الحلقة الرابعة من خبز المدينة
احمد ابراهيم الفقيه
GMT 12:00:00 2006 الأربعاء 8 مارس
الحلقة الأولى / الثانية / الثالثة /
حورية ليست مجرد دمية جميلة. انها امرأة لها حضور قوي ولها رأي ووجهة نظر. انها تحاول ان ترتفع بموقعها المتدني الى مرتبة اكبر. كانها تقول بانها ليست مجرد بضاعة رخيصة للبيع والشراء، وانها هنا في هذا البيت، ورفقة هذا الرجل، لانها تحبه.
وبحذر شديد حاولت وان تعود الى المعسكر ان تتسلل الى نادي الضباط، وان تعرف المزيد عن هذه المرأة ذات الشخصية الآسرة. اذ لايمكن ان يكون المارشال قد التقطها من حي البغايا، كما لا يمكن لاية اسرة، تنتمي لبيئة ليبية محافظة، ان تسمح لبنت من بناتها ان تنمو وتصير لها هذه الشخصية وهذاالكيان، حتى لو اجبرتها الظروف فيما بعد على الانحراف.
وقصة حورية كما عرفتها من خدم النادي بدأت منذ تسع سنوات، عندما ارسل الوالي دي بونو، جرافاته العملاقة تداهم مجموعة الاكواخ والزرائب الموجودة في شارع ماكينة بقلب طرابلس لتفسح مكانا لبناء اكبر كاتدرائية في البلاد، وكانت حورية وامها تسكنان كوخا من هذه الاكواخ، ورأفة بحالهما امر الوالي باحالتهما الى مقر سكن الممرضات بمستشفى كانيفا، حيث اشتغلت الام باعمال التنظيف، بينما انخرطت ابنتها في التدريب على اعمال التمريض مع السوريلات الايطاليات، وحدث في بداية عهد بالبو منذ عام ونصف مضى، ان دخل المستشفي للعلاج من جروح وكدمات حدثت له اثر هبوط اضطراري بطائرته في الارياف، والتقى اثناء اقامته في المستشفى بحورية التي كانت ضمن طاقم التمريض الخاص به، وقد نضجت انوثتها، واظهرت الاقامة المريحة في المستشفى ما اخفاه الفقر من مؤهلات الفتنة والجمال لديها، فاعجب بها، ولم يخرج من المستشفى الا وهي برفقته، حيث خصص لها منزلا قريبا من قصر الولاية، ورغم وجود زوجة له مقيمة في ايطاليا و تزوره كل فترة واخرى في طرابلس، وعشيقات كثيرات يزرنه من خارج البلاد، واخريات مقيمات في طرابلس، فان صديقته الدائمة، الثابتة التي تظهر معه في حفلات الرقص بالاندية الايطالية، والمناسبات العامة، هي حورية. ولكن لماذا، تقول بينك وبين نفسك، هذا الاهتمام بامراة لا تربطك بها اية رابطة، ولا مجال لاية علاقة، من أي نوع، يمكن ان تنشأ بينك وبينها؟ وما اهمية ان تعرف او لا تعرف قصة حياة امرأة قد لا تلتقي بها بعد اليوم ابدا؟ انك تحبها وتكرهها، تعجب بها وتحتقرها، فما فائدة ان تعيش مثل هذا الصراع، الذي لا طائل منه ولا جدوى، من اجلها؟ انك لا تستطيع فعلا ان تجد دافعا وضحا لهذا الاهتمام بها، فلعلك وقد فقدت ثريا، ولا تعرف في هذه المدينة امرأة غير حورية تتجه اليها بعواطفك المشنوقة. اردت من حيث لا تدري، ان تشغل نفسك بامرأة بعيدة المنال، لا يشكل التفكير فيها عبئا كبيرا على وجدانك، لانك حتى لو تعلقت بها، فلن يختلف ذلك عن تعلق متفرج السينما بصورة الممثلة التي يرى خيالها على الشاشة، اوصورتها على لوحة الاعلانات، ولعل التفكير في امرأة مثل حورية، يعينك، الى حد ما، على ان تنسى ثريا، او على الاقل تنقل الانشغال بها الى الانشغال بمنطق جذب انثوي اخرى، فلا تتعذب بالتفكير فيها واستحضا صورتها واستبقاءها تضغط على عقلك ووجدانك وانت على اعتاب مرحلة جديدة في حياتك، وسفر طويل لا تدري ان كنت ستعود منه او لا تعود ابدا. ولكن المناسبة، فرضت نفسها، وجاءت تدعوك بالحاح الى ان تذهب لرؤية ثريا. كنت قد نسيت خلال انشغالك بالمهمات الجديدة التي اسندت اليك مسألة البحث عن زوجها فتحي. وعما اذا كان واحدا من افراد المعسكر الذي يضمك ام لا، بل انت مازلت غير واثق من انك تستطيع حقا تمييزه لو رأيته يقف امامك، اذ لم يبق في الذاكرة من ذلك اللقاء العابر، الا ملامح باهتة لا تكاد تبين. والذي حدث، ان سلطات المعسكر، وقد تحدد نهائيا يوم السفر، وتحت الحاح المجندين الذين كتبوا عرائض الاسترحام يرجون تمكينهم من رؤية اهلهم قبل الذهاب الى الحرب، قد استجابت بشكل ماكر الى هذا الرجاء، وقررت بدل ان تسمح بخروج المجندين وذهابهم الى اهلهم، ان تسمح لعائلات هؤلاء المجندين بالمجي ء الى المعسكر لرؤية ابناءها، وبهذه الطريقة تضمن وجود المجندين تحت ايديها حتي يتم تسليمهم الى وحداتهم في الحبشة، فهي تعرف كراهية الليبيين لهذه الحرب ولا تأمن بعد خروج هؤلاء المجندين عودة أي واحد منهم الى المعسكر، مهما كانت العقوبات التي تهدد بها الهاربين، لان لهم كلهم اهل في هذه الصحارى التي يصعب فيها العثور على كل من يلجأ اليها. ودون صدور اعلان رسمي من آمر المعسكر، صار يتم اعلام المجندين بشكل شخصي، لكي لا يتكدس سكان المدينة كلهم في يوم واحد امام المعسكر. ورغم ذلك فقد بدأ الناس يتوافدون ويخلقون زحاما امام البوابة الرئيسة للمعسكر، ورأيتها انت مناسبة، ان تسدي هذا المعروف لثريا واسرتها، وان تبلغهم الخبر ليسرعوا بزيارة فتحي قبل ان يقرر الايطاليون قفل هذا الباب. وما ان حانت فرصة الخروج من المعسكر، حتى ذهبت الىالمدينة القديمة، والى زنقة بنت البي، تطرق باب ثريا التي جاءت بنفسها هذه المرة تفتح الباب.
لم تبد هذه المرة تحفظا كالذي ابدته في المرة السابقة ولم تر منها اصرارا على الاختباء خلف الباب او اخفاء وجهها عنك، بادرتك بالتحية وهي تذكر اسمك وتدعوك للدخول كأنك واحد من افراد الاسرة، وقبل ان تعرف سبب هذه الدعوة الغريبة للدخول، ابلغتك ان والدها الحاج المهدي موجود بالداخل. ادركت على الفور ان الرجل يعاني من وعكة صحية، والا ما كان ليبقى بعيدا عن دكانته في مثل هذه الساعة من ساعات الصباح. سألتها ان كان بخير وعافية، فلم تزد على ان قالت:
- الحمد لله، تفضل.
وسارت امامك تقودك الى غرفة والدها وتختفي. هل سينتهي لقاؤك بها عند هذا الحد؟ هل هذه الكلمات القليلة التي قالتها لك كل ما ستعود به من حصاد هذه الزيارة؟ كان الحاج مهدي النعال بمفرده في الغرفة التي تغطي الحصران كامل ارضيتها وتمدد هو فوق مرتبة قرب الجدار، وقد علقت فوق رأسه اطبقا مزخرفة ومزاود وفي الجدار المقابل اكثر من رف به بعض السلال الصغيرة الممصنوعة من سعف ملون، وبجواره قلة الماء وفي مكان ليس ببعيد عنه خابية زيت كبيرة، وهناك ستارة تخفي جزءا من الغرفة حيث سدة النوم. تحامل الرجل على نفسه وقام من رقاده حتى استطاع ان يجلس مستندا الى الحائط، ودعاك بصوت واهن للجلوس بجواره فوق الوسادة التي وضعها على الحصير. كان شديد الانهاك، ذابل الوجه، يبدو وكان عشرة اعوام اضافها الوهن الى عمره منذ آخر مرة رأيته فيها. وردا على لهفة استفسارك عن حالته وطبيعة المرض الذي اقعده عن الخروج الى الدكانة، قال لك:
-ـ وهل هناك مرض غير هؤلاء الطليان؟
-ـ وما الذي يريده الطليان من رجل مثلك؟
-ـ وهل يتركون احدا في حاله كبيرا او صغيرا؟
وصمت الشيخ وهنا واعياء، فشجعته على الافصاح عما حدث، قائلا:
-ـ هل حدث شيء للدكان؟
-ـ ليس الدكان ولكنها ارضي بتاجوراء.
- تلك التي تزرعها في موسم البطيخ، بعد ان يسيل الوادي.
- اصبحت تلك الارض، والحقول والمراعي التي تجاورها، ملكا للمستوطنين الجدد، احاطوها بالاسلاك ووضعوا عليها الحراس.
- ولكن هذا ظلم.
-ـ اخذوها بحجة اننا لا نقوم بزراعتها طول العام، وقالوا سندفع تعويضا وكله كذب وضحك على الناس. والله لو كنت اقوى على حربهم، لحاربتهم بمفردي، ولكن للعمر احكامه.
- هل رآك الطبيب.
- سقتني خالتك الحاجة شرابا من مخلوط الاعشاب، فيه الخيروالبركة.
-ـ استطيع ان اذهب الان لاحضار ممرض عربي اعرفه.
-ـ لا تتعب نفسك. فلا اشكو من أي مرض غير هذا الضيق الذي لا علاج له لدى الحكما ء، و لا احتاج لغير الراحة بضعة ايام حتى اتجاوز المحنة.
ومرت لحظة قبل ان يقول بصوت واهن ولهجة يملأها الأسى والقنوط:
- هذه الارض هي كل ما ا ذخرته لغدر الزمان.
انتهت كلمات المواساة واخبرته وعينك على الوقت، كيف ان السفر الى بلاد الاحباش بات وشيكا، وكيف ان قيادة المعسكر سمحت لعائلات المجندين بزيارتهم داخل المعسكر، وان بامكانهم زيارة صهرهم فتحي اذا ارادوا. ابتهج الشيخ المريض للخبر، فسيتيح له ذلك اخبار معرفة الصهر الغائب منذ اكثرمن ستة اشهر دون ان يتلقوا اية معلومات عنه. دعا الحاج ابنته وزوجته للتشاور معهما في كيفية ترتيب الزيارة، واتفقوا على الذهاب اليه في زيارة اولى غدا، والبحث عمن ينقل رسالة لاهله بتاجوراء، ليرافقوهم في زيارة ثانية اليه.
- ليتني استطيع الذهاب ولكن امر الله حال دون ذلك، والاعتماد عليك ياعثمان في مصاحبة العائلة الى المعسكر.
لم يكن صعبا ان تتدبر في اليوم التالي وقتا، وان تكتري من موقف العربات المرتصة امام السرايا، عربة حنطور، تدخل بها حتى باب بيت الحاج في زنقة بنت البي. وجدت ثريا ترتدي لحافا ابيض فوق ردائها المزركش، وبصحبتها اخيها الصبي في بذلته العربية، بينما تخلفت الام لانها لم تشأ ان تترك الشيخ المريض بمفرده في البيت.
راودتك افكار كثيرة وانت تجد نفسك جالسا بجوارها داخل العربة، وقد ادار مندوب العائلة التي يرافقها، ظهره لكما، جالسا بجورا الحوذي، وثريا متلفعة بردائها الابيض تنظر صامتة الى الطريق.
كان يجب ان تكون هذه المرأة لك، لانك عرفتها واحببتها قبل ان يأتي الرجل الاخر ويخطفها منك، ولذلك فانت لا ترى حرجا من السعي لاسترداد حق ضائع، حتى لو تجرأت في هذه اللحظة، وانتهزت فرصة المرور عبر زقاق معتم فارغ وعانقتها، واطبقت بفمك على فمها، فلن يكون ذلك خيانة لامانة اؤتمنت عليها، اوطعنة في شرف رفيق سلاح هو زوجها، وانما استرداد لحق اخذوه منك عسفا واغتصابا. انك لن تفعل ذلك، لانك لا تريد ان ترعبها، او تفعل معها شيئا ضد ارادتها، ولكنك لن تدع هذه الفرصة دون ان تفصح لها عما في قلبك، وترمي لها بكل الاسئلة التي ما تزال تحرق صدرك، لماذا تركتك، وتخلت عنك وهي تعرف على وجه اليقين انك تحبها؟ نعم، لقد اوضحت حبك لها، منذ ان شعرت بهذا الحب يخترق صدرك كسهم من نار، واشعرتك هي ايضا بانها تبادلك حبا بحب، فل كانت حقا تحبك؟ هل اخطأت في فهم اشاراتها، وقرأت ما قالته لك قراءة خاطئة، جعلتك تصتنع بانها تبادلك حبا بحب في حين انها ليست كذلك ولم يكن حبك لها الا حبا من طرف واحد.
سألتها هامسا بانك ترغب بتوجيه سؤال خاص اليها لوسمحت بذلك، وقبل ان تعرف اجابتها، قلت لها، وانت تضع فمك قريبا من اذنها، انك كنت دائما تحمل لها عاطفة متأججة لا تنطفي، وتفسح لها مكانا خاصا في قلبك منذ ان رأيتها لاول مرة، ولم يزد على ان قالت بانها تعتبرك الان شقيقا ثانيا لها. ليس هذا ما تريد ان تسمعه، ولذلك وصلت حديثك معها، الذي تحول الى مناجاة فردية، لانها لم تنبس بحرف واحد ردا عليك او تعليقا على ما تقول.
-ـ كان هناك امل واحد تمحورت عليه حياتي منذ ان عرفتك، هو ان افوز بك زوجة لي، هل تعرفين ذلك؟
-ـ …………………………………..
-ـ كنت على يقين من انك تبادلينني عاطفة بعاطفة، وحبا بحب، فهل تراني كنت واهما؟
-ـ ………………………………..
-ـ قد لا تعلمين انك انت من دفع بي الى الجندية.
-ـ ……………………………….
-ـ كنت قد هربت عند القبض على واقتيادي للعسكرية، ولم يكن بامكانهم الاهتداء الي، ولكنني وجدت ان حياتي لم يعد لها معنى بعد زواجك.
-ـ ……………………………..
-ـ فكرت في الانتحار، لكنني خفت من عقاب الله الذي اعتبر الانتحار شركا به، ووجدت ان البديل الوحيد للانتحار، هو ان القي بنفسي في معسكرات الطليان لاموت في حروبهم.
-ـ ……………………………..
-ـ هل عرفت الان، الى أي مدى كان حبي لك جارفا قويا، وكيف كانت الصدمة قاتلة؟
-ـ …………………………..
-ـ انني هنا لا الومك، او اطلب منك اعتذارا او تفسيرا لزواجك، لانني اعرف ما يحدث في مثل هذه المناسبات. انني فقط احاول ان اقدم تفسيرا لموقفي، ولماذا ما زلت احبك حتى وانت على ذمة رجل آخر.
-ـ كل ما استطيع ان اقوله لك هو انني ساحارب هذا الهوى الذي يسكن روحي ووجداني باقصى ما استطيع من قوة عارفا انه سيهزمني ولن اهزمه.
وصلتم الى المعسكر، حيث كان الحراس الايطاليون يحاولون بجهد فائق تحويل الفوضى التي يصنعها الزائرون الى نظام، واعطاء ارقام للناس وفقا لاسبقية القدوم، والسماح بدخول الناس على دفعات صغيرة الى صالة الاستقبال، خمس واو ست عائلات في المرة الواحدة. تركت ثريا واخيها ينتظرانك ودخلت الى المعسكر للبحث عن وسيلة تنجيهما من عنث الانتظار الطويل في الشمس. لم تجد استجابة لدى الضابط الايطال المشرف على الزيارات لما اعتبره اختراقا للنظام، ولم يكن امامك سوى الحيلة، فاستنجدت باسم السنيورة حورية ورميت به في اذن الضابط، ظهرت على وجهه علامات الاهتمام والانتباه، فابلغته بان لديها قريبة تريد ان ترى زوجها. نجح الخداع وفتحت الكلمة السحرية باب المعسكر، فدخلت ثريا صحبة اخيها الى صالة الاستقبال، واجتهد مساعد الضابط في البحث عن اسم فتحي بين القائم حتى استطاع العثور عليه وتحديد فرقته وعنبره ورقمه، وكتب ورقة بهذه المعلومات ارسل بها جنديا الى الداخل.
وفي القاعة المخصصة للقاء المجندين باهلهم، كان المشهد عامرا باقوى الانفعالات والمشاعر، حيث يعقب اللقاء الحار الذي لا يدوم سوى بضع دقائق انفصال مؤلم موجع، وحيث تواجه العائلة حقيقة انه آخر لقاء مع هذا الابن الذي سيغادر البلاد الى حرب في بلاد بعيدة قد لا يعود منها ابدا. وكان اكثر هذه المشاهد ايلاما، الام التي ارتمت فوق صدر ابنها تعانقه وتبكي، وترفض ان تتركه عندما حان موعد انصرافها، مما اضطر جنود الحراسة الى انتزاعها القوة من حضن ابنها.
سألتك ثريا انتاء انتظار المقابلة كيف فاتك ان ترى فتحي وانتما تعيشان معا في معسكرواحد. اسعدك ان صوتها جاء صافيا نقيا بلا اية تلوينات توحي بغضبها منك نتيجة ما قلته له من كلام اثناء الرحلة الى المعسكر. اذن فهي لا تستنكر ما بحت لها به من اعترافات، بل لعلها، دون ان تفصح عن ذلك، ما زالت تحتفظ لك بعاطفة كالتي تحملها لها. نظرت في عينيها تبحث فيهما عن تأكيد لهذه الظنون، فلم تجد فيهما الا مايوحي بجمال الكون وبهاء الحقول. انك واثق الان من العاطفة التي شحنت قلبك بالاحلام الكبيرة، لم تولد من فراغ، وانما من عاطفة جياشة، حملتها لك هذه الانثى الشهية، الصغيرة، الجميلة، قبل ان تأتي الاعراف والتقاليد والصدف العمياء تختار لها زوجا غير الرجل الذي احبته، ويفرض عليها هذا الزواج ولاء والتزاما مناقضا لما يريده قلبها. هذا هو كل ما يهمك من حديثها الان، اما ان تعرف فتحي او لا تعرفه، فهو امر غير ذي بال، بل ليته كان حقا يعيش في معسكر آخر، اذن لاراحك من عناء رؤيته وايقاظ مش--ـاعر الحسد والغيرة التي تحملها له.
وجاء فتحي ليقف قريبا من مدخل الصالة، يبحث بعينيه عن زوجته وسط الزحام. لم يكن بامكانك ان تعرف انه هو يقينا، الا بعد ان رأيت ثريا تناديه وتتقدم خطوات باتجاهه. فانتحيت انت جانبا لتترك لهما فرصة الحديث بحرية، بل وجدت من الانسب ان تداري نفسك عن انظاره حتى تنتهي الزيارة، دون حاجة لان يعرف انك احضرت ثريا وشقيقها الى هنا، او يعلم بالعلاقة التي تربطك بعائلتها، وهذا ما سألت ثريا ايضا الا تقوله له، لانك لا تريد ان تتورط في اية علاقة معه، وطالما انه لا يعرفك، فليبق الامر على هذا الحال، لانه انفع لراحتك وهناء بالك. وقفت بعيدا تراقبه وهو يأتي مهرولا يضع يديه الاثنتين في يدي ثريا، ثم ينتبه الى وجود الصغير فيأخذه الى حضنه ويقبل جبينه، يضيء وجهه الابتسام، يبدو متميزا بين بقيةالمجندين الموجودين بنقاء بشرته وبياض اسنانه، وما يفيض به حضوره من حيوية ونشاط، فرحا بلقاء زوجته التي لم ينعم بالحياة معها سوى بضعة اسابيع. لم تكن ابدا تتصور انه على هذه الوسامة وهذا الالق الذي يشع من وجهه، وكأنه لم يعش تسعة اشهر تحت سياط وذل الاعتقال. لم تكن قد انتبهت الى وجوده بالمعسكر، ولو رأيته لما استطعت ان تعرفه، فقد غابت ذكرى اللقاء العابر به عندما رأيته ذات مرة في عتمة الدكان.
رأيت كيف ان ثريا، وفور انتهاء لقائها مع زوجها، انهمرت في بكاء طويل استمر معها حتى بعد مغادرة المعسكر. سألتها بعد ان توقفت عن البكاء، وانتما تجلسان في عربة الحنطور، عن الدافع وراء هذا البكاء الحارق الفاجع، وعما اذا كان بسبب رحيل فتحي الى الحبشة؟ انها تعرف ذلك منذ اليوم الاول الذي اخذوه فيه الى معسكر ابي مليانة؟ فما الجديد الذي استوجب هذا الشعور الفادح بالصدمة؟ اجابت وهي لا تزال تجفف عبراتها:
-ـ وهل هناك امرأة في الدنيا جديرة بالبكاء اكثر مني؟ انني ابكي الاب المريض والزوج الذاهب للحرب وكل هذا الحظ العاثر..
وتوقفت قليلا قبل ان تقول:
-ـ سمعتك تتكلم عن زواجنا الذي لم يحدث. هبه حدث. فما فائدة ذلك طالما انك ذاهب الى الحرب. انظر الى حالي الان، وزوجي الذي لا ادري ان كنت ساراه مرة أخرى او لا اراه. وتسألني بعد ذلك لماذا ابكي؟
عادت ثريا الى البكاء، وعدت انت الى الصمت.
ذهبت فور عودتك الى المعسكر للقاء صاحبك سالم، فوجدته يجلس بمفرده متكئا الى جذع شجرة سرو، واثار الدموع تبلل عينيه. سألته عما اذا كان احد المجندين او المشرفين اساء اليه، فهز رأسه بالنفي، وظل صامتا. واصلت الحاحك لتعرف ما الذي احال طبيعته الساخر، التي تميل الى المرح والدعابة، الى هذا البكاء، فتردد كثيرا قبل ان يعترف بضعفه، وشعور الاسى الذي انتباه وهو يرى المجندين من اهل المدينة والارياف القريبة يقابلون اهلهم ويودعونهم، في حين سيذهب هو الى حرب في بر الاحباش، قد لا يعود منها، دون ان يمنح فرصة ان يرى اهله كغيره من المجندين.
-ـ اليس هذا ظلما. الا يكفي ظلم التجنيد والاعتقال، ليضاف اليه ظلم حرماننا من ان نرى اهلنا قبل ان نذهب الى الموت.
-ـ لا تقل الموت يا اخي. فلماذا هذا الفأل القبيح.
تنبهت الى ان حاله وحالك يتشابهان، وانك ايضا لن تستطيع ان ترى احدا من اسرتك قبل الذهاب الى الحرب، غير انك لم تكن تولي الموضع الاهمية التي يوليها له سالم، والا لكنت فعلت شيئا من اجل ذلك. ربما فاتحت حورية في مثل هذا الموضوع، فيعطون القادمين من الارياف ادنا بزيارة اهلهم لمدى يومين اوثلاثة، لانه لن يكون متيسرا لعائلات بكاملها ان تأتي من المناطق النائية لزيارة ابن لها في المدينة، بسبب بعد الطريق وتكاليف الرحلة. ولكن الوقت تأخر الان للقيام بمثل هذه التدابير. طمأنت سالم بانك ستبحث عن طريقة لابلاغ اهلكما في "اولاد الشيخ" بامر رحيلكما القريب الى الحبشة، فقد يجدوا طريقة للحضور الى طرابلس، واذا لم يجدوا فيكفي انهم اخذوا علما بما يحدث لكما.
طبيعة العلاقة التي تربط سالم باهله، تختلف كثيرا عن طبيعة العلاقة التي تربطك انت باهلك بسبب ما حدث من فراق بين امك وابيك. انك لا تفتقد احدا ولا يفتقدك احد، حتى امك المريضة دائما، التي تسبق دموعها كلماتها كلما رأتك، تعودت على فراقك، كما تعودت انت على الحياة بعيدا عنها. الا ان مسالة السفر الى بر الاحباش، والمشاركة في حرب الادغال والهضاب هناك، والمصير المجهول الذي ينتظرك في بقاع تبعد عشرات الاف الاميال عن وطنك، تجعل الموقف يختلف عن غيره من رحلات سابقة تركت فيها القرية الى طرابلس، وتجعلك تنظر خلفك بحنين وحب لكل اولئك الاهل الذين تركتهم وراءك في اولاد الشيخ، صغارا وكبارا، والذين كنت تضيق بهم، وتكره الاقامة بينهم.
ومبكرا جدا في اليوم التالي، ذهبت الى زرائب سيدي خليفة، تبحث عن كوخ عبد المولى الشحاذ، لتلحق به قبل ان يستيقظ من نومه، ويبدأ جولة التسول اليومية. ولم تزد على ان قلت له، عندما وصلت الى كوخه، ان يبحث عن اول شاحنة مسافرة الى اولاد الشيخ، ويذهب ليبلغ عائلة سالم وعائلتك بانكما ستسافران بعد اسبوع الى الحبشة.
نفحته نقودا يتدبر بها امر السفر ذهابا وعودة، ونقودا اخرى يعطيها لبعض افراد عائلتك وعائلة سالم تعينهما على نفقات السفر الى المدينة لو شاءوا، ووعدته عند اكمال المهمة بتدبير مبلغ له، لانك استنفذت الان كل ما معك من مذخرات. اتجهت برفقته الى مركز المدينة وتركته يذهب الى وكالة الشوشان، وعدت انت مسرعا الى المعسكر لانه لم يكن اذن بالغياب لاكثر من ساعة واحدة، وما ان وصلت الى هناك، حتى وجدت بانتظارك بلاغا لدى حارس البوابة، يامرك بان تتجه فور عودتك، الى قيادة المعسكر. انقبض قلبك وانت تسمع الخبر. ما الذي يمكن لقيادة المعسكر ان تريده من مجند محلي، ضئيل القيمة والرتبة مثلك. لن يكون خيرا بطبيعة الحال. والارجح ان احد المجندين، وقعت في اذنه كلمة مما يدور بينك وبين سالم من كلمات ضد سلطات الاحتلال، ففرح بها واراد ان يستخدمها في التزلف للايطاليين وتحسين صورته في اعينهم، فوشى بك لقيادة المعسكر. والوسيلة الوحيدة للتأكد من ذلك قبل الذهاب الى مركز القيادة، هو البحث عن سالم، ومعرفة ما اذا كان قد تم استدعاءه وابلاغه بمثل هذه التهمة قبلك. ولكن الامر القادم من القيادة لا يعطيك مثل هذا الترف، ويريد منك، تقديم نفسك، للمنسق الاداري للقيادة فور وصولك للمعسكر. وبخطى بطيئة متثاقلة صعدت السلالم التي تقود الى باب المبنى، حيث قادك الحارس الى مكتب بالطابق الاول، وادخلك على ضابط ايطالي برتبة ملازم، وكانت دهشتك كبيرة وانت تجد الضابط الايطالي يستقبلك بوجه هادىء باسم لا يحمل أي معنى من معاني الغضب او التحقيق او العقاب، وابلغك بكلمات مقتضبة انك ستباشر منذ الغد دورة في قيادة السيارات، واعطاك ورقة تذهب بها الى قسم النقل والاليات. وهابطا السلالم صرت تفكر في معنى هذا التكليف. انه عمل لا يتولاه عادة الا الايطاليون، ولم يحدث ان عهدوا لاي واحد من الجنود اللييبيين مسئولية قيادة السيارات والاليات العسكري، ثم ان الموعد الذي تبقى على موعد السفر الى الحبشة لا يكفي لاعدادك وتأهيلك لمثل هذه المهمة الفنية الصعبة، التي لم ينس الضابط الذي اعطاك الورقة، ان يذكرك بما تحتاجه من مثابرة واجتهاد ومهارة، وبدا الامر غامضا وعصيا على الفهم، خاصة وانه جاء بشكل مفاجيء، لم يسبقه تمهيد، ولم يحدث ان فاتحك أي واحد من ضباط المعسكر في مثل هذا المضوع الذي لا تدري من امر به ولماذا، وعندما حاولت ان تعرف، قبل ذهابك في اليوم التالي الى قسم الاليات، لم تجد أي استعداد لسماع السؤال، فهو امر عسكري عليك تنفيذه دون نقاش.
كان ماريو الذي عهدوا اليه بتعليمك، شخصا مرحا، طويل القامة، فوق الاربعين بقليل، اسنانه كبيرة بيضاء كاسنان الحمار، وشفته العليا دقيقة مشدودة الى انفه، لا تكاد تفلح في الالتقاء باختها السفلى، ولهذا فهو يبدو لمن يراه كانه في حالة ابتسام دائم. كان يرتدي الملابس المدنية، لانه ليس عسكريا وانما فني سيارات مدني استعانت به ورشة المعسكر للاستفادى بخبرته، وعرفت منه ان هناك فنيين كثيرين مثله يعملون في معسكرات الجيش بصفاتهم المدنية، ويعمل في اوقات فراغه وايام العطلات سائقا لسيارة اجرة يحصل منها على دخل اضافي، والسبب كما يقول هي سنيورا فرانكا، زوجته التي ترهقه بطلباتها التي لا تنتهي، والتي ارغمته على التضحية بساعات الراحلة لكي يكفل لها المستوى المعيشي الذي يزيد على المستوى الطبيعي لامثاله من الفنيين وعندما رآك خائفا مترددا من هذه المهمة الجديدة، ربت علىظهرك مطمئنا قائلا لك بانه سيعلمك قيادة السيارة في يوم واحد فقط، ولكن لا تبح بذلك لاحد، فهم يعتبرونها مهمة تحتاج بحد ادنى الى اربعة او خمسة اسابيع، وهو يريد ان يستفيد من جهلهم هذا فيمطط المهمة لاطول وقت ممكن حتى يتيح لك ولنفسه الاستفادة من هذا الوقت في المرح واللعب ومعاكسة النساء، واضاف ضاحكا مؤكدا على هذه النقطة الاخيرة:
- للسيارة عند النساء مغماطيس خاص لا تقوى اية امرأة على مقاومته.
حلم النساء الازلي عن الفارس الذي يأتي فوق جواد ابيض، تحول الان الى هذا الفارس الذي يمتطي هذا الحصان المعدني اللامع الذي اسمه السيارة. هناك وسائل كثيرة استطيع ان احقق بها انتقامي من فرانكا، فلا تحزن من اجلي يا صديقي.
لم يستوقفك في هذه الثرثرة غير شيء واحد، هو الاسابيع الاربعة او الخمسة التي يعتبرونها حدا ادنى لمعرفة القيادة، باعتبار ان ذلك لا يستقيم ولا يتفق مع ما لديك من معلومات تقول بان موعد رحيلك الى الحبشة انت وبقية المتدربين، سيحين موعده بعد اسبوع واحد. ضحك ماريو عندما اخبرته بذلك، وقال باسلوبه السريع في الحديث المصحوب دائما بايمآت ايديه وتحريك رأسه وكتفيه، بل وجسمه كله في حالات الانفعال طربا او غضبا:
-ـ يمكنك ان تفرح، لانك لن تكون في الفوج الاول الذاهب الحرب، والا ما ادخولك الى مدرسة القيادة.
وبخطى سريعة اتجه الى سيارة جيب عسكرية وقفز في مقعدالسائق، وامرك ان تركب بجواره، حيث توجد عجلة قيادة، غير تلك التي امام السائق. حذرك ان تعبت بالعجلة او تلمس شيئا آخر من اجهزة السيارة بيدك او بقدمك، قبل ان تسمع الشرح الذي سقوله لك، ولا تفعل شيئا خاصا بقيادة السيارة الا بتوجيه منه.
- بمثل ما هذه البهيمة الحديدية وسيلة عبقرية للانتقال، فهي اداة بارعة للقتل. لا تنس ذلك ابدا. تستطيع لو اسأت استخدامها ان تقتل بها نفسك، او تقتل بها الاخرين، وانت والاخرين معا. حصل هذا مع كثيرين، استطاعت منذ بدء اختراعها ان تنافس اعتى الحروب واقبح الاوبئة في ابادة البشر. فاحذر وانتبه. انك اول عربي اقوم بتعليمه، فارجوك ثم ارجوك الا تخيب ظني بالعرب.
وقبل ان تتمكن من قول أي شيء، كان قد انطلق بالسيارة خارج المعسكر، وعبر طريقا معبدا يشق الغابة باتجاه مركز المدينة.
-ـ ما ينطبق على قيادة سيارة الجيب، ينطبق على اية سيارة اخرى. اذا تعلمت كيف تقود هذه السيارة، تعلمت قيادة كل السيارات، بما في ذلك سيارات الشحن العملاقة.
اندفع يقود السيارة بسرعة اكبر:
- اريدك ان تشعر بالحرية التي تمنحها لك السيارة. فهي تمنحك جناحين تنتقل بهما لاي مكان تريد. استطيع ان اطوف بك طرابلس كلها، من قلعة قرقارش الى عين زاره، وانقلك الى باب تاجوراء، والملاحة، عائدا بك الى شارع الملك فيتوريو ايمانويل الثاني في مركز المدينة. لن يستغرق ذلك كله غير ساعة واحدة. شكرا للمارشال بالبو، الذي كسى هذه الطرق بالاسفلت في وقت قياسي.
- متى نيدأ الدرس.
- لقد بدأنا سنيور عثمان. ما نفعله الان هو الدرس. راقب جيدا ما افعله. اريد ان اجري تعارفا بينك وبين السيارة. اريدك ان تحس بها لتستطيع هي ايضا ان تحس بك. هذا ما احاول ان افعله الان. انك لا تركب المرأة قبل ان يحصل تواصل وتعارف بينكما وهكذا السيارة، لابد ان تعرفها وتحس بها لتستمتع بركوبها. السيارة سنيور عثمان تريد الرجل الذي يحبها لكي تمنح له نفسها بيسر وسهولة، وتمضي معه بلا مشاكل ولا مضايقات. هذه هي لحظة تقديمك اليها وتقديمها لك، فاصبر قليلا على ما اقول، وخذ هذه القطعة من البسكويت.
- شكرا.
- مشروع بالبو العظيم هو " الليتراثوريا " طريق طرابلس بنغازي. لقد بدأ الاعداد له. وسيكون انجازا عالميا. انتيرناسينالي. جراندي. مولتو، مولتو جراندي.
ليته يتوقف عن الكلام قليلا ليتيح لك فرصة ان تسأله عما يعرف عن ترتيبات رفاقه الايطاليين لحملة الحبشة. انها اول مرة تعرف فيها ان ذهابكم سيكون على افواج، وهو ما يضع حلا للمشكلة التي كانت سببا في غضب الشاويش عنتر واستغرابه لاخذ المستجدين الذين لم يكملوا تدريبهم الاساسي، لان معنى ذلك، هو انهم سيجدون وقتا لاتمام هذا التدريب.
- الان راقبني جيدا وانا اهدىء السرعة، ساضع قدمي على الفرامل، ويدي على صندوق التروس، دون ان احيد ببصري على الطريق …
كانت هناك مفاجأة بانتظارك عندما عدت الى المعسكر، بعد انتهاء الدرس، فقد تم ابلاغ المجندين اثاء ساعات التدريب، بان الذهاب الى الحبشة قد تم تم ارجاؤه الى اجل سيحدد فيما بعد. سرت اشاعات في البداية، بان السبب هو بعض التعقيدات التي تواجه الحملة الحبشية ومن بينها نجاح الامبراطور الحبشي هيلا سلاسي بمساعدة بريطانيا على استنفار الرأي العام العالمي وتهديد عصبة الامم لايطاليا بالمقاطعة الاقتصادية العاليمة لها لو قامت بغزو الحبشة، ثم سرعان ما اتضح ان التأجيل حدث لاسباب ليبية داخلية محضه، وهو ان حركة جهادية ظهرت في الجبل الاخضر، تقتفي خطى عمر المختار، هي التي افزعت الايطاليين الذين يخشون اتساعها ولذلك ابقوا على القوات الليبية المزمع ارسالها الى الحبشة، بهدف استخدامها في سحق المقاومة الشعبية اذا دعا الامر. هذا ما عرفتموه من ضباط ايطاليين بطريقة غير رسمية، وما اكده عدد من الناس الذين جاءوا من خارج المعسكر لزيارة ابنائهم، وهمسوا لهم بما يدور من كلام عن ظهور المقاومة من جديد في شرق االبلاد. واحدث هذا التحول في مجرى الاحداث، حالة من الغضب والغليان داخل المعسكر ِ، لدى هولاء المجندين الذين وجدوا انفسهم فجأة ينتقلون من خط المواجهة مع الاحباش الى احتمال الوقوف على خط النار في حرب ضد مجاهدي بلادهم.
لم يكن هناك حديث آخر بين المجندين غير هذا الحديث، يتذاكرونه همسا وقد يرتفع الهمس، الى ان يصبح لدى البعض تدمرا مسموعا، ينذر باوخم العواقب، وقد تبدى هذا النوع من الاندفاع والتهور في ابلغ درجاته، عندما التقيت قبل صلاة المغرب بصاحبك سالم، الذي رأيته يأتي الى مكان اللقاء غاضبا، وقد اصطحب معه زميلا له، شديد التوتر والعصبية، يتحدث لا بصوته فقط ولكن بيديه وعضلات وجهه، وقبل ان يجد سالم فرصة لتقديمه لك بدأ يطلق كلماته كاطلاقات الرصاص:
- اجبرونا على دخول الجندية لنحارب اناسا لا نعرفهم، في بلاد لا نعرفها، من اجل قضية لا تخصنا، فرضينا بالظلم، وامتثلنا لامر الاسياد وصبرنا على هذا البلاء باعتباره حكم القوي على الضعيف. ولكن ان نقاد صاغرين الى خوض حرب ضد اهلنا، واطلاق النار على المجاهدين المدافعين عن تراب ارضنا، او نقتل على ايديهم كافرين آثمين، فهذا ما لن يحدث ابدا. وسيحدث العكس بدلا من ذلك، ستكون صدور الايطاليين هي الهدف لرصاص بنادقنا، ومرحبا بالموت بعد ذلك.
كان يتكلم بصوت كأنه الصراخ، وقد احتقنت الدماء في وجهه حتى تحولت سمرته الى سواد. سألته بحزم ان يصمت. كنت تدير بصرك شمالا ويمينا وتلتفت احيانا الى الخلف، وانت في حالة رعب من ان يكون احد الناس قد سمع الكلام الذي سمعته من هذا المجند. انك لا تدري ما الذى دعا سالم لان يصطحب معه هذا الفتى الاحمق، وهو يعرف عصبيته وثورته التي تجلب المهالك. وهو اذا كان يريد الهلاك لنفسه فلما ذا يقحمك سالم ويقحم نفسه في مثل هذا الامر. ثم ما الذي تراه يريده منك، وباية صفة يقول لك هذا الكلام، سواء كان هذا الكلام صحيحا اوغير صحيح، وسواء اراد تطبيق ما يقوله او لا يريد، فالامر يقتضي ان يعالج امره بالكتمان، لا بهذا الاسلوب المكشوف الذي سيجعله بالتالي مكشوفا امام الايطاليين ولن يجلب له الا الكوارث. تدخل سالم قائلا:
-ـ اذا كان الاخرون قد اجبروا على التجنيد، فانت الوحيد في هذا المعسكر الذي جاءهم متطوعا.
-ـ هل هو تعزير؟
-ـ لا ولكنه توضيح، فانت لم تتطوع لتحارب اهلك.
- طبعا لا.
- اذن فانت اولى الناس بالاعتراض.
- مازال الموضوع مجرد شائعات.
- كلنا نعرف انها اخبار صحيحة.
- هل لديك اقتراح محدد.
- نعم. يجب ان يعرف الايطاليون انهم لن يستطيعوا الاعتماد على المجندين الليبيين في هذه الحرب، لانهم ببساطة سينقلبون ضدهم في لميدان.
- وهل تعتقد انهم سيعجزون عن الاهتداء الى وسيلة يمنعون بها حدوث شيء كهذا وهم يعرفون حقيقة مشاعر الليبيين.
وصاح الفتى الاخر الذي تحول الى كتلة اعصاب مشتعلة:
- انني لااطيق البقاء في هذا المعسكر. يجب ان نهرب، ربما نجد فرصة للالتحاق بالمجاهدين.
افهمته ان الهروب ليس سهلا، وان احتمال الموت اثناء الفرار اقرب كثيرا الى احتمال النجاة، ومع ذلك اصر على موقفه، الذي وجد تأييدا من سالم. وكنت تريد ان تقول لهما، ردا على عنادهما، بان السور موجود امامهمها وما عليهما الا الا تجاه اليه منذ الان، وتدبير طريقة للقفز منه والهروب اذا استطاعا الى ذلك سبيلا، ولكنك اثرت الاسلوب الهاديء الذي يتحرى مصلحة هذه الزميلين فطالبتهما بالانتظار قائلا ان كل هذا الكلام سابق لاوانه، وان زمن الحرب بين الايطاليين والليبيين قد انتهى بعد ان ساد التفاهم بين الجانبين، وعرفت البلاد شيئا من الاستقرار والسلام، واختفت المجاعات والاوبئة التي رافقت الحروب، وان اية حركة تظهر الان، لن تكون غير حركة يائسة معزولة، لن تدوم لغير ايام معدودة قبل ان تنطفىء وتموت. قلت هذا الكلام لتبطل مفعول ما قاله سالم وصاحبه الارعن، في حالة وجود احد يتصنت ولا ترونه، او وجود الة لالتقاط الكلام ونقله للايطاليين، الا انه لم يزد صاحبيك الا تشنجا وعصبية، فانطلقت منهما الكلمات الطائشة التي تهدد بقتل الايطاليين و تنفي ما قلته من كلام عن التفاهم والسلام الذي يسود بينهم وبين الليبيين، لانه لا وجود الا للحقد والكراهية وانتظار يوم الانتقام، مما دفعك لان تتركهما وتعود مسرعا الى العنبر، خاصة بعد ان لمحت جنديا يمشي متمهلا بين الاشجار القريبة. بقيت الى ساعة تأخرة من الليل، تتقلب في سريرك، لا يواتيك النوم، خوف ان يكون ذلك الجندي عينا من عيون الاجهزة الامنية، يتصنت على الاخرين وينقل كلامهم لرؤسائه. ووجدت سؤالا يولد من حالة الارق، ويتشكل وسط الظلام الذي يحيط بك، وهو ماذا سيكون مقوفك لو ساقوك مع الاخرين لمحاربة المجاهدين. لن يكون هذا التدبير جديدا على جيش الاحتلال الايطالي، فتاريخ الحرب الايطالية الليبية، التي انتهت بشنق عمر المختار، تقول بان الايطاليين خاضوا معاركهم ضد المجاهدين، بجيش من المرتزقة الليبيين، الذين التحقوا بصفوفهم بدافع العوز والفاقه، وبحثا عن رغيف لا يجدونه الا عن هذا الطريق المؤلم المهين. انك لا تريد ان تسلك هذا الطريق، ولا ان تأكل رغيفا مغموسا بدم اهلك، وتدعو الله في صلاتك الا يصل الامر الى حد استخدامكم في الحرب ضد انفسكم. انك على يقين من ان النقمة ضد الايطاليين ستصل حدها الاقصى في قلوب هؤلاء المجندين، ولن يكون غريبا ان يفعلوا ما فعله الزعيم رمضان السويحلي وجنوده في معركة القرضابية، عندما ساروا لملاقاة المجاهدين مع الجيش الايطالي، ثم عندما بدأت المعارك اتجهوا ببنادقهم الى صدور رؤسائهم وزملائهم الايطاليين. وطبعا لن ينتهي الامر عند هذا الحد، لان الطليان سيباشرون انتقامهم العظيم ضد الليبيين، كما فعلوا اثر تلك المعركة منذ عشرين عاما مضت. سيتفجر الصراع، شرسا عنيفا مرة اخرى. سيكون حريقا يكبر وينتشر حتى يعم كل المناطق، وستنتهي حالة الاستقرار التي تعيشها البلاد الآن. هذا ما يجب ان يعرفه الايطاليون ايضا. يجب ان يعرفوا حجم النقمة التي صارت تملأ قلوب جنودهم الليبيين منذ الان، لمجرد التفكير، في استخدامهم لإخماد حركة التمرد في الجبل الاخضر.
الاخبار تتواتر عن مجابهات بين المجاهدين وسلطات الاحتلال هناك، وعن اعلان حالة الطوارىء ومنع التجول في قرى الجبل. الاحساس بالغضب يتنامى داخل المعسكر ويتحول الى غليان. الى تمرد ورفض للأوامر ومجاهرة بكراهية الايطاليين. كثرت حالات التأديب والتذنيب.
كنت قد ابتعدت اياما عن عملك القديم في جلد المذنبين، نتاظرا ان يتم اعفاؤك نهائيا من اداء هذه المهمة الثقيلة، وكان الشاويش عنتر قد اختار تابعا يحل محلك في القيام بهذا العمل. ولكن كثرة حالات التمرد، اقتضت الاستعانة بك مؤقتا في جلد هؤلاء المتمردين. المهمة الان اكثر صعوبة من أي وقت مضى. كنت تقوم بها في اطار المفهوم الذي يعتبرها جزءا من عملية تربوية تقتضيها اصول التدريب العسكري، اما الان،، والمشاعر في غليانها بسبب ما يجري في شرق البلاد، فان الجلد يصبح جزءا من قمع هذا الشعور الوطني الذي يمور في قلوب المجندين. انك لا تستطيع ان ترفض مهمة انت الذي سعى اليها، ونجحت في نقلك درجة في سلم الصعود، ووضعتك في مكانة اعلى من بقية المجندين، ولا تقوى الان على هدم كل ما بنيته، بان تحاول الهروب من ادائها او التهاون فيها. انك ستذهب لتنفيذ الامر الذي صدر اليك ولكن بقلب اكثر وجعا وانكسارا هذه المرة. فانت تعرف تمام المعرفة، بانك اصبحت اكثر غربة وعزلة داخل المعسكر حال ان عدت لممارسة هذه المهمة. الجنود الليبيون يصنفونك مع الايطاليين، وباعتبارك لست ايطاليا فانت في نظرهم كلب الايطاليين، ولعل هناك من اعطاك كنية تحمل هذه الصفة، لانك سمعت احدهم يقول كلب الحطية، ويختفي دون ان تتعرف عليه، فادركت انه يعنيك لان الحطية بلغة بعض المناطق الريفية هي الغابة التي تقضي بها بعض ساعات الفراغ. وهم يحملون لك حقدا واحتقارا يزيد على ذلك الذي يحملونه للايطاليين، مع ان الايطاليين لا يدركون معنى هذه التضحية او يرونك واحدا منهم، ومهما كنت قريبا من موقفهم، متفانيا في خدمتهم، فستبقى دائما "الاراباتشو" الذي يقل بدرجة صغيرة واحدة عن مرتبة البشر.
وهكذا، تجد نفسك، وربما دون قصد منك، وحيدا ومنفصلا، مقيما في تلك المنطقة التي تجف فيها الموارد الروحية، وتتضاءل فيها مادتي الوداد والدفء الانساني، وسط بيئة هذا المعسكر التي تقوم العلاقات فيها على المثلث الهمجي، القمع والكراهية والاحتقار، هذه العناصر الثلاثة التي لابد ان تتوفر بكميات متساوية، لضمان التوازن وتأكيد العلاقة الاضطرادية بنيهم، فكلما تنامى عنصر تبعه العنصران المتبقيات بالاضطراد والتنامي، فزيادة القمع لا تولد الا مزيدا من الكراهية والاحتقار، وهكذا صار المعسكر الان يشهد احدى لحظات الذروة، في لعبة التوازنات والتنامي والاضطراد لهذه العناصر. انت هنا تستقطب مشاعر العداء التي تزيد من تأكيد وحدتك وانفصالك، وكأنهما حصتك من العقاب الذي لا يجب ان ينجو منه كل انسان يقطن هذا المعسكر. انه عقاب ينسجم مع تكوينك، ولا يتعارض تعارضا كاملا مع رغبتك. انه حتى وان بدا وضعا مفروضا عليك، فانك لا تستطيع ان تقول انك لم تلاقيه في منتصف الطريق. لقد كنت دائما وحيدا، حتى وانت تعيش بين اهلك في اولاد الشيخ. لم تكن ابدا تشعر انك جزء من العائلة الكبيرة التي يرى اهل القرية انهم ينتمون اليها، بل لم يكن هذا الشعور يخامرك حتى زاء عائلتك الصغيرة، تلك المقسومة الى نصفين، وانت وحدك بقيت مقيما في تلك المنطقة التي تفصل بين القسمين، تقف هناك وحيدا، منفردا، متحدا بنفسك، منفصلا عن بقية العائلة. وعندما تركت القرية لاول مرة تطاردك لعنات اهلها، مختبئا بين اشولة الفحم، في سيارة شحن، كان ذلك تعبيرا عن حقيقة علاقتك بالاهل، وواقع حياتك في القرية، الذي كنت نافرا منه، متطلعا على الدوام، الى يوم الانفكاك منه، ولم يخطى ء من اسماك المعزة السوداء المنفصلة عن بقية القطيع، فقد كان شكلك وانت ترفع جسمك من بين اشولة الفحم لحظة مغادرة القرية يتطابق تماما مع هذا التوصيف الدقيق.
ما تشعر به الان، انك هنا ايضا، تقف في تلك المنطقة الحدودية العازلة بين الايطاليين والليبيين، ولا احد بجوارك، غير استاذك الذي جعلته قدوتك في الحياة العسكرية، الشاويش عنتر، ولكنه رفيق لا امان له، فلا تعجب ان رأيته يمضي ويتركك وحيدا، وهذا هو بالضبط ما فعله، فقد امتنع نهائيا عن تطبيق العقوبات على المجندين بنفسه، لكي يتحاشى نقمتهم، وزاد على ذلك بان جاهر امامهم، بنفوره من فكرة الذهاب لمحاربة المجاهدين في الجبل الاخصر، قائلا بلهجته البدوية:
-ـ انهم يحتمون هناك بواحد من اصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيدي رافع، فياويل الواحد منا اذا اقترب منهم، سينال عذاب الدنيا والاخرة، اجارنا الله.
ماذا لو كانوا يجاهدون بعيدا عن ضريح الصحابي الجليل، لاشك ان الشاويش عنتر سيكون اكثر استعدادا لتنفيذ اوامر الايطاليين بقتل المجاهدين، وهو سينفذها طبعا حتى لو احتمى هؤلاء المجاهدون بالكعبة نفسها، ولكنه مجرد كلام لتفادي نقمة الليبيين، ومع ذلك فقد اكبرت موقفه هذا، فلابد انها اول مرة في حياته يقول فيها كلاما لغير صالح الطليان، ويقوله وسط عنبر فيه عيون كثيرة ترى واذان كثيرة تسمع والسنة يمكن ان تنقل ما يقول.
كنت تستطيع ان ترى نظرات الاحتقار التي يشيعك به المجندون، خاصة بعد ان تنتهي من اداء مهمتك في جلد واحد من المتمردين على الاوامر العسكرية، ودون ان تستطيع فعل شيء ازاءها. وحدث وانت خارج من قاعة الطعام، ان وجدت مجندا لا تعرفه يعبر عن احتقاره لك باكثر من مجرد النظر، اذ تقدم منك والقى كلمة نابية مصحوبة بكنية " كلب الحطية"، واعقبها ببصقة القى بها على وجهك، فمسحت بطرف كمك اللعاب من فوق وجهك، دون ان ترد عليه، لانك لم تشأ ان تخلق مشهدا يجتذب الزحام وتصنع تظاهرة لن تكون في صفك، بل ربما، هللت وكبرت تمجيدا لهذا الجربوع الذي بصق عليك. لم تفكر حتى بتقديم بلاغ ضده الى سلطات المعسكر كي تنزل به العقاب الذي يستحقه والذي قد يقتضي تعفير جسمه بجلدات من سوطك، لن تتردد في ان تجعل كل جلدة منها، رحلة الى جحيم الالم والعذاب. تركته يمشي ومشيت وراءه، حتى بلغ منطقة معزولة من المعسكر، حيث لا احد يراكما، وسحبته فجأة من ذراعه، لاويا الذراع بكل ما لديك من قوة. وضعت وجهه بمواجهة الجدار، وبعنف وغيظ، امسكت بفروة رأسه، وضربت به الجدار مرة اولى وثانية وثالثة حتى صار الدم يشخب من جبينه. اخذته الى المستوصف بحجة انه سقط اثناء الهرولة، وصدم رأسه بحرف الرصيف، وافهمته وانت تسحبه من ذراعه الى هناك، بانك لا تقل عنه حبا لوطنك، وانك لا تجلد الناس بمزاجك، وانما استجابة لاوامر عسكرية لو خالفتها لجلبت الهلاك لنفسك، واننا جميع نعيش تحت شروط لم نصنعها، ولم تكن لنا يد في اختيارها، وواجبنا ان نفهم بعضنا بعضا ونقدر ظروف كل واحد منا، اذ يكفي ما يفعله الايطاليون بنا، فلا حاجة لان نضيف الى ذلك اوجاعا نصنعها بانفسنا لانفسنا. ثم تركته لدى ممرض المستوصف وانصرفت.
لم تذهب اليوم للقائك اليومي مع سالم، خوف ان ياتي بصاحبه الذي جاء به بالامس، او بصاحب آخر اكثر بؤسا منه، اذ لم تكن في حالة ن-ف-ـسية تسمح بسماع مزيد من التعزير منه او من صاحبه.
ذهبت لتنام مبكرا، وصحوت لاخذ درسك اليومي في قيادة السيارة، وفي ذهنك شيء قررت القيام به ولو ادى الى وضعك موضع الشبهات لدى رؤسائك، مدعيا انك تقول ذلك بدافع الحرص على سلامة العلاقة بين الايطاليين والليبيين. ورغم تهريج ماريو، وبحثه عن المغامرات النسائية نكاية بامرأته فرانكا وانتقاما منها، واعترافه لك بانه يصاحب اكثر من امرأة من بائعات الهوى، اللاتي يأخذهن الى منطقة آمنة داخل الغابة، اثناء النهار، وانه لا مانع ان تكون شريكه في مغامرة اليوم، شرط ان تدفع حصتك من التكاليف، الا انك افهمته بانك ستكتفي باخذ درسك فقط، دون مغامرات نسائية في الغابة، لان لديك مهمة بعد الدرس، مكلف بادائها، دون ان تدخل معه في حوار حول التزامك الديني الذي يمنعك من ارتكاب هذه المحرمات. ولم تعبأ بثرثرته عندما صار يزين لك مغامرة اليوم، ومتعة ممارسة الحب وسط الغابة، وما يعنيه ذلك من انسجام وتواصل مع الطبيعة، ثم قفز الى موضوع آخر عندما قال:
- لماذا انتم هكذا ايها العرب، لماذا بحق الجحيم؟
- ماذا تعني؟
- هذا الحجر على النساء وحبسهن بين حيطان البيوت، لماذا؟ ما هو السبب؟ اية لعنة جلبتموها لانفسكم رجالا ونساء، واية نعمة حرمتم انفسكم منها ايها الرجال، عندما صنعتم لانفسكم عالما خاليا من النساء.
كان هذا الموضوع مفاجأة مذهلة لي عندما جئت الى بلادكم لاول مرة منذ عامين. لم اكن اعتقد ان هناك مكانا في الدنيا مثل هذا. مجتمع خاص بالنساء خلف الجدران، ومجتمع آخر للرجال. هذا ضد الطبيعة، ضد الحياة، ضد الله.
ضحكت من كلامه لان ما يراه غريبا هو الامر الطبيعي، الذي يأمر به الدين وتقتضيه القيم والاصول والاخلاق، فالعيب ليس في صون الحرمات، وتجنيب المرأة متاعب العمل ومشاكل الاختلاط بالرجال في المكاتب والمحافل والاسواق، لتبق داخل بيتها معززة مكرمة، العيب، قلت له، فيما يفعله الايطاليون الذين يبتذلون نساءهم ويرغمونهن على العمل في والمقاهي والاندية والاسواق وبيع شرفهن في الملاهي والحانات.
وعلى طريقته في القفز من موضوع الى آخر قال ماريو:
-ـ انني امتلىء فضولا لان اضاجع امرأة عربية. اريد ان اعرف كيف تتصرف في السرير، لا اعني السرير بمعناه الحرفي، فالكرة الارضية كلها، ارادها الله ان تكون سريرا كبيرا يعاشر فوقه الرجال النسا ء. اعني اتعرف اليها جنسيا. اعرف غير الايطاليات، يهوديات ومالطيات وغجريات، وساجعلك تعرف نساء منهن متى تشاء، من اجل ان تقضي انت ايضا لحظات ممتعة في الغابة. بالمقابل، فانني اريد ك ان تحضر لي امرأة عربية، يجب ان تكون جميلة، وصغيرة، لكي لا يخيب املي في النساء العربيات. لابد انهن شبقات جدا، فالرغبة المكبوتة، المحبوسة خلف الابواب والجدران، لابد ان تتفجر كالبركان عندما تجد الفرصة.
سألته، قبل ان يكمل كلامه، ان يوقف السيارة، لانك قررت ان تهبط منها، وتهرب من ثرثراته الفارغة المملة، وليقل في تقريره عنك ما شاء ان يقول. لم تكن الحصص قد وصلت الى نهايتها، ولكنك وجدت نفسك قريبا من وسط المدينة، حيث لن تحتاج لغير دقائق قليلة قبل ان تصل الى بيت السنيورة حورية في شارع البريد، التي قررت زيارتها. كنت واثقا من وجودها في البيت، وانك جئت في وقت يناسبها، لان موعد استيقاظها كما عرفت من مرات سابقة، لم يمض عليه اكثر من نصف ساعة او اكثر قليلا. دخلت عندما فتح لك مرجان الباب، وجلست بانتظارها في الصالون. لم تمض غير برهة صغيرة حتى جاءت يسبقها عطرها واشعاع من ضوئها، للترحيب بك، ولم تشأ ان تتركها تطيل التخمين في اسباب هذه الزيارة، ودخلت مباشرة في الموضوع الذي جئت من اجله. قلت لها بانك فخور لان سيادة المارشال اختارك لكي تزوده بتقارير دورية عن حالة الليبيين عند وصولهم ارض المعركة، واشتراكهم في الحملة الايطالية لاحتلال الهضاب الاثيوبية، ولذلك فانت لا تشعر باي حرج عندما تبدأ مهمتك منذ الان، وتزوده بتقرير عن حالة الليبيين قبل ذهابهم الى هناك، ثم شرحت لها كيف ان معنويات هؤلاء الجنودالذين تريد ايطاليا الاعتماد عليهم في حروبها هي في ادنى درجة من الهبوط، وحالة الغضب التي اعترتهم جميعا عندما تأجل موعد الذهاب الى الحبشة، وعرفوا ان السبب يتصل بحركة التمرد التي ظهرت في الجبل الاخضر، واعتزام القيادة اخذهم الى هناك لاخماد الثورة. ثم وجدت نفسك ودون وجل تقول لها رأيك بصراحة، في هذا التدبير الذي سيخلق حالة من التأزم في البلاد، ويوقظ مشاعر الثأر والنقمة، ويعيد العلاقة بين الشعب الليبي والايطاليين، الى ما كانت عليه اياكم جريسياني، بعد ان عرفت عهدا من الاستقرار والازدهار والسلام منذ استلام المارشال بالبو مسئوليات الحكم، الذي يحمد له الليبيون انه لم يقتل مواطن ليبي واحد في عهده على ايدي الايطاليين.
- ولكن من اخبركم بوجود هذا التمرد في الجبل الاخضر؟
- هذا ما يقوله كل الناس.
وضاحكة اعادت حورية كلمة " كل الناس " ثم اضافت:
-ـ اذا اعتبرتني واحدة من كل هؤلاء الناس، فان هناك استثناء، هوانا.
وباندهاش سألتها ان كان ما يقولونه يخالف الحقيقة التي تعرفها هي، فكان جوابها حاسما:
-ـ لا يمكن لاي انسان يعرف ما فعله ايتالو هناك، ان يصدق مثل هذا الكلام. لقد اجرى منذ ان وصل الى حكم الولاية، اعادة بناء شملت كل انحاء الجبل الاخضر، بما في ذلك المساجد والمدارس القرآنية، وازال الاسلاك الشائكة واطلق سراح الناس الذين كانوا رهائن في المعتقلات، ومنحهم عملا في حفر آثار قورينا، وبناء فندق الجبل، وشق الطرقات الحديثه في تلك المنطقة، ولقد رأيت بنفسي عندما ذهبت معه منذ اشهر مضت لزيارة تلك المنطقة مقدار الحب الذي يحمله له الناس هناك، كانوا يستقبلونه بالتصفيق والاهازيج والزغاريد في حشود كبيرة، وهو يطوف بينهم دون حراسات، ويمد يده لمصافحة كل ما تصل اليه يده. انه ايضا يحب تلك المنطقة. انها ساحرة، مرعبة، مدمرة. الفندق الذي يبنيه ايتالو هناك يطل على اجمل منطقة في العالم حيث البحر والجبل واثار قورينا، توليفه بديعة، مهلكة، خرافة، خيال، مستحيل.
دق جرس الهاتف فقامت حورية للرد عليه، ثم اخذت الجهاز وانسحبت به الى اجنحة البيت الداخلية. عادت لتقول لك:
- انه ايتالو. يبدو غريبا كيف تتحول الاحداث الصغيرة الى حروب في خيال بعض الناس.
ثم اخبرتك بما عرفته للتو من المارشال بالبو نفسه، قائلة بان اشتباكا وقع بين " المهيريستا" الذين يركبون المهاري ويراقبون الحدود، وبين قافلة من البدو. فالمهيريستا ينفذون تعليمات قديمة تطالب كل من يعبر المناطق الحدودية متجها صوب الحدود المصرية، بترخيص من الحاكم العسكري، مما نتج عنه سوء تفاهم ادى الى ان يعتصم جماعة القافلة بكهف في الجبل، ويقومون باطلاق النار على جنود الدورية. لقد اصدر المارشال امره برفع كل الحواجز والغاء الاوامر التي تطالب بالتراخيص ومنح الناس حرية التنقل في هذه المناطق، وامر المهيريستا بالبقاء في النقاط الحدودية، والا يغادروا خط الحدود ابدا وانتهت الازمة التي لم تستمر سوى بضع ساعات.
تعرف انت ان لاهل الحكم والسياسة، اسبابا تدعوهم لتلوين الحقائق واخفائها في بعض الاحيان، ولذلك فانت لا تستطيع تصديق ولا تكذيب ما قالته ثريا، او ما قاله لها المارشال، المهم انك تشعر بارتياح كبير لانك جئت لهذا البيت، وقلت الذي قلته، ورفعت عن كاهلك ذلك العبء، دون ان ينالك أي اذى، او تسبب حرجا لحورية او تثير غضب صاحبها الحاكم الايطالي. وقبل ان تسألها عن السبب الذي ادى الى تأجيل رحيلكم الى الحبشة، واصلت هي الحديث، قائلة بان التأجيل حدث لاسباب غير ليبية، ذات علاقة بجبهة القتال نفسها، وبسبب رداءة الطقس تقرر تأجيل بدء العمليات العسكر ية الى حين انتهاء موسم الامطار، مما يتيح فرصة اكثر امام المجندين الليبيين لمزيد من التدريب، ثم اضافت شيئا ايقظ في نفسك الشكوك حول نفيها لظهور المقاومة في الجبل الاخضر، عندما جاء في حديثها ذكر الارض التي ستدور فوقها المعارك في الحبشة وطبيعتها الجبلية التي تقتضي ان يشمل التدريب المتقدم انتقال بعض الجنود لاداء بعض التمارين القتالية في مناطق مشابهة، ليسهل عليهم بالتالي تنفيذ العمليات العسكرية التي يكلفون بها هناك.
قالت لك وهي تأخذ من الخادمة كأس عصير البرتقال وتقدمه لك:
-ـ وكيف حال الدروس التي تأخذها في قيادة السيارة.
-ـ اذن فلا خبر يخفى على السنيورة حورية.
-ـ وكيف لا اعرف خبرا كهذا اذا كنت انا من رشحك لهذه المهمة.
اذهلك ما سمعت، فقد كنت حائرا لا تدري الجهة التي اختارتك لهذه المهمة، ولا السبب وراء هذا الاختيار، ولا تعرف احدا تسأله، وعندما سألت، لم تجد لدى احد ممن سألتهم جوابا سوى ان هذه هي طبيعة الاوامر العسكرية. وها انت الان، وجها لوجه، مع المرأة التي كانت وراء ذلك كله. انها اوامر حريمية وليست اوامرعسكرية كما قالوا، فما هي يا ترى المهمة التي تعدك لها، وما الذي سيعود عليها من نفع طالما انك مندور لتصبح قربانا لاله الحرب في برالحبشان.
- لدي مشكلة صغيرة مع سائقي عياد.. يريد ان يستقيل لانه منذ اربعة اعوام لم يذهب الى اهله في مرزق، ولا يعرف ما حدث لارضه الزراعية هناك، ولانني تعودت عليه واعجبت بامانته، فقد اتفقت ان يذهب لمدة ثلاثة اشهريقضيها مع اهله ويرتب امرمزرعته، ثم يعود لمواصلة العمل معي، وساحتاج خلال مدة غيابه لمن يقوم مقامه ويكون محل ثقة مثله.
- سأبذل جهدي كي اكون اهلا لهذه الثقة.
- مهنة كهذه تفيدك كثيرا جدا في حياتك العسكرية.
- ومتى ابدأ العمل؟
- حالما تحصل على رخصة القيادة. عندها نطلق سراح عياد، ونسلمك مفاتيح السيارة.
السيارة،السيارة، السيارة. جواد العصر الحديث، المصنوع من اسلاك وصفائح من حديد. رمز القوة والسرعة والحياة المرفهة الباذخة. كيف لا تطير فرحا وانت تجد نفسك موعودا بامتطاء احد ابهى واجمل السيارات، تطوف بها المدينة، وتنتقل بها من مكان الى آخر، كما يفعل اسياد هذه البلاد. كنت تظن منذ ان بدأت التدريب على القيادة، انها مهمة ضمن مهماتك العسكرية، ستؤديها اثناء الحرب وانت تقود سيارة عسكرية تشارك في القتال، وها انت تعرف الان، ان الامر يختلف، وان السيارة التي ستقودها بعد ايام، ستكون سيارة مدنية، من سيرات حاكم البلاد، الذي لا يجوز لاحد ان يملك سيارة افخم او اجمل من سياراته، تؤدي بها بعض المهمات للسنيورة حورية، وما تبقى من الوقت، فهي لك، تتجول بها حيث تشاء، دون ان يجرؤ احد على ايقافك، او مساءلتك، او تغريمك عند ارتكاب المخالفات.
كتمت خبر المهمة التي تقوم بها خارج المعسكر ولم تخبر بها احدا من رفاقك المجندين بمن فيهم صاحبك سالم الذي لم تنتظر حتى مجيء المساء للقائه، وانما اخترت موعد الغذاء لتبليغه بانك رفعت شكوى المجندين الليبيين لاعلى سلطة في البلاد. انتحيت به جانبا قبل دخولكما الى قاعة الطعام، واخبرته بان انبعات المقاومة الشعبية من جديد ليس الا حلما يداعب قلوب بعض الناس، وما ان سمعوا بان بدويا اطلق النار على بدوي آخر يعمل حارسا للمناطق الحدودية، حتى اعتبروه ميلادا جديدا لكتائب عمر المختار.
- فلتفرح اذا اردت الفرح، لان الايطاليين لن يأخذوك الى حرب في الجبل الاخضر، ضد مجاهدين لا وجود لهم.
- وهل تصدق ما قالوه لك؟
- وماهو السبب الذي يرغم الحاكم العام لليبيا على الكذب؟
- وهل هناك اكذب من هؤلاء الحكام؟
- اسكت ولا تلقي بنفسك الى التهلكة. اطمئن. انه صادق مائة في المائة، ولعلك غاضب لانه اضاع عليك فرصة ان تعيد للحياة العمل البطولي لرمضان السويحلي في القرضابية.
كنت تريده ان ينقل فحوى هذا الكلام الى بعض المجندين، كما ستحاول انت ايضا نقله الى بعضهم، عند الانضمام اليهم في المطعم، ولكنك رأيت فور جلوسك على طاولة الاكل، الشاويش عنتر يقف وسط القاعة، ويطلب من الموجودين الهدوء والاستماع الى ما يريد ان يقوله، وهو انه لا صحة للشائعات التي تقول بانكم ستذهبون الى الجبل الاخضر، لمحاربة المتمردين، لانه لا وجود لمثل هذا التمرد الا في اذهان االحاقدين والموتورين مما يسود المجتمع من هناء وامان وسلام، والصحيح، انهم سيختارون كل يوم، فرقة تذهب الى جبل غريان، للتمرين على حرب الجبال، وستعود في نفس اليوم لتنام في المعسكر.
اشاع هذا الكلام القادم من مصدر رسمي، جوا من الطمأنينة بين المجندين، الذين انطلقت من صفوفهم كلمات الاستحسان وعبارة الحمد الله، وحدث اثناء جلوسك بجوار سالم، وانتما تتناولان الغذاء وتغمسان الخبز في حساء الفاصوليا، ان سمعتما احد جنود المراسلة ينادي اسميكما عبر البوق، ويطلب منكما الاتجاه الى البوابة، فتركتما الاكل واندفعتما باتجاه صالة الزوار فقد عرفتما ان هناك زيارة تخصكما، حيث وجدتما عندما وصلتما الى هناك، حشدا من اهل القرية ينتظركما. نساء ورجال واطفال يزيد عددهم عن عشرة اشخاص، فقد جاءت امك تصطحب معها زوجها، وجاء والدك يصطحب زوجته واثنين من اولاده، كما جاء لزيارة سالم والده وعدد من اخوته واعمامه، يقودهم عبد المولى الشحاذ، وكانت تنتظرهم امام البوابة سيارة نصف نقل هي التي جاءوا متكدسين في صندوقها الخلفي، وهي التي ستعود بهم بعد انتهاء الزيارة، وكان والد سالم، مساهما دائما في قيادة الاناشيد والمدائح النبوية عند الاحتفالات بالمولد النبوي، ويحفظ بعض الايات والتعابير الدينية، ولذلك، فانه ما ان انتهت الاحضان والسلامات حتى رفع يديه بالدعاء، يطلب من الله ان يرعامكما ويحفظكما وينجيكما من المهالك والاخطار ويرد غربتكما في اقرب الاوقات ومن خلفه بقية الحشد يرددون بصوت يلونه الانفعال ويختلط بالنشيج والبكاء، وما لبث ان شارك في هذا الطقس كل من كان في الصالة من زوار ومجندين، واتخذ دعاء ابي سالم صفة الجمع بدلا من صفة المتنى، ليشمل بدعائه كل من سيذهب الى الحرب من الحاضرين، وانتهى الدعاء فسألكما ان نقترب منه، ووضع يدا على رأس ابنه، والاخرى فوق رأسك وصار يقرأ تعويذة "الحصن الحصين" قائلا لام سالم التي انهمت في البكاء بان هذه التعويذه ستتكفل بارجاع ابنها ورفيقه سالمين من الحرب، مما ساعد على تخفيف حدة البكاء لديها ولدى امك التى كانت تبكى باكثر حرقة من الجميع، بل بدا البشر على وجوه الجميع وكأن ما قاله الرجل من دعاء ستسجيب له المشيئة الاهية دون ابطاء.
انتهت الزيارة سريعا، وعاد الاهل الى التكدس في صندوق السيارة التي انطلقت بهم صوب قريتهم، بعد ان تركوا لكما زادا تسافرون به الى بر الاحباش، صرة من السويق، وجرة من القديد، وعلبة من كعك العيد.
رغم احساسك بالغبطة وانت تعانق امك واخويك وترتمي في احضان ابيك، فان الزيارة لم تترك أي اثر في نفسك، ولم توقظ لديك ما كنت تتوقعه من حنين الى عالم القرية ومرابع الطفولة والبراءة بها. جاءوا اثناء الزيارة على ذكر خالات وعمات واخوال واعمام يبعثون اليك بتحياتهم، فكنت تحس كانهم يتحدثون عن اشباح من ماض سحيق. وبدت القرية في ذهنك مكانا بعيدا، كأنك تركتها منذ عشرات السنين لا منذ اشهر مضت، حتى صارت صورتها، وذكريات الحياة التي عشتها فيها، وصورالبشر الذين خالطتهم وكبرت بينهم، تتلاشى في ذهنك حتى تكاد تنمحي.
ومع انقضاء ساعات النهار، واقتراب موعد النوم، لم يبق في رأسك شيئا من الزيارة، وعادت تحتله كلمات ماريو هذا الصباح ووعوده لك بمغامرة من مغامرات العمر كما يقول، ويبالغ في القول، بكلماته التي تقع في اذنيك موقعا غريبا نتيجة لهجته الجنوبية القوية:
- دوماني سينيور اوسمان، دوماني.
غدا هو موعد المغامرة النسائية التي يدعوك اليها ماريو، ويلح في الدعوة. انها ليست المرة الاولى، التي تقف فيها موقفا حائرا امام غواية الجنس. فقد حدث شيء مماثل اثناء عملك بدكانة الاحذية، عندما ارادت زبونة من نساء شارع سيدي عمران، غوايتك. اخبرتك دون مواربة بمهنتها، وعرضت عليك زيارتها، واحبت حذاء نسائيا معروضا بالدكان، ارادت ان تأخذه وتمنحك الثمن جنسا. استنكرت ما قالته واويت الى فراشك تلك الليلة وانت مسهد لا تعرف كيف تنام. كانت امرأة تتقن فنون الاغراء. جاءت الى الدكان ملفوفة في فراشيتها، كتلة من البياض، لا يظهر منها أي شيء، وجلست امامك على الكرسي الصغير الواطيء الذي لا مساند له، المعد للزبائن اثناء اخذ القياس لاحذيتهم وتجريبها، وكشفت امامك وجهها، الذي استخدمت في تزيينه كل فنون المكياج فبدا مثل وجوه العرائس، مغريا بالوانه الساطعة، ثم فتحت من تحت اللحاف عن صدرها وكشفت لك عن جمال واستدارة نهديها، وعندما رأتك ترتعش رهبة ودهشة مما سمعت ورأيت، سألتك وهي تضحك ان تلمسهما اذا اردت، لتعرف انهما ليسا وحشين صغيرين سيعضانك، وابدت استغرابها كيف لشاب في مثل عمرك ان يقاوم اغراء هذين النهدين، وعندما قدمت عرضها ورفضت، نهضت وغادرت الدكانة غاضبة، واثقة بانك مصاب بمرض ينتقص من رجولتك، بينما رأيت انت في امرأة سيدي عمران صورة مجسدة للشيطان الذي يفسد على الناس ايمانهم، ويقودهم عبر طريق الضلال الى ابواب الجحيم. لقد عشت قبل ان تخرج من القرية تجربة مريرة من هذ النوع، عندما استجبت لضعفك ازاء دعوة تلك الصبية السمراء، وجاء عقاب الله عاجلا لا آجلا، عندما افتضح امرك وخرجت من بلدتك مطرودا منبوذا ولا تريد لهذه الخطيئة ان تحدث مرة اخرى، ولا لمثل هذا العقاب ان يلاحقك في المكان الذي وجدت فيه ملاذ آمنا بعد ايام من العنث والعناء.
بقيت لزمن طويل، رغم الامتناع عن رتكاب الخطيئة، اسير تينك النهدين وسحرهما، ولم تعرف وسيلة اوطريقا لنسيان صاحبتهما، التي ظلت صورتها وهي مكشوفة الصدر، تدس عينيها الكحيلتين في وجهك، لا تفارقان ذاكرتك حتى هذا اليوم. انها لم تزرك بعد ذلك ابدا ولم تمنحك فرصة ثانية تختبر فيها قدراتك على مقاومة الغواية، وهاهو ماريو الذي يسميه اصحابه بالجاراج ماريو العجوز، يقدم لك عرضا شديد الاغراء، ويدعوك لان تشاركه احدى ولائم اللحم الابيض الايطالي، فما تراك قائل هذه المرة؟ تحفظك الديني وخوفك من عقاب الله في الدنيا والاخرى يمنعانك من ولوج هذاالطريق، الا انك، في دخيلة نفسك، تتمنى ان تجد شيخ دين، متفتح المدارك، يقدر ظروف شاب في مثل سنك، وصل سن البلوغ منذ عشرة اعوام، والرغبة تتدفق في شرايينه حارقة مؤلمة كلما راى خيال امرأة امامه وليس بامكانه الزواج، وهو يتمزق بين ضميره الديني وصراخ الدم في عروفه، لا يمكن لمثل هذا الشيخ ان يفشل في العثور على حل لمثل هذه الحالة الشائكة، التي كان السلف الصالح، في اوج ازدهار الدولة الاسلامية يعالجها بنظام الجواري وما ملكت ايمانكم، اما في العصور الحديثه فقد سمعت انه يكفي، وانت تلتقي بالمرأة الطارئة، العابرة، التي تريد ان تعاشرها معاشرة جنسية ليوم او يومين فقط، ان تضع يدك في يدها وتقرأ سورة الفاتحة بنية العقد عليها وتعطيها جزءا من اجرها فيما يمكن اعتباره مقدم الصداق، لتصبح المعاشرة بالتالي حلالا، ثم تعطيها، بعد ان تفرغ منها، مؤخر صداقها وتعتبرها طالقا. هل يمكن ان يكون الحل سهلا وميسورا الى هذا الحد، الا يبدو التلاعب واضحا في مثل هذا الفعل من افعال المتاجرة بالجنس. استيقظت من نومك وذهبت للقاء ماريو، دون ان تصل الى قرار. سألك اثناء التدريب ان تنتبه جيدا للدرس، لانه سيعطيك في حصة واحدة مايجب ان تأخذه في ثلاث حصص، لتكريس بقية الوقت للمتعة والترفيه عن النفس، فقد واعد امرأتين من الغجر الايطاليين، ليأخذهما بعد ساعتين من منطقة بورتا بينيتو، القريبة من البوسكو اوالغابة، ليدخل بهما الى دغل آمن سبق ان ذهب اليه ماريو في مغامرة سالفة ووجده انسب مكان لمثل هذه النزهة، فهو بعيد عن الطرقات والمسارب التي تشق الغابة، ولا تسطيع دخوله الا مثل هذه السيارة العسكرية ذات الدفع الرباعي. لم تعار ضه ولم توافقه، ولم تقل شيئا عندما انهى حصة التدريب واندفع مسرعا باتجاه المكان الذي واعد فيه المرأتين. وفي الطريق اليهما وقف امام متجر للخمور، واشترى زجاجة نبيذ احمر، دون ان ترى حاجة لان تبدي اعتراضا، كل ما في الامر انك لا تستطيع مشاركته اياه، فهو له دينه، وانت لك دينك، وفي ركن منزو من شارع خلفي، غارق في ظلال الاشجار، وجدتما المرأتين تنتظران. لم تتبين ملامحهما نتيجة كثافة الظل، وسألهما ماريو فور ركوبهما في الكرسي الخلفي ان يدسا جسميهما بين الكراسي كي لا يراهما احد، حتى يدخل بهما الغابة، وسلمت انت امرك لما يجري، تاركا نفسك لما يمليه الموقف، بلا تعليق ولا تفكير، ولا شعور بالاثارة كما يحدث مع ماريو، الذي تزداد ابتسامته اتساعا، وكلماته سرعة وانفعالا، وهو يقود السيارة داخل الغابة، ثم سار عبر طريق مترب متعرج الى الركن الظليل، الذي تتشابك فيه الاغصان وتصنع مظلة تحميكم من اعين المتطفلين.
اوقف السيارة واخرج من خلف الكراسي طاولة مطوية ومجموعة من الكراسي الخشبية المطوية هي الاخرى، صار يفردها ويعد المكان لجلسة اللهو والمؤانسة تحت هذه الخميلة، ويحضر اكوابا للنبيذ وصحنا وضع فيه شرائح جبن ولانشيون وحبات زيتون، قبل ان يجلس ويدعوهما للجلوس والمشاركة في الشراب والطعام، الا ان الشيء الذي افسد خطته هو خوف المرأتين من حراس الغابات، ولهذا فهما تريدان اتمام المهمة بسرعة قبل حدوث أي شيء طارىء يقلب اللهو غما، ثم يمكن ان نتفرغ في رأيهما للشراب والاكل والدردشة بعد ذلك، وهذا عكس نظرية ماريو الذي يريد ان يبدأ بجلسة تعارف تخلق جوا من المودة والالفة تساعد بعد ذلك في العبور للحظة الجنس باعتبارها تكملة لما سبق، المشكلة كما فهمت من ماريو انهما لم تألفا الحياة في طرابلس فهما حديثا عهد بالبلاد، لم يمض على وصولهما غير بضعة اسابيع، لم تكن كافية لخلق علاقات مع ضباط الشرطة لحمايتهما كما تفعل نساء اخريات، ولذلك فهن يمضيان في ممارسة هذه المحنة دون حماية، كما انهن يتكلمان الايطالية بلهجة القبيلة الغجرية التي ينتميان اليها، والتي كان ماريو نفسه يجد صعوبة في فهمها، ولعلهما يجدان بالتالي صعوبة في التواصل حتى مع ابناء قومهما الطليان، مما اضاف الى طابع الخوف والحذر في شخصيتهما، ولم يملك ماريو في النهاية الا ان يستجيب لطلبهما بضرورة ان يكون الجنس اولا، وان يتخلى عن النظرية التي يؤمن بها في ان الجنس يأتي آخرا.
تحرر ماريو بسرعة من ملابسه وبقى عاريا ويحاول تعرية احدى الغجريتين ويسألك ان تفعل مثله. هربت من منظر الرجل العاري، الى اعماق الدغل، تتبعك المرأة الاخرى، حيث وجدت نفسك تتقلب معها فوق فراش من العشب الاخضر. انهمكت في لعبة الجنس، دون ان تسأل نفسك عن الخطأ والصواب او عن الحلال والحرام او عن الثواب والعقاب، فهي المرة الاولى في حياتك التي تمارس فيها العملية الجنسية كاملة، لان ما قمت به مع عزيزة كان لعبا بجسمها العاري تنتهي عند المفاخدة. لم تكن تعلم سبب اندهاش المرأة الخجرية وهي تراك لا تنتهي من ممارسة الا لتبدأ ممارسة اخرى، وكررتها كثيرا حتى وصلت عشر مرات، احسست بعد ذلك بالانهاك، فارتميت على ظهرك عاريا فوق الارض العارية الا من غطاء العشب، وقد تبعثرت اطرافك في كل اتجاه، كأن هاتين الساقين وهاتين القدمين وهاتين الذراعين وهاتين اليدين، مفصولة عنك، ومفكوكة من بعضها البعض. ونهضت الفتاة الغجرية تمسح اطرافها بمنديل اخرجته من حقيبتها، وتعيد ارتداء تنورتها وقميصها وسترتها، وتنادي باعلى صوتها على صاحبتها، وتبلغها العجب الذي رأته، وكأنها تعرضت لفعل من افعال السحر مارسه عليها مشعوذ شرقي، وظلت حتى بعد ان تحركت بكم السيارة تتحدث بدهشة واستغراب، وتقول لزميلتها بان عدد الممارسات بلغت رقما قياسيا، وانها لو لم تنسحب من تحتك لما توقفت عن ممارسة الجنس معها، واعتبرت ان ذلك شيء خارق للمألوف، لم تشاهد له مثيلا، بينما كنت انت تظن ان هذا هو الامر الطبيعي فقد تصرفت بعفوية دون ان تتعمد المبالغة اوالقيام بعمل من اعمال الفحولة الجنسية لظنك ان هذا هو ما يفعله كل الناس، الان فقط، وبعد ما سمعته من كلامها، صرت تدرك ان ما فعلته كان حالة خاصة، ولحظة تفجر لطاقة انحبست لاكثر من عشر سنوات منذ وصلت سن البلوغ، وكأنك اردت في ساعة واحدة تعويض كل هذه السنوات من الحرمان والكبت الجنسي.
لم تجد الغجرية الثانية فيما قالته زميلتها الا فرصة للمطالبة باجر مضاعف لما تقاضتة مقدما، حسب الاتفاق مع ماريو، لان هذا الاتفاق لم يكن يعمل حسابا لهذا العدد الكبير من الممارسات الجنسية، وبدلا من ان ياتي الاعتراض مني او من ماريو، جاء من المرأة نفسها التي اعترفت بانها حصلت على اجرها متعة خالصة لم تحصل عليها من مضاجعات سابقة، اما ماريو، فلم يكن ممكنا، لرجل ثرثار، محب للمزاح والتنكيت مثل ماريو، ان يترك فرصة كهذه دون ان يتخذها مناسبة للتعليق:
- انني لا اصدق ان يفعل أي رجل ما فعلت. هل صحيح ما قالته ماريا عن هذا الرقم القياسي الذي يزيد عن عشر مرات. انه مستحيل. انني بكل ما احمله من شبق، احتاج لشهر كامل كي افعل ما فعلته انت في ساعة واحدة. هل انت بشر من لحم ودم مثلنا. لا، لا انت بالتأكيد هو الجني الازرق نفسه.
وسعيا منك لتغيير الموضوع الذي اصابك بالحرج، اجبته قائلا:
- وهل للايطاليين الكفرة، معرفة بالجن حتى يمنحونهم الوانا زرقاء او غير زرقاء.
-ـ بمثل ما هناك الملاك الازرق مثلي انا، والذي كان موضوعا لاوبرا شهيرة، فان هناك الجني الازرق الذي هو انت، ثم تأتي وتدعي العفة والزهد في الاشياء، لا، لا، انك لست الجني الازرق، وانما الشيطان الاحمر، فهو اكثر خطورة، ديافلو روسو..
يتبع