يطول الحديث في ملامح التشابه أو التطابق بين الداعشتين؛ فهما تمتحان من نفس البئر، بئر الدين بعد أن لوثتاه بالسياسة،والمصالح الخاصة! الفرق الخفي والواضح بنفس الوقت أن أصحاب داعش باسم الشيعة جرعوا داعشهم للعراقيين على شكل جرعات ودفعات، وعلى مدى سنوات طويلة عسيرة فلم يحسوا بهول صدمة الدمار والانهيار الذي حدث، بل كادوا يتقبلونها بقوة العادة، بينما داعش باسم السنة قدمت نفسها دفعة واحدة فكانت الصدمة هائلة مدوية مروعة!

كما أن داعش باسم السنة أتت كتلة واحدة وبهيئة العصابة المشردة الرثة والملابس السوداء القذرة تفوح منها رائحة الدم البشري المسفوح للتو، بينما داعش باسم الشيعة تعمل خلف مكاتب فخمة، ممسكة بخيلاء آلة الدولة الغنية، ترافقها عصابات متهتكة مسعورة تثقب الرؤوس بالدريلات، أو تقتل بخسة وجبن كاتم الصوت!

لقد تجرع الناس سموم داعش باسم الشيعة تحت طائلة أن من يرفضها هو بعثي صدامي مجرم بالإرث العفلقي أو ارث معاوية ويزيد! بينما داعش باسم السنة تريد ان تجرع الناس سمومها تحت طائلة أن من يرفضها؛ يرفض الله ورسوله والإسلام، وهو كافر يجب أن يقطع رأسه على الفور ، والنتيجة كانت واحدة ، سحق روح الإنسان العراقي ومنجزاته، وتشويه عقله وضميره،وتدمير كل ما تبقى من بناء حضاري في العراق، وردم كل ينبوع للعلم والفن والإبداع!

داعش باسم السنة متحجرة الذهن،لا تقبل بالآخر، ولا تقر بالحوار، ولا تعرف التسامح!وداعش باسم الشيعة حتى اليوم ومن ( 1400)عام لم تغادر سقيفة بني ساعدة، ولا تريد التسامح، ما تزال تحمل الحقد والعداء لطائفة تشكل أكثر من

(90%) من المسلمين في العالم، وخير رمز عندها من التاريخ هو"مختار العصر" ،وهي لا تعرف من هو ، لا تعرف أن الثقفي انتهازي دجال أطلق كذبا صيحة " يا لثارات الحسين" وأثار الأحقاد والفتن حتى قتل على يد حاكم لعب معه وعليه! وهي اليوم لا تقبل بالآخر،انقلبت حتى على الوزراء والشركاء الذين حاولوا العمل معها، ولم تقبل بهم إلا ديكورا لحكمها، وعندما تململوا؛ لفقت لهم تهما وطاردتهم حتى أشعلت الفتنة كلها!

&

داعش باسم السنة تحصل على تمويلها من أعمال السلب والنهب وفرض الأتاوات على التجار والمقاولين، ومن سرقة أموال الدولة وحماية الفاسدين لقاء عمولات وفق قاعدة أن الإرهابي شقيق الفاسد،وتتناهب الناس هواجس عن منشأها وتمويلها،فمن قائل أنها صنيعة إيران والمخابرات السورية و أمريكا، وآخرون يقولون بل قطر والسعودية،وتركيا، وداعش باسم الشيعة لا يختلف اثنان في كونها إيرانية الميلاد والهوى، وهي الآن بيدها خزينة الدولة تتصرف بها كيف تشاء، وكم وزيراً منها

سرق المليارات المخصصة للكهرباء ، وللحصة التموينية للفقراء والتجارة والدفاع والخدمات وغيرها وهرب بها مثلما هرب وزراء ومسؤولون سنة بأموال طائلة أيضاً، كثيرون من الفاسدين من الطائفتين صاروا مليارديرية من نعم الداعشية!

داعش باسم السنة؛ تمارس الإرهاب مستندة على ما سميت بآيات السيف، وأبرزها (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله) (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب !) ولكن ماذا في كتب وكراريس داعش باسم الشيعة؟ أليست هي الآيات نفسها؟ هل أيدلوجيتها علمانية؟ لبرالية؟ ماركسية؟ هل الدولة في يدها مدنية أم دينية؟ أليس هو فكر حزب الدعوة الأكثر نفوذا،والحاكم عبر رئيسه نوري المالكي؟ كعك من نفس العجين، تسمم به الناس على مدى أحد عشر عاما، ولا يعرف إلى متى سيستمر غذاءً يوميا للناس!

كلاهما من نفس طينة الإسلام السياسي، التي عفا عليها الزمن وفاتها قطار العالم منذ عهد بعيد، وبعبارة أخرى هما تعيشان على تلال من الخرافات والأساطير وصنوف الشعوذة فقط باختلاف بعض الأسماء! ولا يمكن لمجتمع يربى على خرافات وأساطير وبدع وأكاذيب، إلا أن يتقبل ويؤمن بخرافات داعش لأخرى! فعندما تجري وزارة التعليم العالي حفلات أداء القسم لطلبة الطب والصيدلة وغيرهما في الحسينيات،لا يبدو مستغربا أن داعش الأخرى تفتح دورات التداوي بالقرآن في مساجد الموصل، لا يمكن للخرافة أن تكون صحيحة هنا، وكذبة هناك، ولا الشعوذة صائبة هنا، وخطأ هناك، والإسلام السياسي مقبول هنا ،ومرفوض هناك، بينما جميعها لا تنتج سوى التكفير والكراهية والحقد والإرهاب الذي سيطال أتباع الديانات لأخرى كنتيجة طبيعية تلقائية ومن أصحاب كلا الخرافتين!

داعش باسم السنة تمارس إرهاب العصابات قتلت مئات الآلاف من الشيعة الأبرياء وهم في بيوتهم وأسواقهم وأماكن عبادتهم،وتقتل اليوم وتهجر المسيحيين والإيزيدين من بيوتهم ومدنهم.

داعش باسم الشيعة تمارس إرهاب الدولة فتغير بالطائرات والمدافع وبنادق الجنود المنظمين على الناس دون تمييز بينهم والمسلحين في الفلوجة والرمادي والموصل،ناشرة المليشيات والفرق الإيرانية وحزب الله بمنتهى السفور والاستهتار

وفي سجونها السرية تجري إعدامات يومية دون أحكام مصادق عليها،ودون محاكمات، وترتب عمليات قتل السجناء عند نقلهم بمسرحيات دموية حيث ترتب مهاجمتهم بالرصاص من مليشيات إيرانية، وتغتصب النساء ( في سجن واحد اغتصبت أكثر من ثلاثة آلاف امرأة أكثر من" 1800" منهن حملن ولا يعرف

مصير ما ولدن، مثل هذا ورد الكثير في ملفات لجنة التحقيق برئاسة حسين الشهرستاني لكن جرى التكتم عليها، ولم تنشر وحان اليوم أوان نشرها ،ورد الاعتبار للضحايا والاعتذار عنها كجزء من تصحيح الأوضاع!

داعش هنا وهناك تتشابها كفردتي الرحى، وهما لا تطحنان نفسيهما ، بل تطحنان جماجم العراقيين التي تقع بينهما!وغالبيتهم من الأبرياء من الطائفتين و من الطوائف والأديان الأخرى مسيحيين ومندائئيين وأزيديين!

قاسم أعظم مشترك بينهما: أن داعش باسم السنة أضرت بالسنة وطمست ما لديهم من حقوق منتهكة، وداعش باسم الشيعة أضرت بالشيعة، وأضاعت ما حصلوا عليه من حقوق، بل أدخلتهم في نفق مظلم لا تعرف نهايته!

لذا فإن استبدال المالكي بحيدر العبادي لن ينهي الدواعش، ولا يغير من الواقع السياسي ومعضلاته كثيرا، ما لم ينأى العبادي بنفسه عن فكر حزب الدعوة بكل تاريخه وعنعناته وجذوره الدينية والطائفية، ويركن لفكر حضاري إنساني جديد، ولنهج وطني ينبذ ويدين الطائفية! وهذا أمر صعب جدا، فالأمر لا يتعلق به وحده بل بمنظومة من العلاقات الداخلية والخارجية القديمة والمضافة، فهو قد نشأ وترعرع وجمد على فكر هذا الحزب ومناهجه الضيقة المتزمتة، وصار مدينا له بوصوله لموقعه.

ليس من قبيل التسرع في إطلاق الأحكام، أو التشاؤم القول أن توقع الأفضل من العبادي مع بقاء التشكيلة الحالية من الأشخاص ومناهج الحكم، هو ضرب من الأوهام!

ولا أستبعد ان يكون العبادي مجرد حلقة في التحول لفترة قصيرة جدا، قد لا تمتد لأشهر، حيث ستقف أمام الوضع العام تحديات واستحقاقات أخرى، إما أن يتطور نحو الأفضل فيأتي بقائد وطني اكثر عمقا وجدية في العمل على التغيير الحقيقي حين يتناول بالتعديل صيغة الدستور، وركائز العملية السياسية الحالية ويسقط عنها قدسيتها المزيفة الحالية، ويكون قادرا بإتلاف وطني واسع التصدي للدواعش وتصفيتهم هنا وهناك لدى الطائفتين، ويخرج بالبلاد من حقبة الحكم الديني الطائفي!

أو أن يدخل العراق في حرب طائفية طويلة الأمرد بين داعش باسم السنة، وداعش باسم الشيعة فيهرسون مئات الآلاف من البشر بينهما،ويزيدون البلاد انحطاطا وتدهورا!
&

الجزء الرابع