بدر الرياحي من فيينا: ثمّة أدب رفيع ينطوي، إضافة إلى كونه يمنحنا باستمرار، عند إعادة قراءته، لذة وجمالا متجدّدين، على تجارب إنسانيّة عميقة ومعارف غنيّة تستطيع إلهامنا فنّ الحياة وتحفّزنا، في أحيان كثيرة، على الظفر بقيود جمّة. وأزعم أنّ معظم ماكتبه الكاتب النّمساوي توماس برنهارد ينتمي إلى ذاك الصنّف من الأدب.
اكتشفت توماس برنهارد عن طريق صديقة نمساوية مرحة، التقيتها ذات مساء شتائيّ في مقهى برايناهوف، أحد المقاهي المفضّلة لكاتبنا الفذ، والواقع في قلب فيينا. كان حديثنا يدور حول راهن سياسة الجمهورية الثانية في بلد الألب، وتاريخها ووقائعها وواقعها الجديد الذي عرف وصول اليمين المتطرّف إلى الحكم. وكانت صديقتي تتحدّث بنبرة نقديّة مشوبة بتهكم حادّ عن مشاكل سياسة بلدها: إنّها سياسة لم تتغيّر كثيرا في جوهرها، بالرّغم من لواذها بمفردات التّسامح والديمقراطية والمواطنة وتأكيدها الدّائم على الانفتاح. لقد كانت ولاتزال سياسة نازية كاثوليكية. نعم سياسة نازيّة كاثوليكية Katholisch-nationalsozialistisch وإن بدت في الظاهر إشتراكية، تقول صديقتي. ثم تضيف:
هل تعلم أنّ عبارة quot;نازيّة كاثوليكيةquot; هي من اجتراح توماس برنهارد؟

لم أكن وقتها، أي في مطلع سنة2003، أنا الذي قد مرّت على إقامتي خمسة عشر شهرًا، قد بدأت في المطالعة بلغة غوته. لكنّي كنت أحثّ نفسي على تعلّم قواعدها وفنون سبكها. ولم تمر سنة حتى شرعت في قراءة برنهارد، وأنا مأخوذ بغرابة تلك العبارة التي ساقتها صديقتي، في ذلك اللّقاء الشتائيّ، في سياق حديثها عن سياسة بلدها.
شكّل الكتاب الأوّل الأوتوبيوغرافي (صداقة مع ابن أخي فتغنشتاين) حافزا أساسيّا على مواصلة التعرّف على عالمه الأدبي الذي سأعرف، بعد أن أتوغّل في مساراته، أنّ الكثير منه موسوم بملامح أوتوبيوغرافية جليّة. وعناصر العَقد الأوتوبيوغرافي (ذلك المفهوم الذي اجترحه النّاقد الفرنسي فيليب لوجان) الماثلة بقوّة في ثنايا النّص، وبخاصّة عنصر الإحالة المكانيّة، ستساعدني على اقتفاء خطوات الكاتب في مدينة فيينا.
أذكر أنّني ذهبت، بعد أن فرغت من قراءة الكتاب، مدعوفا بفضول عات، إلى مقهى نزل صاخرSacher الشّهير الذي يقع وراء مؤخّرة الأوبرا (والعبارة لبرنهارد)، حيث كان كاتبنا يجلس فيالصّباحات مع صديقه باول. دخلت من الباب الواقع في شارع كرتنا التّجاري باحثا عن شيء ما للكاتب، شيءٍ ما يذكّر به أو يحيل عليه، سيما وأنّ الكثير من المقاهي الفييانوية القديمة تحتفظ بالكثير من أشياء روّادها، فنانين وكتّابا وسياسيين ومشاهير آخرين.
جدران المقهى الفخم، ذي الطّراز الكلاسيكي، تزيّنها صور قديمة، أغلبها بالأبيض والأسود، لشخصيات عالمية مرّت من هنا أو مُرِّرت إلى هنا وصُوِّرت لغرض الدّعاية. لا صور لبرنهارد. لم أعثر في الصّالون على أيّ أثر له. انتبهت إلى أنّ صالون المقهى الثاني الواقع في الشارع الآخر، شارع فيلهارمونيكا، هو الصّالون الذي كان يرتاده كاتبنا. ذهبت إلى هناك ممنّيا نفسي برؤية بعض من أشياء ذكرى جلسات برنهارد الصّباحية. بحثت في الجدران والأركان وفي المداخل كلِّها فلم أعثر فيها، أيضا، على أيّة علامة للكاتب. إحساس عات، استبدّ بي، يقول لي إنّ هناك مؤامرة دُبّرت لمحو كلّ أثر له. وسأعرف لاحقا أن ذلك الإحساس لم يكن من قبيل أوهام نظريات المؤامرة. جلست في الخارج منتحيا مكانًا يطلّ مباشرة على مؤخرة الأوبرا، وأنا أستعيد مراقبات برنهارد الخفيّة الثاقبة لحركات أفواه روّاد هذا المقهى وهي تبتلع التورتة وتجترع القهوة على نحو مقزّز، بالرّغم من محاولات التأنّق لأصحابها. سألت النّادل السّتّيني (هكذا تهيّأ لي عمره) إن كان يعرف توماس برنهارد. أنا لا أعرفه شخصيّا، لكنّي أذكر أنّي خدمته مرّات كثيرة، يقول لي، وهو ينظر إليّ مبتسما بوجه متعجّب. ثمّ يضيف: كان في إحدى المرّات يقف هنا (مشيرا بيده إلى الرّصيف القريب من الطاولة) في حالة غضب شديد، وهو يصرخ سابّا أحدهم، لست أدري من هو، ويداه تخبطان في الهواء، يقول. ثميسألني:Kennen Sie Herrn Bernhardهل تعرف السّيد برنهارد؟ نعم لقد تعرّفت إليه منذ ثلاثةأسابيع فقط، أقول له. لكنّه مات منذ زمن طويل، يقول لي، ثم يمضي مهرولاً إلى أحد الزّبائن.
نعم، مات توماس برنهارد منذ أكثر من ثماني عشرة سنة، لكنّه لايزال، مثلما سأعرف وسأعيش، يثير المعارك السّاخنة والنقاشات العاصفة والضغائن والخجل أيضا.

سألت مرّة امرأة فييناوية بادرتني بالحديث، تقول إنّها تهتمّ بالأدب، عن رأيها في صاحب رواية (قطع الخشب)، فقالت لي، وقد ارتبكت وعلا فجأةً وجهها احمرار كبير، أنّها لاتحبّه ولاتتحمّله، ثمّ انسلّت هاربة كأرنب مذعور.

Dramuscules

رجل آخر مثقف، نصف كحولي، تعرّفت إليه في إحدى الجلسات الأدبية سألني هازئا، بعد أن ظلّ ينظر إلى كتاب quot;سلطة العادةquot; الذي كنت أتأبّطه، عمّا يعجبني في أدب هذا المجنون؟ (يقصد برنهارد). قلت له: إنّه يمنحني طاقة معرفية ومعنوية تجعلني قادرا على تحمّل النمسا. فردّ بعد أن بحلق فيّ بعينين مرتعشتين: إنّي أفهم.. الكثير من الأجانب يحبون برنهارد.
قصّة أخرى حدثت لي مع حماتي، لمّا كنت، أنا وزوجتي وأختها وبعض الأصدقاء، نتناقش حول الأدب النّمساوي الضّال، وكانت يليناك، وقتها، قد حصلت للتو على جائزة نوبل للآداب. : برنهارد ويليناك لايكتبان إلاّ ليمرّغا النّمسا في القاذورات، تقول حماتي دون أن تستطيع إخفاء خيبتها من حصول يلينيك على الجائزة. قلتُ لها إنّ القدرة على التمريغ صفة لايملكها إلاّ الكتاب الكبار، فانفجرت غاضبة وهي تسألني: هل تقبل أن يمرّغ أحد بلدك في القاذورات؟ بالتأكيد! يعني إذا كان الأمر يتّصل بالفن، فأنا لا أمانع ولا أملك أيّة حساسية إزاء ذلك. ربما في التمريغ تُعاد أشياء كثيرة إلى حقيقتها، أقول لها، تمّ أتابعُ: للمناسبة، إنّ قاذورتٍ عديدة تُخفى وفي أحيان كثيرة تُطلى بمساحيق قبيحة، ثمّ نُمنع وبأساليب شتّى من التحدّث عن أصلها وعن حقيقة ماتخفيه، حتّى أنّ الكثير منّا يتحوّل مع الوقت إلى جزء منها.
غير أنّها تواصل لعاناتها وسبابها لبرنهارد ويلينيك، إلى أن قرّرت الانسحاب. وقد ظلت علاقتي مع حماتي، بعد تلك الجلسة الصّاخبة، مشوبة لأشهر بالارتياب وعدم الثقة وربّما الضغينة، إلى أن رطّبنا العلاقة واتفقنا على عدم الخوض مجدّدا في مواضيع خلافيةّ وحسّاسة وخاصّة في برنهارد ويلينيك وهندكه.
تنبع، في رأيي، ريبة وكراهية العديد من النمساويين لتوماس برنهارد، وخاصّة اليمينيين والمحافظين والقرّاء البسطاء، من كون الرّجل قد ذهب بعيدا، وعلى نحو جذريّ وصادم، كما لم يفعل أيّ كاتب نمساويّ من قبله، في تعرية مساوىء مجتمعه، وفي إدانة تاريخه وحاضره وتناقضاته، وفي كشف قبح سلطاته (العائلة، الدولة، الكنيسة، الطبّ النّفسي، الجامعة، مؤسسات الثقافة الرّسمية والإعلام...إلخ).
وبرنهارد يردد كثيرا، وفي نصوص عديدة، فكرة مفادها أنّ المجمتع النمساوي وإن تخطّى زمنيّا فترة النّازية، لم يتغلّب بعد على ذهنيتها الثقافية والسياسية، التي لاتزال حاضرة متمكّنة فيه.
فالإشكال/ المأساة، كما نفهم في نصّ مسرحية ساحة الأبطال Heldenplazعلى سبيل المثال لا الحصر، هو ليس أنّ النّمسا، ثقافةً، اجتماعاً وسياسة، لم تبرأ بعد من مرض النّازية بل إنّها لاتريد أن تبرأ. فكأنّ موت البطل/ اليهودي النمساوي البروفيسور يوسف شستر مُنتحرا بسبب إحباطه الكبير من الأجواء النازية التي لقيها في مدينة فيينا، مدينته الميلادية التي عاد إليها في الثمانينات بعد أن هرب منها أثناء الحكم النّازي إلى أكسفورد، هو دلالة على قدر محتوم مع مدينة تتربّص به أبدا، مدينةٍ رفضته وتصرّ على إفنائه.

وتُعدّ المسرحيّة، التي قُدّمت أوّل مرة سنة 1988 في بورغتياتر Burgtheater احتفالا بمرور مئة عام على تأسيسه، من أشهر آثار برنهارد وأكثرها صداميّة، فأصداء ضجّتها تجاوزت حدود النمسا، بعد أن أضحت في الداخل، ولسنوات، quot;فضيحةً كبرىquot; أرّقت كثيرا برنهارد، إذ وصل الأمر إلى حدّ البصاق عليه في الشارع، وتهديده كما فعل السياسي اليميني يورغ هايدر بالعقاب بعد أن اُعتبر خائنا للبلاد. وقد عدّها رئيس النمسا آنذلك كورت فالدهايم quot;إهانة كبيرة للشعب النّمساويquot;. وقال عنها مخرجها الألماني كلاوس بايمان في برنامج تلفزيزني إنّها مسرحية صادمة جعلت البلد كلّه يحبس أنفاسه. وتجدر الإشارة إلى أن عنوان المسرحية ( ساحة الأبطال) هو إسم السّاحة الفيانويّة الشّهيرة التي أعلن فيها هتلر في تجمّع شعبي هائل في الخامس عشر من مارس 1938 ضمّ النمسا إلى ألمانيا. وأحداثها تدور أيضا في المكان نفسه.
واللافت أن المسرحيّة، التي أحدثت عاصفة كبيرة، من الرّفض والإدانة والسّخط، لم يسبق لها مثيل في تاريخ النمسا، قد كُتبت بلغة شعرية متقنة وشفيفة، وشديدة الصّفاء أيضا. وقد اعتمد فيها برنهارد أسلوبه الشعريّ الموسيقيّ المعروف، الماثل في نصوصه الأخرى، والذي صار خصيصة أسلوبيّةبرنهارديّة تقوم على التّكرار الفنّي Wiederholungskunstوجمالية الإلحاح والمبالغة.

وتوماس برنهارد انصرف منذ بداية مسيرته الأدبية إلى النّبش في الزّوايا المعتمة لتاريخه الذّاتي وتاريخ مدينته وبلاده، مساءلةً وتفكيكا فنيّا، لذلك تطالعنا العديد من أعماله السّردية والمسرحيّة نصوصًا طافحة بصور الذّات والتاريخ والخيال أيضًا، نصوصًا تنفتح، أيضا، في احتفاءها بالمحليّ على أسئلة الكونيّ والإنسانيّ.
في رواية (السّبب) Die Ursache يطرق برنهارد ظاهرة الإنتحار في مدينة سالسبورغ عبر سردأحداث صباه الأليمة أثناء الحرب العالمية الثانية، التي كان شاهدا على دمارها وهولها الكبيرين. ويقدّم لنا، بأسلوب يجمع بين السّرد والتّحقيق والتصوير، قصّة الانهيار الدرامي للمدينة والإنسان، وكيف أثّر كل ذلك في مجرى حياة النّاس التي استحالت جحيما حقيقيا، وفي سياسة الدولة التي أُرغمت على إزالة الصّليب المعقوف، شعار النازيّة، فعلّقت صليب الكنيسة الكاثوليكية المتزمّتة. يذهب الكاتب إلى أنّ الانتحار ظاهرة تخلقها وحشيّة المجتمع وأنانيّته، وتفاقمها علاقة أفراده المهزوزة واللإنسانية. ويرى أنّ ذلك المجتمع يعمل، بوعي ودونه، وخاصّة في المدرسة والعائلة، على تحطيم الطفل وسحقه، وذلك بزرع ماكينة لليأس Verzweiflungsmaschine في داخله، ثمّ صيانتها إلى أن يستحيل ذلك الطفل إلى ركام.

يطرح كاتبنا في رواية (محو) Auslouml;schungأسئلة جوهرية، عبر سرد استرجاعي مونولوجيتتعلّق بالأصل والإنتماء وإشكالية الهويّة الفردية وعلاقتها بالتقاليد العائلية المحافظة. وتطالعنا أحداث النصّ موزّعة بين روما ومنطقة النمسا العليا، أين ولد السّارد وكبر. ذلك السّارد الذي سيتّخذ من عمّه مثالاً في التمرّد على سلطة العائلة وفي التحرّر من ربقتها، ثمّ تاليا من عبء الإنتماء إلى النّمسا، تاريخا وثقافة. وتكمن أهمية هذه الرواية، بالرّغم من منحاها المونولوجي quot;العلاجيquot; الذي طغى على الجانب الجماليّ، في أنّها تتجاوز دلالات مباشرة تتبدّى متّصلةًً بالتّمرد على ثقافة العائلة والوطن إلى تدلالات (signifiances) فلسفية يمكن قراءتُها في طبقات النّصّ العميقة، تتعلّق بتوق الكائن
الحارق إلى خلق هويّته بنفسه ولنفسه على أنقاض منظومة الجاهز والمسبقات والثوابت.

وتجدر الإشارة في هذا السّياق إلى أنّ برنهارد قد اتّخذ مسافة واعية ومستفزّة أحيانا من عدّة مفاهيم وقيم وممارسات كانت سائدة، ولاتزال، في النمسا. وخاض تجربة حياة فردية مستقلة عن أطر السلطة، فقد كان يرفض، مثلا، الترشّح للجوائز الرسمية التي تديرها الدولة النّمساوية. وحينما رُشّح سنة 1972 لجائزة غريلبارتزر Grillparzer وأثناء إلقائه لكلمة الجائزة هاجم وزيرالثقافة الذي كان حاضرا،فقُطع الحفل وغادر الوزير غاضبًا. وبدأ التوتّر يتصاعد في علاقته بالدولة النمساوية منذ حجز روايته سنة1984، التي قدّم فيها، بأسلوب ساخر وممتع زيف مشهد ذائعة الصّيت (قطع الخشب) Holzfauml;llen
الفنّ في فيينا ومآزق قيم الفنّانين وانحطاط علاقاتهم، مستوحيا ذلك من تجارب شخصيّة عاشها مع موسيقيين وكتّاب. وبلغ التوتّر ذروته بعد عرض مسرحيته ساحة الأبطال سنة1988 التي أثارت، كما أسلفنا، ردود أفعال تأثيميّة وحملات عنيفة قادتها صحف محافظة ووجوه سياسية يمينية جعلت برنهارد يقرّر مقاطعة الدولة، وقد أكّد ذلك رسميا في وصيّته الشّهيرة التي أعلن فيها تفصّيه الكامل من الدولة النّمساوية ومنع كلّ عمل ثقافي يخصّه داخلها، في حياته وبعد موته.

وبرنهارد وإن انطوت بعض من نصوصه على حسّ سوداوي بالعالم، ليس كاتبا عدميّا، مثلما استقبله البعض، وأدبه لا يقدّم رؤية تشاؤمية مطلقة كما يبدو منذ الإنطباع الأوّل. إنّه كاتب يقلّب في رماد الحياة، حياتِه الصّعبة المستحيلة، عن ضوء ومعنى وألق. وحتى في الروايات التي تتبدّى فيها حيوات الشخوص مساراتٍ أليمة ذات نهايات درامية، فإنّنا نستطيع، عبرالتّأويل، أن نلتقط فيها الكثير من ضوء الأمل الرّهيف. فالمأساة ليس فيما يؤول إليه الإنسان، وإنما فيما يعجز الإنسان عن تعلمه من تلك المآلات. هكذا يمكن فهم العديد من تدلالات نصوصه المشبعة بروائح الحزن الإنساني والموت والانتحار.
وبرنهارد عرف في بلاده القمعَ، ولايزال. فبالرّغم من شهرته العالمية الواسعة، فإنّ تعتيما نمساويا رسميّا غير مرئيّ عليه وعلى إبداعه مايزال قائما، وفي أحيان كثيرة بطرق مواربة مريبة. فبرامج الثقافة التي تقدمها القناة الرسمية، مثلا، تخلو تقريبا من كل إشارة إليه. وماعدا بعض الصحف اليساريّة القليلة التي تحتفي بنصوصه أو بذكراه السنوية، فإنّ انطباعا يحصل لدى المرء عند متابعة وسائل الإعلام النمساوية بأنّ برنهارد ليس نمساويا.

حينما ذهبت أوّل مرّة إلى زيارة قبره في مقبرة غرينزنغ الواقعة في الدائرة التّاسعة عشرة بفيينا، كان المطر يهطل بغزارة، وكنت متشوّقا إلى رؤية قبره. غير أنّي وصلت متأخّرًا بعشر دقائق، وكان الباب مغلقا. فكّرت في تسوّر الجدار، لكنّه كان جد عال. بدا متسامقا وعنيدًا كبرنهارد، فعدت أدراجي خائبا. في اليوم التّالي عدت إلى المقبرة. وبالرّغم من صغرها، فقد ظللت أبحث عن قبره طوال أربعين دقيقة دون أن أجده. سألت عنه عجوزا مسنّة، أظنها تجاوزت قرنا من الزمن، اعترضتني في أحد الممرّات حاملة باقة من زهور الزّنبق، فقالت لي وهي تشير بإبهامها: إنّه هناك، هناك على اليسار تحت تلك الشّجرة، شجرةِ عمره. مضيت إلى النّاحية التي أشارت إليها فوجدت أشجارا كثيرة، ولم أعثر على قبره. ظللت أدور وألفّ في تلك النّاحية إلى أن التقيت رجلا دلّني عليه بسرعة. وقد كان قبره يقع ورائي على مسافة بضعة أمتار. قبر جدّ بسيط يتقاسمه مع صديقة عمره هدفيغ ستافينتشاك، تغطيه أعشاب خضراء، ذو رخامة سوداء فاتحة صغيرة، لاتكاد تنتبه لها العين، كتب عليها:Thomas Bernhard

مات توماس برنهارد في فصل الشتاء، مثلما تنبّأ بذلك في أكثر من قصيدة (وبرنهارد بدأ شاعرا وله مجموعة شعرية نشرها كاملة في الثمانينات). عدت من المقبرة وأنا أهجس: إذا كان برنهارد في عقدي السبعينات والثمانينات يلحّ دائما على وصف الحكومة الإشتراكية النمساوية آنذاك بالنازية، فما عساه، لو كان حيّا، يقول حول الإئتلاف الحكومي الآنيّ الذي يضم اليمين المتطرف؟لعلّه الآن في هدأة قبره، لم يعد أيضا يستطيع فهم لغة بلاده.كتبَ في قصيدة قصيرة (الآن في الرّبيع) نشرها في الستينات.

الآن في الرّبيع
لم أعد أستطيع فهم لغة الحقول
والموتى ينظرون إليّ
بعيون كبيرة
والقمح يرغو
والنّهر يحدّثني عن السّماء
حيث يضحك الأطفال،
هنا بلدي أغرب عنّي
من كلّ بلدان الأرض.

[email protected]