استفتاء:

كيف يترجم الشاعر شاعرا

بول شاوول:

الترجمة قبل كل شيء لقاء مخيلتين

يكاد أن يُجمع جل المترجمين العرب على مقولة صلاح الصفدي، كما وردت في كشكول العاملي: "للترجمة في النقل طريقتان إحداهما أن يُنظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات الأجنبية وما تدل عليه من المعنى فيأتي الناقل بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه... الطريق الثاني: أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويُعبّر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها".
بصفتك شاعراً ومترجماً في آن:
أولاً: أتعتقد أن هناك طريقة ثالثة، ما هي، وأيّة هي الأفضل في نظرك، لإنْجاز ترجمة ناجحة؟

ان ترجمة الشعر ابعد من ثنائية الترجمة الحرفية و الترجمة المعنوية لان المهم في القصيدة ان يتمكن المترجم من كشف اللعبة الشعرية، فكل قصيدة تقوم على حيلة شعرية ما او لعبة ابعد من الاسلوب وهذه اللعبة يكتشفها الشعراء لانها ترتبط بخبراتهم الطويلة ويكتشفها ذوو الثقافة الشعرية الواسعة لان الشعر عندما يترجم، يجب ان يترجمه شاعر، تمامًا كالمسرح يجب ان يترجمه مسرحي، لان الشاعر يستطيع ان يتلمس عمق خلفية هذه الحيلة.
لانه اذا لم يتمكن المترجم سواء اتبع المنهج الحرفي او اتبع المنهج المعنوي من كشف هذه الحيلة اما في الاولى فيترجم بدقة ويقتل الروح او في الثانية يترجم المعنى دون ان يتمكن من كشف تلك اللعبة الشعرية.
فالترجمة هي في النهاية قبل كل شيء لقاء مخيلتين، مخيلة النص ومخيلة الشاعر والترجمة ليست مسألة موضوعية بالمعنى العلمي والمعنى الحيادي، انها مسألة تخضع اولًا للزمن وثانيًا لمزاج الشاعر و للغة الشعر، مثلًا ترجمة شكسبير في القرن الرابع عشر في فرنسا تختلف عن ترجمة شكسبير في فرنسا في القرن العشرين، فالترجمة تخضع للغة و تطور المجتمع و العلم والصناعة والنقد والشعر والمسرح.
فالقصيدة السريالية مثلًا تقوم على الكتابة الالية الاتوماتيكية وتقوم على الجمع بين العناصر المتباعدة التي لا تلتقي، تقوم على التفجير الخيالي واللغوي وتفجير اللاوعي، فاذا كان الشاعر غير ملم بالروح السريالية لا يمكنه ان يترجم قصيدة سريالية، وهنا يجب ان يفتش على المترجم ان يفتش عن اللعبة الشعرية لاستيعاب لعبة القصيدة، لان الشعر ليس تجربة افكار فقط بل تجربة ايحاءات، فبول برلن مثلًا لم يستعمل لعبة معاني او لعبة الصور بل استعمل لعبة الموسيقى، فيجب على المترجم ان يركز على الجانب الموسيقي الذي يكون المناخ ولا يشرحه، وعند رامبو العكس الصورة تكوّن العنصر الرمزي في القصيدة.
وبسبب عدم فهم اللعبة الشعرية قام بعض المترجمين بترجمة القصائد بنقيضها، وهناك من ترجم قصائد بالغة الدقة لكن بلا روح، الاخلاص في الترجمة عنصر ضروري لكن لا يكفي، وهناك من اوصل المعنى دون ان يوصل اللعبة الشعرية، وفي الطريقتين خيانة للشعر. واعود الى السؤال و اقول بان الترجمة الحرفية والمعنوية يشكلان مرحلة من مراحل الترجمة و لا يؤديان الى الترجمة التي تنقل الشعر.
ثانياً: ألا تعتقد أن ترجمتك لشاعر ما قد تؤثر على قولك الشعري diction، ثم ألا تخشى أن يؤثر الإكثارُ من الترجمة في أسلوبك الخاص؟
انا شخصيًا اكره ان يكون عندي اسلوب خاص، لان كلمة اسلوب تعني الخضوع لكتابة واحدة كل الحياة، فاسلوبي الخاص هو ان ابحث عن اسلوبي دائمًا وان اتجاوز كل ما اصل اليه من طرق تعبير للوصول الى المجهول، اسلوبي الخاص هو امامي وليس ورائي، فمن هذا المعنى انا لا اخشى على اسلوبي اذا اكثرت من الترجمة، وانا ترجمت حوالي 7000 قصيدة واخشى على اسلوبي ان يبقى كما هو، والمهم ليس الاسلوب بل المهم كيف تجعل من التاثرات والترجمات جزءًا عضويًا منك وليس جزءًا من قصيدتك، وكلما كثرت ابائنا اي القراءات والترجمات كثرت ولاداتنا،
والذين يقولون انهم بلا اباء و طلعوا من العدم يتكلمون في ما يعرفونه ويكذبون على انفسهم و على الناس، انا اكثرت من الترجمة فاعطاني هذا تنوع في اللغات والاداءات الكتابية وتنوع في الانفتاح على كل ما هو جديد، وهذا ما اجعلني ان لا ابقى اسير اسلوب التجربة الشعرية كما وقع الكثيرون فظلوا يكتبون قصيدة واحدة كل حياتهم فلم يقعوا فقط في فخ الاسلوب بل وقعوا في الاسلوبية وفي الاسلوبية موت الشعر، وهناك شعراء كبار وقعوا في الاسلوبية فارتطموا في الجدران ووصلوا الى الطريق المسدود ومنهم الشاعر الكبير اندريه دو بوشيه و سعيد عقل الذي يكتب قصيدة واحدة منذ 50 سنة.

ثالثاً: يقيناً أنك تترجم شعرَ الآخر لإفادة القارئ العربي، لكن هل ثمة دافعٌ (شخصي- شعري) غير هذه الخدمة الثقافية، يدفعك إلى ترجمة هذا الشاعر وليس ذاك؟
الترجمة بالنسبة الي شغف شعري كما الكتابة، تحمل قيمة مجانية و جزء من تعبدي للشعر، وعندما اترجم شعراء كبارا احس وكأني ارسل اليهم بطاقة شكر، لانهم ساهموا في تكوين شخصيتي الشعرية لان الموهبة الشعرية بحاجة لهذا الصقل، واخيرا عندما اترجم احس وكأني اقدم شيئا مني للقارئ العربي. انا اترجم كما اكتب الشعر وتأتي الترجمة وتأتي نظرية الترجمة بعد الترجمة وليس قبلها لان كل قصيدة لها لعبتها وليس هناك قواعد جاهزة للترجمة الشعرية، وكل قصيدة لها منطقها ويجب ان تخضع لهذا المنطق لدى ترجمتها.
رابعاً: كيف تأتي إلى الشِّعر المراد ترجمته- هل تستفيد مِمّا كتب من دراسات عن هذا الشِّعر وصاحبه؟
انا لااقرأ شيئا من الدراسات حول الشاعر فكل ما يهمني النص فهو الاساس فليبقى النص مفتوحا على ذاته و مجردا من العوامل الزمنية و المكانية حتى لا تؤثر المعلومات في قراءة الشعر، و ينبغي ان ننزع كل الامور التي تجعل الشعر جاهزا.

خامساً: كتب عبد القادر الجنابي في العدد الثاني (2001) من مجلته "أرابويتيكا" الفرنسية ما يلي "الشِّعر العربي المعاصر مدين إلى ما تراءى من نماذج عبر ترجمات مجلة "شعر" أكثر مِمّا هو مدين للإنتاج الأدبي العربي الحديث نفسه"... ما رأيك في هذا التصريح؟
لا اوافق اخي وصديقي الجنابي على هذا لان مجلة شعر كانت محدودة الانتشار والتجارب و لم تكن تملك خطة، الا ان الشعر العربي عرف الترجمة منذ القرن التاسع عشر، فكل الشعراء الذين سبقوا مجلة شعر تاثروا بالترجمات او بالادب الفرنسي، فسعيد عقل تاثر بفاليري، وأمين نخلة تاثر ببودلير، وخليل مطران ترجم في الثلاثينات مسرحيات شكسبير و موليير، و الياس فياض ترجم لامارتين، مجلة شعر ومجلة حوار لعبتا دورا في بلبلة المفاهيم القديمة.
ومقابل مجلة شعر وجدت مجلة الاداب التي قدمت الكثير من الترجمات وخاصة شعر التفعيلة. ويبقى في الاخير ان الموضوع كثير التشعب وممزوج.

يتبع

1- سهيل نجم: ترجمة الشعر بين الاستحالة والأثر

2- سركون بولص: الترجمة الشعرية وسحر الإيصال

إسكندر حبش: هناك طريقة روبان الثالثة

سلمان مصالحة: لماذا التّرجمة، وكيف؟

د. صلاح نيازي: كلّ نصّ متميز ترجمة خاصّة مفصّلة عليه

صبري يوسف: ترجمة الشِّعر خيانة لذيذة

عقل عويط: لا مفرّ من استضافة الأنهر والضفاف المترجمة


هاتف جنابي: الترجمة بين الأمس واليوم أي: بين الشفة والمشفر


هنري زغيب: ساعَدت الترجمة على صقلِ أسلوبِيَ الخاص