سلمان الدوسري

عندما تيمّم الرياض وجهتها شرقًا باتجاه موسكو لإعادة الحرارة لعلاقة شابتها فترة من البرود أو الجفاء أو الفتور، فمن الطبيعي أن يفاجئ هذا التوجه البعض، ويثير استغراب البعض الآخر، وفي نفس الوقت يجلب الحماس لبعض ثالث ينتظر مثل هذا التقارب مع دولة كبرى مثل روسيا. فلما جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي لسانت بطرسبرغ ومباحثاته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يمكن القول إن هذه الزيارة لم تكن بروتوكولية، بقدر ما هي زيارة خلصت لتأسيس مرحلة سياسية جديدة في العلاقة السعودية الروسية.


المرحلة الجديدة من العلاقات بين البلدين لن تكون متأثرة بالماضي، قدر بحثها عن اتفاق يخدم مصالح الدولتين في علاقاتهما المباشرة وضرورة عدم تأثرها بالقضايا الخلافية مهما كان التباين، فاستمرار العلاقات في مستوى مريح للجانبين سيسهم على الأقل في فهم أي اختلاف في قضايا أخرى، مع تأكيد أن إبقاء البرود في العلاقات السياسية لا يعود بالنفع على حلحلة التفاوت في الرؤى، فعلى سبيل المثال الموقفان المتضادان في سوريا لا يمنعان أن يستمر التعاون في الجوانب الأخرى، سواء الاقتصادية أو العسكرية أو حتى السياسية، وهنا يحسب لموسكو عدم كيدها، إذا صح التعبير، للرياض سياسيًا، وهذا ما وضح بشكل صريح في الموقف الروسي الإيجابي في قرار مجلس الأمن رقم 2216 بشأن اليمن، والذي أعطى دفعة سياسية إضافية للتحالف الدولي الساعي لإعادة الشرعية، ولو كانت روسيا فعلاً تناكف السعودية مثلاً لاستخدمت حق النقض (الفيتو)، وهدمت كل الجهود الدبلوماسية الهائلة التي جرت حينها لإصدار القرار.


من الطبيعي أن يكون السؤال الأكثر تداولاً مع مساعي عودة الدفء إلى العلاقات السعودية الروسية: هل التوجه السعودي هو رد على السياسات الأميركية في المنطقة؟ في ظني من يرصد ترتيب السياسة الخارجية السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز منذ توليه الحكم، يعي جيدًا الرغبة القوية في إعطاء الدبلوماسية السعودية قوة إضافية تتناسب والمتغيرات التي تجتاح العالم وليس المنطقة فحسب في هذه المرحلة، وفي الوقت الذي ترتكز فيه السياسة الخارجية السعودية على عدم ربط سياستها بعلاقات دولية أخرى، وأن الرياض من حقها أن تتطلع لعلاقات دولية متوازنة مبنية على المصالح المشتركة مع الدول الكبرى، فإن أي تقارب سعودي روسي ليس شرطًا أن يُعتقد أنه رسالة موجهة لواشنطن أو ردة فعل على سياساتها، فهذا أولاً ليس من أدوات السياسة الخارجية السعودية على مرّ تاريخها، ناهيك بأن التحالف التاريخي والاستراتيجي مع الولايات المتحدة سيبقى راسخًا وذا أهمية قصوى للرياض، ولا يمكن لها الاستغناء عنه، كما أن واشنطن نفسها تعي أن توسيع دائرة العلاقات السياسية والاقتصادية لحلفائها هو عنصر يساعد على أمن واستقرار المنطقة والعالم. الأكيد أن أي توتر للعلاقات السعودية الروسية، لو حدث، فلن يعود بالنفع على العلاقات مع الولايات المتحدة ولن تستفيد منه مطلقًا.


ما حدث هنا في روسيا، من خلال مباحثات استحوذت العلاقات الثنائية على النصيب الأكبر منها وليس القضايا الأخرى، هو أن الرياض وموسكو توصلتا لنتيجة حتمية في علاقاتهما المستقبلية، فهما تفضلان التركيز على المصالح المشتركة المتوافرة في مجالات عدة، أكثر من التركيز على الاختلاف في وجهات النظر والذي لن تستفيدا منه.