الخلافات طالت كل شيء
الغلاء والانقسام ينغصان فرحة الغزيين باستقبال شهر رمضان
ميرفت أبو جامع من غزة: رمضان آخر يمر على الفلسطينيين وهم يعيشون أجواء الحصار والانقسام، اللذين ضاعفا معاناتهم، وتسببا في شرخ عميق في النسيج الاجتماعي ،يحتاج وقتا طويلا من اجل التئام الجرح، الذي عصف بالحياة الفلسطينية وغيّر خارطة ملامحها وأكساها ثوبا مطرزا بالحزن والتوتر طوال الوقت وأصبح الفلسطينيون منقسمين في كل شيء، حتى في موعد تغيير الساعة لبدء التوقيت الشتوي ، فغزة التي تسيطر عليها حركة حماس قامت بتأخير عقارب الساعة 60 دقيقة للوراء عند منتصف ليل الجمعة الماضية ، فيما أبقت الضفة الغربية التي تخضع لسلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس على التوقيت الصيفي، لتدق عقارب الساعة عند الثانية عشرة فجراً فيها قبل أن تدق في غزة بساعة كاملة.

ومن باب السخرية، كان يخشى الفلسطينيون المكتوون بنار الانقسام أن يدفعهم الأخير إلى بدء صيام يومين منفصلين، يوم لرام الله وآخر لغزة ،إلى ان قام مفتي القدس والديار المقدسة بالإعلان يوم أمس السبت أن غدا الاثنين أول أيام رمضان . ويستقبل الغزيون شهر رمضان بعيون الأمل في إنهاء الحصار والانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، لكي تنتهي عذاباتهم بعد عامين من المعاناة، انعكسا على أوضاعهم التي تردت على كافة المستويات، واليوم يتخبطون خلف قياداتهم المنقسمة، لا يدرون إلى أين سترسو سفنهم !وكأنهم يهمسون في ذاتهم بأننا قد فقدنا البوصلة ،في انتظار معجزة المصالحة الوطنية وإعادة اللحمة وان كانوا قد فقدوا الثقة في انجازها ،بفعل تجارب قياداتهم مع المبادرات السابقة ، ولكنهم يتمسكون بالأمل إلى آخر رمق، في أن تسافر غيوم الانقسام إلى طريق لا رجعة فيه .
ويأتي هذا الشهر الفضيل على اسر غزية تعيش في فقر مدقع وبطالة ومستويات معيشية متردية لا تدري من أين تلبي احتياجاتها الأساسية في ظل الغلاء وارتفاع الأسعار وانعدام فرص العمل بعد ان تدمر الاقتصاد في غزة بشكل كامل وبلغت خسائره ملايين الدولارات ووصلت البطالة الى 80% والفقر تجاوز ال 70%.
فأم احمد التي تورمت قدماها من البحث عن مؤسسات لدعم أطفالها على أبواب العام الدراسي الجديد ويأتيها شهر رمضان بعد أسبوع لتزداد همومها وتضطر الى مد يدها للسؤال وطلب الحاجة من الناس. وتعيش ام احمد زوجة عاطل عن العمل مع أفراد أسرتها العشرة في غرفة صغيرة تلملم أجسادهم وسط ظروف إنسانية ومأسوية وتأمل ان يأتي رمضان بخيره كي تستطيع ان تعيش وأطفالها .
وتقول :quot; منذ أكثر من 8 سنوات وزوجي متعطل بعد ان كان يعمل داخل الإسرائيلية في البناء،كنا مستورين عن أعين الناس أما اليوم فنعيش ظروفا معيشية صعبة دفعتنا إلى طلب الحاجة من الناس والعيش على المساعدات quot;.

ورغم افتتاح المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل أمام تدفق البضائع إلى غزة إلا أنها تسمح بإدخال كميات مقننة ولا تلبي كل احتياجات المواطنين ويخشى ان تشهد غزة نقصا فيها خاصة في زيادة الطلب على هذه البضائع في شهر رمضان . وما زالت هموم تلبية الحاجيات الأساسية للأسر الغزية من غاز طهي وادوات مطابخ وبعض السلع الغذائية ،حتى بعد مرور 3 أشهر على التهدئة ، تنغص عليهم حياتهم بل ترشح إلى ترشيد استهلاكهم للعادات الرمضانية التي اعتادوها.

فالمواطنة أم علاء التي تعودت أن تعد لأبنائها أطباقا شتى من المأكولات التي يفضلونها، إلا أنها هذا العام تميل إلى ترشيد صنع المعجنات والحلويات خلال شهر رمضان، بل تشعر أن أزمة الغاز لو استمرت ستحرمهم من مأكولات يفضلونها في هذا الشهر، لافتة ان اسطوانة الغاز التي تملكها تكفي أياما فقط في رمضان وهي التي بسبب شح غاز الطهي وغلاء الاسطوانة لم تستطع تعبئة نحو ست اسطوانات تستهلكها عائلتها جميعها وقد فرغت تماما ، آملة أن تتحسن الأوضاع في رمضان ويأتي معه الخير . وتعاني ام علاء زوجة رجل مريض وأم لطلبة جامعات ظروفا صعبة تعيش على مساعدات المؤسسات وتنتظر ما تجود به في هذا الشهر كي تستطيع سد رمق أفراد أسرتها.
ورغم وفرة المواد الغذائية في الأسواق المحلية التي دخلت عبر المعابر التي افتتحت الأسابيع الماضية ولكن أسعارها المرتفعة تجعل المواطنين يستغنون عن أشياء يعتبرونها أساسا في عاداتهم الرمضانية كالحلويات او إعداد بعض المأكولات ناهيك عن أزمة غاز الطهي وارتفاع أسعار اللحوم والخضروات والفواكه.
فأبو احمد الذي تنقل في محل سوبرماركت جنوب قطاع غزة ، للبحث عن طلبات سجلتها زوجته في ورقة صغيرة ، لم يصدق السعر المدون على الصنف من المادة الغذائية حتى يسأل صاحب المحل ليتأكد عله يخبره بسعر اقل ارتفاعا، ولكنه دهش عندما أجابه صاحب المحل أن السعر صحيح ، فيشتري نصف القائمة بالمبلغ المعد سلفا ويعود دون شراء القائمة كلها، ويقول أبو احمد الذي يعمل موظفا لدى السلطة:quot; لم اصدق ارتفاع الأسعار، شيء جنوني كل شيء داهمه الغلاء دون حسيب أو رقيب ،ويضيف تبدو غزة كدولة أوروبية رغم البطالة وانعدام فرص العمل والحصار . ويضيف quot;: لم التقط أنفاسي بعد من مستلزمات المدارس حتى تأتي هموم جديدة ، راتبي الشهري من اليوم الأول صرف وسأقضي بقية الشهر على الديون.
ويشير محمد شراب صاحب سوبر ماركت لبيع المواد الغذائية ،إلى أن الإقبال ضعيف هذه الأيام على مستلزمات رمضان على عكس الأعوام الماضية مؤكدا ان معظم المواد الغذائية توفرت مع افتتاح المعابر ولكن بكميات مقننة ويتوقع ان يزداد الإقبال في الأيام الأولى من شهر رمضان على شرائها. ويضيف ان البضائع التي دخلت قليلة ولا تكفي لسد حاجة المواطنين حيث يتوقع أن يزداد الطلب عليها في شهر رمضان خاصة العصائر والمشروبات الغازية لافتا إلى ان أسعارها تضاعفت بشكل كبير وهو ما يتوقع ان يستغني المواطنون عن كثير من عاداتهم الرمضانية .

وتجد الأسر الفقيرة والمحتاجة فيه شهرا للخير والعطاء و يجسد كل معاني الإخاء والتعاون والتعاضد واللحمة ويحمل لها الكثير من الخير من خلال صدقات ذوي الدخل المرتفع. فأم سعيد الأربعينية عند سؤالها عن استعداداتها لشهر رمضان ،تجيب ان خيره معه لافتة انها دوما لا تحمل هما له لان الله يفرجها من قبل ذوي الخير . ويشير خالد أبو سيدو مدير مؤسسة خيرية جنوب غزة إلى ان الغزيين يستقبلون شهر رمضان بجيوب فارغة نتيجة الحصار وحالة الانقسام التي يعانيها المواطنون ويعرب عن أمله في ان تكلل جهود الحوار في تحقيق المصالحة الوطنية لإعادة اللحمة والتوحد في توفير حاجات المواطنين الأساسية ،مطالبا الحكومة بمراقبة التجار ومنع التلاعب بالأسعار واستغلال حاجة الناس إلى المواد الغذائية في هذا الشهر .