يفترض في الصحفي أن لا يبكي عندما يغطي الأخبار، ولكنني بكيت كثيرا في الفترة الأخيرة.

فعندما ذهبت، في كانون الأول (ديسمبر)، في مهمة صحفية، لم أكن أرى، من نافذة بيتي مدينة أم درمان، على الضفة الأخرى من النهر، مقابل العاصمة الخرطوم، إلا الناس وهم يحملون جثث أهاليهم على أكتفاهم.

كاناو يبحثون عن أي مكان، في جنبات الطريق، لدفن موتاهم، لأن الذهاب إلى المقبرة فيه خطر كبيرعليهم.

وسقط الكثير من المدنيين ضحايا إطلاق النار والقصف، في حرب اندلعت منذ عام، بسبب خلاف نشب بين زعيمين عسكريين، بشأن المستقبل السياسي للبلاد. وقد استولى الزعيمان العسكريان معا على السلطة، في انقلاب عسكري في 2021.

وفقدت في الحرب العديد من الأصدقاء والمعارف.

وتحولت جلبة الحي الذي أسكن فيه، وحركة الناس الدؤوبة، إلى صمت مطبق، يخترقه أحيانا صوت طائرة تنذر بغارات جوية تستهدف المنطقة التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، فيهرب الناس من مساكنهم، خوفا على أنفسهم من الموت، بقنبلة أو صاروخ.

أتذكر يوم 15 نيسان (أبريل) من العام الماضي، كنت أريد أن أتناول إفطار رمضان مع عدد من الزملاء الصحفيين، وكنت سألتقي واحدا من أصدقاء الطفولة، لم أره منذ فترة طويلة. لم نلتق، حتى الآن، فقد غادر البلاد، وبقيت أنا هنا.

وشعرت بالقلق عندما بدأت أقرأ على مواقع التواصل الاجتماعي عن اقتراب هجمات الدعم السريع من المدينة، ثم قرأت عن اشتباكات قرب المطار الدولي، لكنني اعتقدت أن العنف سيتوقف.

ولكن عندما نشر أحد الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي خبرا عن معارك اندلعت في القصر الرئاسي، تيّقنت أنها الحرب.

وبينما قرر الكثيرون مغادرة المدينة، أصرّت عائلتي، وأنا معهم، على البقاء في بيتنا. كنا نأمل أن تنتهي الحرب قريبا، اعتقادا منّا أن المجتمع الدولي سيتدخل، لوقف هذا الجنون، ولكن يبدو أن معاناة الشعب السوداني لا تهمهم.

ولا يخاف الناس على أنفسهم من المعارك في الشوراع، فحسب، بل من السلب والنهب أيضا. فالعساكر من الجانبين يقتحمون البيوت، ويأخذون كل ما يجدونه، فلا يتركون شيئا من السيارات إلى الملاعق.

عدت إلى أم درمان، ولكنني لم أتمكن من الوصول إلى بيتي، وعلمت أنّ حتى الأبواب والنوافذ خُلعت، ولم تعد موجودة.

وباستمرار الحرب، أصبحت علامات الهزال والضعف تبدو على وجوه الناس، فالطعام قليل والمساعدات الإنسانية لا تجد طريقها إلى المدينة. والسوق الوحيد تعرّض لغارات جوية، عندما حاولت القوات الحكومية القضاء على قوات الدعم السريع فيها.

والمستشفيات المتبقية كانت تكتفي بعلاج جرحى الحرب، فالحالات المرضية الأخرى لا حظ لها في العلاج. وتوفيت جدتي، المصابة بداء السكري، لأنها لم تجد رعاية طبية، ومرضت أنا أيضا، مرضا شديدا، بسبب نقص الطعام، والعيادة الوحيدة التي كانت تعمل تبعد عن المدينة نحو 30 دقيقة مشيا.

رافقتي ابنة عمي إلى العيادة، وكنت أتوقف كل دقيقتين، لأستريح في الظل، لأنه لم تكن لدي طاقة للمشي.

ووصف لي الطبيب الوحيد أدوية لم أحصل عليها إلا بفضل أصدقاء في أوروبا.

ولكن ّالعنف الذي في أم درمان والخرطوم لا يقارن بما يحدث في إقليم دارفور، لأنّ النزاع أخذ هناك بعدا عرقيا.

جئت إلى هنا منذ 3 أشهر لأكتب عما يحدث، بعد عمليات القتل الجماعي، التي وقعت العام الماضي، في مدن مثل الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور.

المعارك الضارية دفعت بآلاف السودانيين إلى النزوح عن ديارهم
Reuters
المعارك الضارية دفعت بآلاف السودانيين إلى النزوح عن ديارهم

قالت الأمم المتحدة إنّ أكثر من 10 آلاف شخص قتلوا في المدينة، في "مجزرتين" منفصلتين.

وأخبرني الناس عن القتل والاغتصاب على أساس عرقي، ولا يزالون تحت الصدمة منذ شهور.

وكل من أسأله عن الأحداث يجهش بالبكاء، ولم أتمكن أنا أيضا من حبس دموعي، وأجد صعوبة في النوم بسبب ذلك.

وفقدت قدرتي على النوم أيضا في رحلتي إلى الفاشر، عاصمة شمال دارفور، عندما تعرضت المدينة إلى غارات جوية ليلا، هزت ما فيها وأيقظت سكانها.

حاولت أن أروي للناس قصتنا، ولكن يبدو أن العالم يدير ظهرها لنا، الاهتمام الدولي منصب حاليا على غزة، وقبلها كان التركيز كله على أوكرانيا.

أشعر بالحزن والغضب، فالمجتمع الدوليّ مطالب بالتدخل لوقف هذه الحرب، بالضغط على الطرفين، وعلى من يدعم كلاً منهما في المنطقة. من دون ضغط لا أرى الحرب منتهية.

إنّ القلب لينفطر وأنت ترى بلادك تتفتت أمام عينيك، وهناك مخاطر بأن تتفاقم الأوضاع أكثر، لأن الطرفين شرعا في تسليح الناس العاديين، والدفع بهم إلى القتال.