استفتاء:
كيف يترجم الشاعر شاعرا
هنري زغيب:
ساعَدت الترجمة على صقلِ أسلوبِيَ الخاص
يكاد أن يُجمع جل المترجمين العرب على مقولة صلاح الصفدي، كما وردت في كشكول العاملي: "للترجمة في النقل طريقتان إحداهما أن يُنظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات الأجنبية وما تدل عليه من المعنى فيأتي الناقل بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه... الطريق الثاني: أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويُعبّر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها".
بصفتك شاعراً ومترجماً في آن:
أولاً: أتعتقد أن هناك طريقة ثالثة، ما هي، وأيّة هي الأفضل في نظرك، لإنْجاز ترجمة ناجحة؟
أريدُ أوّلاً أن أرفضَ رفضاً قاطعاً ما وردَ في الطريقة الأولى. وأتبنّى الطريقةَ الثانية مع ترْكِ هامشٍ واسع من المساحة الإبداعية التي يُتاحُ فيها للمترجم أن يستعملَ لا أُلعُباناتِه اللفظية بل براعَتَهُ اللغوية مع الحفاظ الشديد على المعنى الكامل والوافي والأمين في اللغة المُتَرْجَمِ منها. فأنا أؤمنُ عميقاً بأنّ الترجمةَ عملٌ إبداعيٌّ في ذاته وليس مُجرّد نقلِ كلماتٍ من لُغةٍ إلى لغة، لأن تطوّر العصر اليوم أوصلنا إلى أجهزة كومبيوتر إلكترونية تُترجم الكلمات ترجمةً فوريةً، كلمةً كلمة، ولا يبقى على المترجم إلاّ أن يربُطها بعضها ببعض في لغةٍ سليمة القواعد. وإذا كان الأمر كذلك فلن يعودَ الأمرُ في حاجةٍ إلى المترجمين. وبقولي إنّ الترجمة عملٌ إبداعي، أقصد أنّ المترجمَ شريكُ الكاتب الأصليّ في عملية الإبداع الأدبي. فكما المؤلّف يبذلُ خلاصةَ أفكارِه وعُصارةَ لُغتِه الأم ليُنتِج نصاً أدبياً، هكذا المترجمُ يبذلُ خُلاصةَ تَجربته وعُصارةَ لُغتِه الأم، ليُطلِعَ نصّاً في اللغة المترجَمِ إليها لا يَقِلُّ قيمةً عن ذاك الذي في اللغة المترجَمِ منها. بِهذا يكونُ المترجِمُ مُبدعاً في ذاته وشريكاً للمؤلّف في إبداعه، عدا أنّه ينقلُ إبداعَ المؤلّف إلى لغةِ المترجم فينشرُ ذلك النِتاج على مساحةٍ جديدةٍ من القرّاء ما كان يَبلُغُهم لولا المترجم.
ثانياً: ألا تعتقد أن ترجمتك لشاعر ما قد تؤثر على قولك الشعري diction، ثم ألا تخشى أن يؤثر الإكثارُ من الترجمة في أسلوبك الخاص؟
بالعكس تَماماً: تَجربَتي كمُترجم جعلتني أوقِنُ بأنّ الترجمة أثْرَت لُغَتي ثراءً كبيراً بالتراشُح المتداخل بين لغتي العربية واللغتين اللتين أتقنهُما (الفرنسية والإنكليزية). بِهذا ساعَدت الترجمة على صقلِ أسلوبِيَ الخاص، ولَم يكُن الإكثارُ من الترجمة مؤذياً لأسلوبي (كما ورد في السؤال). فأنا مدينٌ للترجمة لا بصَقلِ لغتي الأم وحسب، بل باكتسابي غِنىً في التعابير والتراكيب والجمل والمفردات والاستعارات والتشابيه والبلاغة والفصاحة، وهو ما خَلَق عِندي في لغتي الأم (العربية) نكهةً جديدةً ساعدَتني على التجديد في لغتي وعلى الابتكار في اشتقاقاتٍ جديدة ما كنتُ لأبلُغَها لولا اشتغالي على الترجمة.
ثالثاً: يقيناً أنك تترجم شعرَ الآخر لإفادة القارئ العربي، لكن هل ثمة دافعٌ (شخصي- شعري) غير هذه الخدمة الثقافية، يدفعك إلى ترجمة هذا الشاعر وليس ذاك؟
لا. ليس عندي تفضيلٌ لشاعرٍ دون آخر يَحثُّني على الترجمة. الدافعُ الأوّل والأخير هو الشِّعر، والشاعرُ الشاعِر، أي الشاعر المُتَمكّن الأصيل الذي يُفيدُني إذا ترجَمتُه ويفيد القارئ إذا قرأه. ذلك أنني أترجِمُ الشِّعر بتقنيةِ لُغتِه الأُم، وأحاوِلُ أن أُغدِقَ عليه تقنيةَ لغتي الأُم. من هُنا أنني لا أجِدُ صعوبةً في ترجمة الشِّعر أكثر منّي في ترجمة النثر، لأنني أبذلُ لترجمةِ الشِّعر تَمامَ ما أبذلُ لترجمة النثر من جهدٍ وتأنٍّ وبلاغة.
رابعاً: كيف تأتي إلى الشِّعر المراد ترجمته- هل تستفيد مِمّا كتب من دراسات عن هذا الشِّعر وصاحبه؟
أبداً. لا علاقةَ لي بِما صدَر عن هذا الشاعر أو ذاك من دراساتٍ وأبحاثٍ نادراً ما تضيءُ لي طريقي إلى تقشير شِعر هذا الشاعر. علاقتي أولاً وأخيراً مع النصّ: مناخهِ، ظروفهِ، رسالتهِ، أبعادهِ، أسلوبهِ (وما يُمكنني بلُوغُه في الترجمة)، ونادراً ما أَلْجأُ إلى نصٍّ رديفٍ بَحثيّ أو نقديّ حتّى أبلُغَ عمقاً أكثرَ في فهمِ قصيدةٍ أو في تفسير مضمون. لذلك أسعى دائماً إلى ترجمةِ القصائد التي يَهُمُّ القارئ العربي أن يطّلِع عليها نتاجاً إبداعياً لشاعرها.
خامساً: كتب عبد القادر الجنابي في العدد الثاني (2001) من مجلته "أرابويتيكا" الفرنسية ما يلي "الشِّعر العربي المعاصر مدين إلى ما تراءى من نماذج عبر ترجمات مجلة "شعر" أكثر مِمّا هو مدين للإنتاج الأدبي العربي الحديث نفسه"... ما رأيك في هذا التصريح؟
ليس هذا الكلامُ دقيقاً تَماماً. فالترجمات الصادرة في مَجلّة "شِعر" ساعدت على توسيع أُفق عددٍ من الشعراء العرب، بدونِ أن تكونَ ذات فضلٍ عليهم وبدونِ أن يكونَ الشِّعر مديناً لتلك الترجمات. أمّا الإنتاج الأدبيّ العربي الحديث فلَهُ خصوصيّته التي قطفت إفاداتٍ من مصادرَ بعضُها عربيٌّ وبعضُها الآخر غير عربيّ. وعبد القادر الجنابي نفسه يعرفُ أنّ ما اكتسبَهُ لإبداعه الشعريّ إنّما اكتسبه من ثقافته الأدبية ومن عبقريته الشِّعرية، ولَم تُكسبه الترجمات إلاّ بعضَ ثقافةٍ شِعريةٍ وشاعريّة، رافدة لا مَنبعيّة. والروافد لا تُشكّلُ نُسغَ الأساس، بل الأساس هو في العبقرية الشعرية التي تكونُ، أو لا تكونُ، منذُ البدء في نسيجِ الشاعر الكتابيّ، منذُ مطالعِه حتّى نُضجهِ الشّعريّ.
يتبع
1- سهيل نجم: ترجمة الشعر بين الاستحالة والأثر
2- سركون بولص: الترجمة الشعرية وسحر الإيصال
إسكندر حبش: هناك طريقة روبان الثالثة
سلمان مصالحة: لماذا التّرجمة، وكيف؟
د. صلاح نيازي: كلّ نصّ متميز ترجمة خاصّة مفصّلة عليه
صبري يوسف: ترجمة الشِّعر خيانة لذيذة




التعليقات