الإسلام ونظرية التطور: نقاش أم فتاوى؟
العفيف الأخضر
GMT 17:00:00 2009 الأربعاء 18 فبراير
حقق الإسلام في القرون الوسطى اختراقا نادرا في تاريخه على يد "إخوان الصفاء وخلان الوفاء" الشيعة وعبد الرحمن بن خلدون السني الأشعري. طرحوا جميعا حدسا عبقريا قريبا من فرضيات وحقائق نظرية التطور المعاصرة. عندما أكدوا جميعا على وحدة أصل
الكائنات "الجماد والنبات والحيوان". سيضيف لهم المتصوفة حدسا ثانيا في الاتجاه ذاته هو "وحدة الوجود" أي وحدة أصل كل موجود في الوجود. وحدة الخالق والمخلوق... وحدة الكون والكائنات. هذا الحدس الوحدوي هو اليوم حقيقة فيزيائية وبايلوجية. لنستمع الى Michel Serres فيلسوف ومؤرخ العلوم: "دماغي كما هو اليوم، تشريحيا، مع فصوصه الجبهية. ظهر منذ حوالي 3 مليون سنة. تحته، يوجد دماغ زواحفي (= نسبة إلى الزواحف) أكثر قدما يعود الى 150 او 300 مليون سنة. جهازي الخلوي يعود تاريخه إلى 1 أو 2 مليار سنة. الجُسيْمات Mollécules التي تكوّن جسمي تعود إلى 3 مليار سنة، أما الذرّات التي تكوّن هذه الجُسيْمات فتعود إلى 15 مليار سنة (= تاريخ بداية تكوّن الكون إثر الانفجار الكبير). هذا هو عمري" يقول مؤرخ العلوم الفرنسي.
وحدة الوجود، صاغتها الفيزياء الفلكية المعاصرة في هذه المعادلة: "ليس الكون إلا تجميعا للذرّات والجُسيْمات" ولا شيء غير ذلك حتى إشعارا آخر!: أصغر مكونات الذرّة، الجزيئات"، تكوّن الذرّة، ومن الذرة تتكوّن الجُسيْمات، ومن الجسيمات تتكون المجرات التي تكون الكوسموس. تركيب الذرة وما تناسل منها واحد وحيد عند جميع الموجودات. كل منا، كما قال ميشيل سار، يحمل ذات الذرة التي رافقت ميلاد الكون منذ 15 مليار سنة. بالمناسبة ما زال له، على ذمة الفيزياء الفلكية، 15 مليار سنة أخرى كي يتلاشى. قال لي الفيزيائي الفلكي عضو أكاديمية العلوم ورئيس اتحاد العقلانيين Evry Schatseman سنة 1996: "الفرضية التي يفكر الفيزيائيون الفلكيون بالعمل بها هي الشروع منذ الآن في إعداد معادلات رياضية تُعيد سيناريو الانفجار الكبير لحظة تحلّل الكون". قلتُ له ممازحا: انتظروا قليلا حتى تبرهن البشرية عن جدارتها باستحقاق العود ثانية إلى الحياة... عندما تَعِدُ بأن لا تُعيد تمثيل مسرحيتها الدموية!
إخوان الصفاء وابن خلدون وابن عربي لم يتركوا أولادا ولا أحفادا. تركوا أشباه فقهاء ممزقين بين قناعاتهم الدينية "العلمية" البالية وحقائق علوم عصرهم التي عجزوا عن هضمها كعجزهم عن دحضها. وهو ما يعطي البلبلة السائدة بين صفوفهم. في 1998 اصدر الداعية الإسلامي الشهير عبد الصبور شاهين كتابه: "أبي آدم بين الأسطورة والحقيقة". يقسم فيه "الخليقة" أي الكائنات البشرية إلى نوعين، البشر والأناسي. من هم البشر؟ "البشر"، يقول، "خلقهم الله قبل آدم، لا عقل لهم ولا سمع ولا بصر ولا إدراك؛ هم خلق ممسوخ (...) خلقهم من تراب وماء". وهم همج لم يرسل الله فيهم رسولا، لم يكونوا من أهل التكليف الإلهي، فهم لا يؤمنون بالله، ولم يكلفهم الله بتطبيق أوامره ونواهيه. لماذا لم يكونوا من أهل التكليف؟" يجيب الداعية الإسلامي: لأنهم "كانوا مجرد مشروع الهي تحت التنشئة (= تحت التكوين) ينتقلون من طور إلى طور أرقى في طريق الترقي والكمال. نقطة الكمال التي سيتطورون إلهيا عبر ملايين السنين، وتحت العناية الإلهية، هي الإنسان". من هو الإنسان؟ : هو "المخلوق من ماء أو علق أو نطفة ، أي من أبوين". الإنسان هو آدم المنحدر من سلالة البشر ليكون أبا لسلالة الإنسان: "آدم بشر + تسويه (صنعه الله، في أحسن صورة) + نفخ الله فيه من روحه"، بعد أن "عاش البشر همجا ملايين السنين فمر بالمراحل التي أنضجت عقله وأكسبته اللغة والكلام (= الطور الذي) يكون فيه المجتمع أصبح لا ينقصه لكي تكون الحضارة الا الدين. فكان آدم المصطفى". متى انتخب الله آدم؟ يجيب الداعية "بعد أن انقرض البشر الهمج" لا شك أنه كان يعني القرود العُليا أو أشباه البشر..
خصم د. شاهين د. عبد العظيم المطعني اتهمه في كتابه "أبي آدم بين الخيال الجامح.. والتأويل المرفوض" (مكتبة وهبة، القاهرة 1999) بأن ما يقوله "هو ما تقوله نظرية النشوء والارتقاء الداروينية". وهي تهمة كاذبة. نظرية التطور تقول ما يقوله العلم الذي لا مكان فيه
 |
|
الشعراوي: "أنا أبحث في القرآن
عن أحكام ديني فقط
وليس عن الحقائق العلمية"
|
لشطحات الخيال الفقهي (انظر: كيف تطور القرد إلى إنسان). لكن لا شك أن د. شاهين حاول، كداعية إسلامي، قراءة قصة الخلق البابلية – السومرية – التوراتية في القرآن قراءة داروينية. لكن بعد اختزاله الداروينية إلى فقه إسلامي كاريكاتوري. لكن نواياه حسنة بل في منتهى النبل. لماذا؟ لنستمع إليه يعترف بصدق: "هدف كتابي هو فض الاشتباك وحل التناقض بين القرآن والعلم" اعتراف داعية إسلامي من قامة عبدالصبور شاهين بوجود "تناقض بين القرآن والعلم" بل وأيضا "اشتباك" ينسف نسفا خرافة الإعجاز العلمي في القرآن التي تجعل المسلمين بعد كل "مؤتمر سنوي" أكثر هذيانا. نقطة انطلاق هذيان الأمة الديني هو بالضبط اكتشافها المذهل يوميا تقريبا لـ"التناقض بين القرآن والعلم" الذي حاول د. شاهين حلّه بكتابه "أبي آدم..." لقد راعه أن يرى أمته "ممزقة بين تصديق "كلام الله" وتصديق كلام العلم المناقض له. هذا التمزق هو الذي أسقطها في الهذيان الذي نعاين تجلياته في أقوال وأعمال نُخَب الأمة وجمهورها في كل مكان تقريبا. لكن حبل الحيل الفقهية، كحبل الكذب، قصير.
د. شاهين والدكتور محمد شحرور، الذي أنجز في السنوات 1980 قراءة مشابهة "داروينية" هي أيضا للقرآن ميّز فيها كما فعل شاهين، بين "البشر" أي أشباه البشر Hominidés - بلغة نظرية التطور – والإنسان. أي، الإنسان العاقل homo Sapiens- بلغة نظرية التطور أيضا – كان جديرا بهما أن يتخليا عن "الحيل الفقهية" عملا بنصيحة ابن الوردي: "إنما الحيلة في ترك الحيل" ليعترفا بلا شعور بالذنب بما اعترف به حَبر الفاتيكان العظيم، جان بول الثاني، عندما قال "نظرية التطور أكثر من فرضية". بل هي اليوم علوم دقيقة تدرس في جميع جامعات العالم، باستثناء جامعات – جوامع أرض الإسلام. ويجري على ضوئها الباحثون والعلماء والتجارب العلمية في مختبرات العالم المتمدن. ولا يُضير القرآن، كما قالت بنت الشاطئ والشيخ متولي الشعراوي، أن يكون، كالكتاب المقدس، في تناقض مع العلم، فهو كما قالا: "ليس كتاب علم بل كتاب أحكام دينية". وهكذا يُحل فعلا "التناقض بين القرآن والعلم" لأن القرآن والعلم ينتميان إلى حقلين ابيستمولوجيين لا يجمعهما طريق. العلم قائم على التسليم بعد التجريب العلمي والقرآن قائم على التسليم بلا أدنى حاجة إلى إجراء تجريب علمي. الله والآخرة والحشر والنشر والجنة والنار... لا سبيل إلى إجراء تجارب علمية عليهم للتأكد من حقيقتهم العلمية. إذ لا يمكن بحال إدخالهم إلى المختبرات العلمية ولا التحقق من صحة فرضياتهم أو عدمها بالمعادلات الرياضية، علما بأن التجربة العلمية والرياضيات هما برهان الحقيقة العلمية، أنما هم حقائق اعتقادية بصدقها المؤمنون بها ويعطون بها معنى لحياتهم بعد الموت. فهل شاهين وشحرور.. فاعلان؟ أرجو ذلك.
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه