؤلف الكلجريات مجموعة من مفاهيم و عقائد و سلوكيات و قيم و طقوس يسخرها الفرد في تنظيم علاقات معيشه مع الظواهر الطبيعية و الاجتماعية. و بقدر ما تنتظم هذه الكلجريات في رؤية الوجود بعامة بمجموعات مميزة، تصبح عندئذ أنماط كلجريات.
لقد ظهرت مع تطور حضارة الإنسان أنماط كلجرية متعددة، تبتكر و تتطور و تنضج، ثم تهرم و يزول البعض منها و تعاد صياغة البعض الآخر، فتمتد في الزمن بقدر ما يجد فيها المجتمع المعين بكونها فعالة في تنظيم المعيش. و هكذا تتكيف صيغ الأنماط مع المتغيرات في البيئة الطبيعية و الاجتماعية، فيحصل التقدم الحضاري أو يلتزم المجتمع بصيغة ما، فيخسر موقعه في آليات المنافسة و يزول مع الأنماط التي اعتمدها، و تنتقل حركة التقدم الى مجتمع آخر مع أنماط مبتكرة، أو صيغ مستجدة منها.
تتمثل هذه الأنماط الكلجرية التي ظهرت مع تطور حضارة الإنسان: تنظيم العائلة، العلاقات الجندرية(15)  بين الذكور و الإناث، السحر، الدين، المنطق، اللاعقلانية، العنف، التسامح، الفلسفة، الكذب، السرقة، الغزو، الحرفة، الدقة في العمل، الأمانة، الصدق، التعليم، الاستمتاع، العبادة، و غيرها التي ابتكرها الإنسان في تنظيم معيشه اليومي.
لقد اخترت ثلاثة أنماط كلجرية