GMT 6:15 2012 الجمعة 3 فبراير GMT 8:36 2012 الأحد 5 فبراير  :آخر تحديث

لميعة عباس عمارة.. في استذكار احتفائي جميل

عبدالجبار العتابي

عبد الجبار العتابي من بغداد: اقام منتدى نازك الملائكة التابع للاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق جلسة احتفائية استذكارية للشاعرة لميعة عباس عمارة،بحضور حشد من الادباء والاعلاميين، ادارتها القاصة والروائية ايناس البدران رئيسة المنتدى، التي اكدت في كلمتها على اهمية استذكار الغائبين لاسيما من المبدعين، وانها تشعر بالسعادة حين تجد ان هذا الاستذكار يعني الوفاء والمحبة، مشيرة الى ان الاحتفاء بلميعة عباس عمارة يعني الاحتفاء بالمرأة المبدعة التي وضعت بصمتها بقوة في المشهد الابداعي العراقي، ومتمنية ان تعود الشاعرة الكبيرة الى وطنها للاحتفاء بها شخصيا بعد ان طال الشوق وكبرت شجرة الحنين.
 ولميعة عباس عمارة.. شاعرة عراقية، ولدت في بغداد سنة 1929م ونشأت في مدينة العمارة (جنوبي العراق)، أكملت دراستها الثانوية في بغداد، وتخرجت من دار المعلمين العالية سنة 1955، ولها العديد من الدواوين الشعرية التي أصدرتها على مدار السنوات منذ عام 1960، وغادرت العراق في الثمانينيات إلى الولايات المتحدة الأمريكية لكنها ظلت متواصلة مع بلدها شاعرة وانسانة.
 ولم يتخيل احد من الحاضرين ان المحتفى بها تحمل على عاتقها نحو 82 عاما، بل انهم تخيلوها امرأة فاتنة يفيض في ملامح وجهها ماء الصبا،وتحلق طيور الجمال، فكانت صورتها في العيون لا تشبه الا التخيلات المتألقة الجانحة بمسرتها التي ترفض ان تتخيل غير ما في النفس من لقطات جسدها شعرها الرومانسي وطريقة القائها الفاتنة، وقد رسم البعض من المتحدثين ملامح وجهها الجميل على فضاء القاعة مثلما كان شعرها حاضرا بقراءات لمقاطع متفرقة منه.
  تضمنت الجلسة قراءات نقدية وشهادات شخصية وكذلك قر اءات شعرية لعدد من الشاعرات مثل منى السبع،سناء العبيدي، اطياف ابراهيم سنيدح ورام الربيعي، كما تميزت الجلسة بحضور المطرب جواد محسن الذي غنى العديد من الاغنيات السبعينية لمطربي السبعينيات من ضمنها اغنيات كتبت كلماتها الشاعرة لميعة عباس عمارة، وهو ما اطرب الحاضرين لاسيما كبار السن منهم الذين وجدوا في الاغنيات فرصة للعودة الى ذلك الزمن الذي عاشوه.
 فقد تحدث فاضل ثامر، رئيس اتحاد الادباء والكتاب في العراق، باعتباره ناقدا اكثر من كونه رئيسا للاتحاد، لذلك رسم صورة نقدية لشعرها، فقال: انها واحدة من الشاعرات البارزات في المشهد الشعري العراقي، التجربة العراقية وكان لها حضور دائم في المشهد الثقافي بطريقة لافتة للنظر على المستوى الابداعي وعلى المستوى الاجتماعي، لميعة من جيل السياب ونازك الملائكة والبياتي، زاملت السياب في الجامعة، وكما نعلم انها كانت طالبة في دار المعلمين العالية وكانت تكتب الشعر في بداياتها وكان السياب يكتب الشعر في بداياته، ويقال والعهدة على الرواة بأنها كانت احدى الشخصيات التي اثارت اهتمامه وكتب عنها الشيء الكثير، وكان يحلم بها بوصفها حبيبة له.
 واضاف: التجربة الشعرية الحداثية التي بدأتها نازك الملائكة والسياب كانت مغايرة، تجربة فيها نوع من التجذير في التحول وخاصة الخروج عن عروض الخليلي والانتقال الى قصيدة التفعيلة او الشعر الحر بما فيها من رؤى ومن بنى حاثية اختلفت جذريا عن الاطروحات القديمة لمانسميه عمود الشعر العربي بمواصفاته السبع التي وضعها عدد من نقاد العرب الكلاسيكيين، وفي تقديري ظلت تجربة الشاعرة لميعة ضمن اطار التجربة الرومانسية وتمثل امتدادا لكثير من تجارب السياب ونازك قبيل مرحلة الحداثة، ظلت مشدودة الى هذا الخيال الرومانسي الجامح وكانت ثيمة الحب والعشق والحياة المتخيلة هي الاساس، ولهذا هي لم تدخل على مستوى البنية الشعرية مضمار التنافس على مسألة خلق بنية قصيدة حداثية،ويمكن ان ترتبط تجربتها بما يسمى بالتجربة الشعرية الرومانسية العربية وكذلك بشعراء المهجر.
 وتابع: قبل مدة قصيرة رجعت الى دواوين لميعة ووجدت فيها نفسا طيبا وربما مثلما نحب قصائد لنزار قباني او لعدد من الرومانسيين العرب لايزيد على ذلك، لا نجد فيها هذا البناء العميق الكثيرة التي نحلم بها، لا نبالغ.. ولكنها تجربة مهمة وثرية ومحببة الى النفس بوصفها اولا شاعرة، وثانيا: تنتمي الى مكون اجتماعي مهم من مكونات الشعب العراقي كونها صابئية، وهي قريبة للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، ومن حقنا ان نحتفي بها كونها ممثلة لهذا الشيء، ولكن بوصفي ناقدا لا استطيع ان اقول عنها اكثر من ذلك، محبة وتواصلا، وتظل هي اسما كبيرا وتمثل ايضا ظاهرة ثقافية وظاهرة شعرية وظاهرة اجتماعية، وجدير بنا ان نحتفي بها ونتذكرها دائما ونتمنى لها ان تتاح الفرصة لان تعود الى وطنها لكي حتفي بها بما يليق بها وبما يتطلب منا.
 اما الناقد علوان السلمان فقد تحدث عن لميعة كونها (شاعرة باللهجة العامية)، لكنه قال اولا: لم يجمعني مع لميعة الا لقاء مباشر حين كنت طالبا في الصف الرابع الثانوي، هي مدرسة في الاعدادية المركزية للبنات، وكان عندنا بحث عن السياب، فقال لنا استاذنا: اذهبوا التقوا بها واسألوها هل هي فعلا احبت السياب ؟، وذهبنا وكتبنا التقرير انا ومحمد تقي جون.
واضاف: سأكون مع لميعة..الشاعرة الشعبية الفصيحة المغناة، وادخلها من قولها (بالحلم، ننسى الحلم، ونقوم / لا هي حرقة قلب، لا عتب لا بيه لوم/ بثوبي بعد ريحتك زين وعليّ هدوم)، لميعة عباس عمارة.. بغداد الولادة، العمارة المنشأ، الغربة الاقامة، في بلد حرق بغداد، التي هيجت شوقها دائما صوب بغداد، فهي تقول ( بغداد / عشر الملايين الهواهم ولا لي عوض/ فارقتهم بالرغم فرضا عليّ انفرض / وما صاحبي بعدهم غير التعب والمرض/ اري كبيرة الارض / بس ما لي بيها غرض)، لميعة.. تعمدت بمياه دجلة لانها صائبية، ارتوت من مياه الفرات وما بين النهرين شيدت مجدها الشعري المتميز بصوت سومري بعد انتقالها الى مدينة (العمارة) حضارة الجنوب المتمثل بالقلم القصبي وبزوغ شمسها فقدمت شعرية شعبية وفصيحة غنتها الاصوات ولحنتها الاوتار، ومنها اغنية فاضلب عواد (اشتاق الك يا نهر يا البردك الجنه/ صفصاف شعر هدل وبمايك اتحنه/ لزني على صدرك هله / وسكتة وغنه وونه/ طول ما دام الحلم ما ينشبع منه)، انه (النايل) ببحر البسيط (مستفعل فاعل مستفعل فعلن) و(حسجة) جنوبية نابعة من حس ريفي متأصل اصيل، قال عنها الفرنسي البروفيسور جاك بيرك (لميعة عباس عمارة شاعرة الرقة والجمال والانوثة التي لا تنتهي)، لميعة.. وصفها الشاعر السوري شوقي بغدادي بأنها شاعرة الرجال بعد ان وصف نزار قباني بشاعر النساء، كونها تحاول دائما استفزاز الرجولة حتى انها تفصح عن الغائب الحاضر حبيبا او أبا، ليمعة تبوح بوحا اقرب الى الديالوج الداخلي، فتقدم نصا يدغدغ المشاعر ويحرك الخزانة الفكرية للمتلقي.

 اما الناقد علي الفواز فذهب الى غير ما ذهب اليه الاخرون، فقال: لايمكن قراءة لميعة عباس عمارة الا وان يرافق هذه القراءة مع قراءة السياق الذي تشكلت فيه تجربة لميعة عباس عمارة، ربما الان حين نقرأها الان نجد قصائدها بسيطة وربما فيها الغلو الرومانسي، ولكنني اعتقد ان لميعة عباس عمارة حينما كتبت الشعر كانت ظاهرة احتجاج على ذكورة الهيمنات الاجتماعية والثقافية، كانت قصيدتها فيها الكثير من الاستفزاز وفيها الكثير من الاحتجاج مما جعل لميعة نقطة ضوء وسط العتمة، والكل من عاش ذلك الزمن يدرك ان لميعة عباس عمارة قد اجادت صناعة هذا الضوء، مثلما تقودنا لميعة عباس عمارة الى ان نتأمل ارستقراطية الشعر، الشعر كائن ارستقراطي، لكن هذه الارستقراطية الشعرية لا يمكن ان نجدها الا بين يدي الانثى حين تقدم القصيدة وهي تمطر، وهي ترش برودتها على السخونات اليومية، سخونة الحياة الاجتماعية، سخونة الحياة السياسية، سخونة التفاصيل التي كانت ترعب الكائن اليومي.
واضاف: لميعة عباس عمارة بتقديري كانت ظاهرة اجتماعية بقدر ما هي ظاهرة شعرية، الظاهرة الاجتماعية انها كانت جريئة الى حد ما، وهذه الجرأة هي التي جعلت لميعة تقترب من منطقة الحافات العاطفية الرومانسية الحافات التي تجعلها دائما ازاء غواية الرجال، وكلنا يعرف ان السياب فعلا قد كتب العديد من القصائد تلذذا او تقربا الى لميعة عباس عمارة على الرغم من انه يعرف قربها من عبد الرزاق عبد الواحد، يعني هذا الاطار الاجتماعي، لكن مع ذلك فأن لميعة.. تشكلت في ظل اجواء ثقافية لها مؤثرات، شعراء جماعة ابولو، شعراء جماعة الديوان، شعراء المدرسة اللبنانية، ومن يقرأ قصائد لميعة يجد ان هذا التأثير هو المهيمن وهو الفاعل وهو الاكثر توغلا في قصائدها، اي انها كانت الاقرب، فلم تكن مشغولة بما خارج هذه المنطقة،اي لم تكن معنية مثلما كان السياب معنيا بالاساطير والتجديد وكذلك عبد الوهاب البياتي المعني بقضايا كونية، وحتى نازك الملائكة، وبالمناسبة لايمكن مقارنة لميعة بنازك لان البيئة التي تنتمي اليها نازك تختلف بالكامل، لذلك فأن الجملة الشعرية التي كتبتها نازك تختلف عن الجملة التي كتبتها لميعة، الحالة الاجتماعية التي كانت فيها لميعة غير الحالة التي كانت فيها نازك، الشعراء الاخرون كانوا مشغولين بالهم السياسي والايدلوجي، بينما لميعة كانت تصطنع لها منطقة انثوية فيها الكثير من اللذائذ، فيها الكثير من الهموم والتفاصيل الحياتية مما جعلها تكتب هذه القصيدة التي ظلت مثيرة وظلت فاعلة.
 وتابع: سمعت من الصديقة (هدية حسين) وهي احدى طالباتها، تقول ان لميعة قد استفزتنا حن الطلاب حينما دعتنا الى ان نبحث عن الجمل المفيدة في القرآن الكريم، وان نترك قضية (ضرب زيد عمرو) وغيرها من الجمل التقليدية، فدفعتنا الى ان نقرأ القرآن الكريم ونتأمل ما فيه من جمل وقيم وغيرها، وهي كما نعرف تنتمي الى مكون اخر، ايضا سئلت لميعة عباس عمارة قبل مدة من الزمن: لماذا لا تأتين الى العراق ؟، فقالت: انا في صغري منعني الفقر من ان اسافر، وفي شبابي منعتني الحكومة من ان اسافر، وفي شيخوختي.. منعني الطبيب من ان اسافر !!.
 اما الناقدة الدكتورة نادية هناوي فتحدثت باختلاف مع من يرى في لميعة شاعرة رومانسية فقط، وراحت ترسم لقطات عديدة للسمات التي تمتلكها الشاعرة بعيدا عن شهرتها كرومانسية، فقالت: اصبح من المعتاد ان يكون اسم هذه الشاعرة مرتبطا بالنفس الرومانسي، فما ان يقال شعر الحب حتى يقال انه شعر لميعة عباس عمارة،لكن الحقيقة، وقد يكون هذا مفاجئا، اعتقد ان في شعر لميعة ومنذ بواكيرها الشعرية الاولى منذ ديوانها (الزاوية الخالية) و(عاد الربيع) وجدت ان هذا الشعر ينبع وهو محمل بطاقة واقعية، فيه حضور واضح لشعار ان الشعر للمجتمع او للحياة،والشاعرة لميعة شاعرة واقعية فضلا عن كونها شاعرة رومانسية واحسب انها في هذا تشابه نازك الملائكة نازك في توجهها الرومانسي والمرتبط بالتوجه الواقعي، صوت لميعة.. وصل صداه الى مختلف الاصقاع،وفي اخر موسوعة للشاعرات العربيات (موسوعة ناتالي حنضل) الصادرة باللغة الانكليزية والتي هي عبارة عن انطولوجيا تضمن ما يقارب 283 قصيدة لـ 83 شاعرة عربية، ومن العراق ذكرت لميعة ومي مظفر وامل الجبوري ونازك الملائكة فضلا عن دنيا ميخائيل، كونهن الاوضح والاكثر حضورا في الشعر بالعراق.
واضافت: نشاط لميعة الشعري كان غزيرا في بداية حياتها، يعني في الثلاثينيات كانت لها خمسة دواوين، ولما وصلت الى الثمانينيات صدر لها ديوانان وفي التسعينيات الى عام 2000 ديوان واحد، وهذا امر طبيعي لعلها في هذا تشابه نازك الملائكة، والمميز في هذه الشاعرة انها عاصرت اقرانها من الجيل الحداثي الاول من شعراء التفعيلة لكنها لم تأخذ حضورها مع هؤلاء، وظلت سمة الرومانسية والعامية هي الطاغية والطافحة على شعرها الى يومنا هذا ولعل السبب في ذلك يعود الى شيوع هذا التصور ان شعرها شعر حب ورومانسية.
وتابعت: ومن السمات الاخرى التي تميز شعرها ايضا هي شدة التعاطف والاحساس السياسي بالواقع والرغبة في تغييره، واحداث الثورة والانقلاب وتمجيدها لابطال هذه الثورات، فلديها قصيدة عنوانها (تحية البطل) تحيي فيها بطل ثورة الرابع عشر من تموز ولديها قصيدة عنوانها (14) وفيها ايضا تمجد ثورة 14 تموز عام 1958، وترتفع لدى لميعة في اغلب اشعارها لغة التحريض والعنف، كما اها كانت ثائرة بوجه التقاليد البالية وكان شعرها يتميز بالخوف بالقضايا العربية المصيرية لاسيما قضية فلسطين، كما امتاز شعرها بنزعتها نحو تمجيد البطل الذي كانت تراه بطلا في نظرها وهو (عبد الكريم قاسم) وقد ذكرته في قصائد كثيرة وجعلته اشبه بالاله تموز الباعث للامجاد والذي سوف يحيي الارض من جديد.
 اما الشاعر الدكتور محمد حسين آل ياسين الذي كان مسك الختام للجلسة، فقد قرأ شهادة بحق المحتفى وانطباعات عنها مقرونة بالذكريات التي له معها، وقد اوضح انه سيكتفى بشيء من الذكريات والانطباعات السابقة، فقال: ازعم اني اعرفها، لانني شاركتها كثيرا منذ اواسط الستينيات في الاماسي والمهرجانات والندوات والجلسات والقبولات، فلم يفتني من شخصيتها الطاغية شيء، تتميز عموما وبالمانشيت الكبير انها انسانة صنعت نفسها ولم تصنعها البيئة ولا المكان ولا الاباء ولا الامهات، والا فواحدة من مثل لميعة عباس عمارة، بنت (العمارة) لو لم ترد ان تصنع نفسها لكانت امرأة عمارية بعباءتين وجورابين وخجل شديد من الحديث مع الرجال سوى ما يقال في هذا الصدد مما نعرف من نسائنا الحييات في (عماراتنا) الحبيبة، ولكنها ارادت ان تخالف آباءها وامهاتها و (عمارتها) فتصنع نفسها، ونجحت على الصعد المختلفة، شاعرة وشخصية ومواقف، حقيقة كانت شخصيتها في غير الشعر وفي غير المهرجان، في الجلسة الخاصة.. طاغية، ومؤثرة ومهيمنة ومدهشة بما تملك من طريقة في الكلام ومن سرعة في البديهة ومن تعليق جميل، ومن جمال، هي امرأة جميلة خصوصا في تلك الايام، في الستينيات والسبعينيات، في شبابها وأول كهولتها كانت طاغية بجمال وجهها ايضا، سوى جمال لسانها وثقافتها وطريقتها في الهيمنة على الاخرين بحيث اني كنت احس اننا ونحن نحيط بها انها تملك زمام الجلسة قادرة على الهيمنة، قريبة الى القلب، مشعة في النفس، وهذه طاقة لم اتلمسها حتى في نظيراتها من المبدعات والشاعرات، لانها شيء اضافي غير القدرة على الكتابة الشعرية العادية.
 واضاف: كانت لميعة.. جريئة، شعرا، توجها، مواقف وتعليقات، هل تسمحون لي الان ان استعير جرأتها في قصة ارويها عنها، كنا في السبعينيات على ظهر باخرة في شط العرب، نحن المربديين الاوائل سنة 1971 ومعنا عدد من الشعراء العراقيين والعرب، تمخر بنا الباخرة شط العرب، وهي في وسطنا تتحدث كأنها تغني، وتعلق فقالت في جملة ما تحدثت به: اني كنت طالبة عند المرحوم الدكتور محمد مهدي البصير في دار المعلمين العالية، قالت وهي المتحدثة، والكل من الواقفين يستمع وبجنبي عمر ابو ريشة يستمع اليها ايضا واخرون من العرب الكبار، قالت: كانت من عادات الدكتور البصير انه اذا ترقى المنصة يطلب من طلابه ان يقرأوا في الكتاب، ثم يعلق، فقال: (يا آنسة.. اقرئي؟ ) ففتحت الكتاب وقرأت ومرت بي الاية الكريمة الاتية ( ربي اخلني مُدخل صدق، واخرجني مُخرج صدق)، فقرأتها (مَدخل صدق ومَخرج صدق) فصححها لي استاذي الدكتور البصير، وعلى عادتي في المشاكسة مع الاساتذة قرأتها مرة ثانية (مَدخل صدق ومَخرج صدق)، فقال: يا آنسة.. ألم نصحح لك القراءة، اقرئيها، فأعت قراءتها ثالثة (مدخل ومخرج) فقال: (يا آنسة.. والله قتلنا مخرجك) !!!!!!!!.، احلى ما بها انها المتحدثة بهذه القصة فانظروا الى حريتها في الكلام، في التعبير، في النقل.
 وتابع آل ياسين: كنا نجتمع سنويا في مهرجان كلية الهندسة الذي بدأ في الستينيات، كان مهرجانا عاليا، نعم.. كانت الكليات تقيم مهرجانات شعرية سنوية، ولكن لمهرجان كلية الهندسة في جامعة بغداد السنوي معنى اخر، يكفي ان اقول لكم ان من حضّاره والمشاركين فيه الجواهري ومصطفى جمال الدين ولميعة وسواهم من الكبار وانا والخفاجي من شباب الشعراء الذين نشاركهم في هذا المهرجان، فكانت لميعة تسيطر على القاعة، تخلب الالباب وتهيمن على المهرجان، لانها تتميز بموهبة اخرى ترافق موهبتها الشعرية وهي موهبة الالقاء المؤثر، لميعة عباس عمارة.. من النوادر الذين يحسنون القاء الشعر الى الدرجة التي يصح معها ان تسمى موهبة خاصة في القاء الشعر، كانت موهوبة في الالقاء بحيث انها تستطيع من خلاله ان توصل القصيدة بأحسن ما يكون وان تضيف اليها اشياء غير موجودة عنما تقرأ مكتوبة في مجلة او كتاب، نعم.. كانت رومانسية في الاتجاه العام لشعرها ولكن الرومانسيين مثل الكلاسيكيين مثل الرمزيين مثل السرياليين يتفاوتون داخل هذا الاطار، فهي اشعر كثيرا من رومانسيين ورومانسيات كثيرين وكثيرات، والا فكيف اصبح الجواهري اشعر العموديين، واستطاعت ان تجعل من هذه الرومانسية ابداعا يدل على انها قادرة على ان تجيء بما لا يجيء به الاخرون وان تبدع بما يؤثر ويدهش.
في الختام.. وعلى وقع انغام عود المطرب جواد محسن، كانت التمنيات تنطلق من (قاعة الجواهري) الى حيث تقيم الشاعرة في اميركا، تمنيات لها بالعافية اولا وبالعودة الى بلدها العراق ثانيا ليحتفي بها ادباء العراق واهله.

في ثقافات