إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3105 السبت 21 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 5:03:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات>> الفن السابع   
    

الحلقة الخامسة من: خبز المدينة

GMT 13:30:00 2006 الأربعاء 15 مارس

أحمد إبراهيم الفقيه


الحلقة  الأولى   /   الثانية   /  الثالثة  /  الرابعة / 

لم تشأ ان تعطي اهمية لاندهاش المرأة الغجرية، او تعليقات ماريو الساخرة، او ترى في ذلك سببا للمباهاة بما اسمياه فحولة الرجل الشرقي، فانت واثق من انها لحظة استثنائية، املتها حالة الكبت والاحتقان التي عانت منها هذ الطاقة لاعوام طويلة. كنت قد استجبت لضعفك ذات مرة، واها انت مرة ثانية تجد نفسه مقذوفا في لجة اللذه المحرمة، بعد ان قهرت قوة الغريزة. لقد تقلبت ليال طويلة فوق فراش الجمر وانت تحارب هذا الضعف في نفسك. كنت تسمع همسات الشيطان كفحيح الافاعي في صدرك، وتطرد الشيطان وتصم اذنيك عن سماع همساته، وتنتصر عليه مرة وراء الاخرى، حتى جاء هذا الماريو اللعين، وجاءت هذه الرحلة الاثمة الى الغابة، لتنهار تلك المقاومة التي واجهت به ابليس نفسه، لان ماريو لم يكتف بالهمس والفحيح، وانم وضع امامك الانثى مسلحة بكل مباهجها ومفاتنها، جعلها متاحة لك، فقطع عليك طريق العودة، لكنه لن يقطع عليك طريق التوبة، فكما استطعت ان تنتشل نفسك من حالة الضعف في المرة المرة السابقة، فامكانك هذه المرة، رغم الخطيئة اكبر واسوأ، ان تنتشل نفسك من بؤرة السقوط التي وقعت فيها. ان ما يؤلمك الان، ويفسد عليك ما احسست به من متعة المغامرة ولذة الجنس، هو هذا الشعور بالاثم الذي لا يريد ان يزول او يتلاشى، بل يزداد ثقلا ورسوخا، ويجعلك تحس بانك مدنس بدنس لن يزول سريعا، لانك الان في مفترق الطرق، ترى في احدهما ان هذا الاحساس بالاثم والدنس هو ضمانتك للتوبة والعدول عن المضي في طريق الخطيئة، وترى في الثاني ان وحش الغريزة الذي استيقظ لديك بهذا العنف وهذه القوة، لن يبقى ساكنا ساكتا بعد اليوم، وسيحتاج الى طعام جديد على الدوام، ولعل الحل الامثل الذي يوحد هذين الطريقين في طريق واحد يحقق لك الامن والسلام هوالزواج، ففيه ارضا ء لوحش الغريزة بمثل مافيه العصمة من الجنس الحرام، وفيه، ربما، حل لمسألة ثالثة هو تعلقك المرضي بامراة رجل آخر هي ثريا، الا ان انخراطك ضمن هذا الجيش الذي يعدونه لحملة الحبشة يجعل من اختيار الزواج اختيارا مستحيلا في هذه الفترة، مما يترك المأزق قائمة والازمة التي تعاني منها مفتوحة على كل الاحتمالات.
 ومسرعا رجعت الى المعسكر، لكي تبحث عن طريقة تتحرر فيها، ولو قليلا، من عبء هذا الدنس. وضعت جسمك، فور وصولك، تحت رشاش الماء، تتطهر وتؤدي طقوس الاغتسال من الجنابة. امضيت وقتا طويلا تحت الماء، حتى طردت الادران التي خلفها التمرغ فوق ارض الغابة، ولكنك لم تشعر بانك نظيف من الدنس او تخلصت من الشعور بالاثم. انتهيت من الاغتسال والوضوء، فارتديت جلبابك، وشرعت في اداء الصلاة التي اطلت خلالها في التسبيح والاستغفار وقراء القرآن.
 كنت ترى في الحصص التي تأخذها مع ماريو، فضيلة واحدة، هي فضيلة اعفائك من طابور الصباح، ثم تدريجيا، ومع زيادة الحصص وتكثيفها التي جاءت اثر تعليمات جديدة لماريو بمضاعفة حصص التدريب اختصارا للوقت، ضهرت منفعة اخرى هي تحررك من مهمة جلد المجندين المذنبين، خاصة وان حالة التوتر التي استوجبت كثرة المتمردين وكثرة التذنيب، انتهت بوصول الاخبار التي تنفي أي احتمال لدخول المجندين في حرب ضد ابناء وطنهم، وبدأوا في المعسكر بتعودون على غيابك، وبالتالي يتخلون عن اسناد اية مهمات اليك داخل المعسكر، ثم جاءت الفضيلة الثالثة عندما بدأ ايقاظ المجندين قبيل الفجر، لأخذهم في رحلة كل يوم الى جبل غريان لتدريبهم على الحروب الجبلية، ومقابل هذه الفضائل الثلاث، ادخلتك حصص ماريو الى ارض الخطيئة الموحلة التي يصعب الخروج منها، ورغم هذا الاحساس الفادح بالاثم وقوة الوازع الديني، وجدت قوة الغريزة هي التي تكسب الجولة، وتجد نفسك تهفو لمعاودة التجربة، وتستجدي ماريو ان يرتب لكما مغامرة ثانية. لكنه وجد في هذا الاستجداء حافزا لابتزازك، ووسيلة لتحقيق رغبته في التعرف على امرأة من بني قومك، فهو يطالب بان تفي انت بحصتك من الصفقة، ورغم انك لم تكن وعدته بشيء، فقد اعتبر كلمة نعم التي قلتها له ردا على احدي ثرثراته حول هذا الموضوع، وعدا منك باحضارعاهرة عربية له. سحقا لكل هذه المباذل والبذاءات. لوكنت في وضع غير وضع الجندي الموفد للحرب، لوجدت الحل الذي يغنيك عن هذا كله، وكنت فعلا عائدا الى المدينة بعد هروبك منها بنية ان تطلب يد ثريا، لتجد انها قد اختفت في بيت رجل آخر، وتختفى انت ايضا في هذا النفق الذي سيمضي وقت طويل حتى يظهر الضوء في آخره، اذا ظهر على الاطلاق. ومع قوة الصدمة التي تلقيتها، ورد الفعل العنيف الذي اوصلك الى معسكر ابي مليانة، مازلت تشعر، بهذا الشعور الذي لا تملك له تفسيرا ولا تعليلا، وهو ان هذه المرأة خلقت لتكون امرأتك انت، لا احد غيرك، وطالما حدث ان ذهبت لهذا الرجل الذي تزوجها، فهو خطأ ستتكفل الايام القادمة بتصحيحه، وهذا الحدس او الاعتقاد هو ما يجعلك تترك كل المسالك الى بيتها مفتوحه وكل الخيوط بينك وبينها موصولة، ولعل واحدا من اسباب سعادتك بتعلم قيادة السيارة، هو انها ستوفر لك وسيلة للتواصل مع ثريا عندما تراك جالسا امام مقود السيارة، وتدعوها الى ان تركب السيارة بجوارك فتأتي مبهورة بما تراه، لتأخذها في نزهة بهذه الوسيلة الحديثة من وسيلة الموصلات في نزهة لم تنل مثلها الا المحظوظات من النساء، وتخطر على بالك الاغنية الجميلة، ذات الشعبية الساحقة، التي تغنيها هذه الايام ليليان اليهودية في اعراس طرابلس، والتي تقول:
طالعة في كسوة موره
جميلة وحلوة في الصوره
يا لو نعمل بيها دوره
حتى عمري نعطيه
الله، الله
حتى عمري نعطيه

 و ستكون هذه " الدورة " التي ستقوم بها رفقة ثريا، اجمل كثيرا مما تقترحه الاغنية، لانها ستكون داخل سيارة من احدث وارقى طراز، تحمل العلامة المميزة لحاكم البلاد.
 تذكرت انك لم تخبرها بتأجيل السفر الى الحبشة، فهي مازالت تعتقد ان رحيلك وزوجها فتحي قد تم في موعده، وانكما الان تقاتلان الاحباش بالنيابة عن الايطاليين في مجاهل القارة ورأيت ان شيئا كهذا ليس عدلا في حقها، وقررت ان تذهب في اقرب فرصة اليها، تطمئنها، وتبلغها بما حدث من تأجيل.
 ما ان رأتك واقفا خلف عتبة البيت، حتى علت وجهها علامات الدهشة، تسألك ان كانت هذه صورتك الحقيقية، ام صورة الشبح الذي يظهر بعد غياب صاحبه، لانها ظنت بانك الان منخرطا في حرب الاحباش. اخبرتها بانك شبح مسالم، لايريد ان يؤدي او يفزع احدا. فدعتك الى الدخول والجلوس بجوار والدها المريض، وبخلاف المرات السابقة عندما كانت تختفي في الغرف الداخلية، ظلت هذه المرة واقفة قريبا من الباب، تسأل عما حدث بشأن السفر الذي كان مقررا من أيام مضت للالتحاق بالحرب، وعمااذا كان زوجها لازال هو الاخر موجودا في طرابلس، فطمأنتها بان الجيش كله مازال موجودا كما كان، نتيجة لتأجيل السفر عدة اسابيع، وانهم مازالو يسمحون بزيارة المجندين، وان جعلوها تقتصر علي يومي الخميس والجمعة، وابديت استعدادك لمرافقة العائلة يوم الخميس القادم اذا شاءوا. كنت تقول هذا الكلام وانت تملأ بصرك من بهاء عينيها وجمال وجهها القمري الاستدارة، الذي تركته سافرا هذه المرة رغم وجود والدها، فقد صار طبيعيا ان تنظر لك الاسرة كأنك اخ اكبر لها، ولا ترى في ظهور ثريا امامك بوجه سافر شيئا يحمل اذنى شبهة لمخالفة الاصول اوالخروج عن قواعد الاحتشام. انك تحبها، ذلك الحب الذي يصبح معه نداء الغريزة، بكل حدته وقوته وسيطرته على الجوارح والاحاسيس، شيئا ضئيلا وهامشيا يمكن ان يتواري ويغيب في زخم هذا التواصل الجميل والحميم بين روح وروح، حيث يصير الحب اكبر من ان يكون موضوعا حسيا يقتصر فيه التخاطب على لغة الاجساد، ويصير مجاله الحيوي اوسع من تلك الدوائر المغماطيسية الي تصنعها مفاتن الجسد ورجولة الرجل وما يقع بينهما من شد وجذب. انك في شوق دائم لها، يزداد توقدا واشتعالا كلما رأيتها، وتتمنى حقا ان تضع رأسك فوق صدرها، او تضم بين ذراعيك جسمها وتمرغ وجهك في شعرها وتخلط انفاسك بانفاسها ولكنك لا تتصورها بطلة لنزهة جنسية في الغابة كما يمكن ان يحدث مع اية امرأة جميلة، مثيرة تقابلها، ولا ترضى لنفسك ان تفكر فيها كما تفكر في نساء ماريو العجوز، ولعل هذا الاحساس بتصعيد العاطفة نحوها الى ذراها الروحية هو الذي افادك وانت تتلبس دور الاخ الاكبر الذي اسندته اليك عائلتها. بدا الدور لائقا عليك، مقنعا حتى لغير افراد الاسرة، بما في ذلك الجار الذي يراك وانت تدخل البيت او تصطحب افراد الاسرة للقاء صهرهم، وابديت للاب ما تشعر به من اسى واسف لمرضه، واستعدادك الدائم لاداء اية خدمة يحتاجها ويمنعه المرض من القيام بها، فكان آخر هذه الخدمات التي طلبها منك، ان تأخذ مفتاح الدكان، لاحضار عدد من الاحذية النسائية والرجالية، تعرضها زوجته على نساء الجيران، لبيعها والاستعانة بثمنها على قضاء الاحتياجات اليومية لحياة العائلة، وكان هذا يزيد من تأكيد صورتك كفرد من افراد العائلة واخ اكبر للبنت واخيها. ثريا وحدها، من كان يعرف على وجه اليقين، حقيقة مشاعرك نحوها، ومدى حبك لها وهيامك بها، الذي لا تضعه الاعراف والنواميس في خانة المشاعر الاخوية التي يحملها الشقيق لشقيقته، غير انها لم تر شيئا في سلوكك يجعلها تخاصماك او تخشى على عفتها منك. بمعنى انه حب، ولم يكن بريئا، الا انه لا يشكل خطورة عليها، بل لعله، يرضي، بشكل من الاشكال، رغبة انثوية بان ترى حبها معكوسا في مرايا رجل مثلك.
 
 حدث ان جاء يوم الخميس والولد الصغير في المدرسة القرآنية، والام التي استعدت للذهبا مع ابنتها وجدت ان نوبة السعال اشتدت على الاب بحيث صار متعذرا انت تخرج الام وابنتها وتتركانه بمفرده. كان العدول عن الزيارة امرا محرجا، بعد ان جئت انت حسب الميعاد ومعك عربة الحنطور واقفةا مام البيت، وانتهى الرأي بالا تحرم الام ابنتها من زيارة زوجها الغائب خلف اسوار المعسكر والمتجه في اية لحظة الى ارض المعركة، وان تتركها تذهب صحبة الاخ الاكبر الذي هو انت.
 وجدت نفسك منفردا بها، داخل عربة الحنطور، فلم تشأ ان تنتهي هذه الفرصة بانتهاء الطريق الذي يقود الى المعسكر، وان تطيل عمر هذا اللقاء اكثر قليلا من هذه المسافة، فاستاذنتها في عدم الذهاب مباشر الى هناك حتى ينتهي الزحام الذي تصنعه الافواج الاولى من الزائرين، وقضاء هذه المدة تتنزهان في بعض الربوع الجميلة التي تزخر بها مدينة طرابلس. ولانه لم يكن ممكنا ان تذهب بها الى السينما، او الهبوط من العربة والتنزه في الحديقة العامة، او الجلوس بها في مقهى الميرامار او غيره من المقاهي، فقد بقيتما طوال النزهة في العربة، باعتبارها المكان الوحيد الامن، تقضيان فيها الزمن الذي يسبق الزيارة دون ازعاج، متجاوران فوق مقعد واحد، فيما يشبه الخلوة التي تتيحها لكما المظلة التي تغطي العربة وبعض الستائر على جوانبها، وقد اعطاكما الحوذي ظهره، منشغلا عنكما بقيادة عربته عبر شوارع المدينة المزدحمة بالسيارت والعربات، وربما كان الافضل لك ولها، ان تنسيها امر زيارة المعسكر هذا اليوم، وتبحث عن حيلة تجعلها تعدل عن زيارة زوجها، لانه لن يرتاح لمجيئها الى المعسكر بمفردها، وقد يبادر بسؤالها عمن جاء بها، فيفتح ذلك بابا لمتاعب وشكوك لا حاجة لاحد بها. لم تفصح لثريا عن شيء من هذه الرغبة، وامرت الحوذي ان يأخذكما الى طرابلس الحديثه، والتي درج الناس على تسميتها طرابلس الايطالية، الى اهم معالمها، قصر الحاكم الذي استوى منذ اشهر قليلة، مثالا للفخامة والبهاء، بابوابه العالية، وقبابة المذهبة، وقد احاطت به النوافير وجداول الماء والاشجار التي تأوي اليها الطيور وتضيف بغنائها المتواصل صوتا يختلط بالاصوت الاخرى التي تصنع صخب المدينة، وتمنح هذه الارض الخضراء التي تحيط بالقصر مساحة ضرورية تمليها هيبة السلطة وفضاء مزهرا مونقا، يظهر بهاء هذا القصر الذي امتزجت فيه قوة وكبرياء المعمار الروماني الامبراطوري، مع روحانية المعمار الشرقي وجمالياته، قبل ان تبرز من حوله الابنية الاخرى التي، وان كانت اقل فخامة وبذخا، الا انها ليست اقل جمالا واهتماما بروح البيئةالمحلية والوانها ومفرداتها في مجال المعمار والزخارف، مع انتشار اللون الاخضر حولها، وتركيز خاص على اشجار النخيل بما تمثلة من رمز للبيئة الشرقية البدوية، والتي تبدو اكثر جمالا واناقة في هذا الحي الايطالي مما هي عليه في الضواحي المأهولة باهل البلاد، وكانهم هنا يغسلون جذوعها وكرنافها وسعفها وجريدها بالماء والصابون كل صباح كما يفعلون مع الشوارع. كنت تشرح لثريا ما سمعته من ماريو، الذي اخبرك بان هناك فلسفة لدى المعماريين الايطاليين وهم يبنون هذه الاحياء الجديدة بالا تكون نقلا واستنساخا للطرازالايطالي، وانما استلهام لروح البيئة العربية الشرقية مع الاستفادة من تقنيات المعمار الايطالي، ليكون لطرابلس طابعا يختلف عن المدن الايطالية ولا يكرر عيوب المدن العربية، ويؤكدون على ضرورة انبعات مدرسة جديدة في المعمار تستفيد من الشرق والغرب، تبرهن لكل من يأتي زائرا لطرابلس على روح التجديد والابتكار لدى هؤلاء المهاجرين الرواد الذين يؤسسون لايطاليا وطنا جديدا وشاطئا رابعا لبلادهم. سارت بكما العربة عبر شارع الملك فيتوريو ايمانويل الثاني، وصولا الى ميدان الكاتدرائية، حيث يقف الزوار الى هذا المعلم المعماري الكبير يأخذون الصور لواجهة الكنيسة الحافلة بالنقوش والتصاوير، وقد تبدى الميدان صورة مصغرة للمجتمع الايطالي الذي لا تخالطه اية اخلاط ليبية محلية، اكتظت ارصفته بالموائد والكراسي التي اخرجتها المطاعم والمقاهي الكثيرة، تضج باصوات روادها الايطاليين من نساء ورجال وباعة متجولين ومصورين يحملون كمراتهم ويعرضون تصوير الناس وقد احضر بعضهم ديكورا لمن يريدالتصوير مع صورة ممثلة مشهورة اوفوق كرسي يشبه العرش، كما تعالت اصوات الموسيقى والغناء من دكاكين تبيع هذه الاغاني ومطاعم تستعمل اجواقا موسيقية للترفيه عن زبائنها، امااصحاب المتاجر التي تبيع الملابس اوالتحف اوالورود او الصحف او الحلويات فقد اخرجوا جزءا من بضاعتهم ووضعوها فوق مساند وطاولات وصناديق على الرصف تصنع زخما من الالوان والاشكال وتمنح المكان نكهة خصاة وطبيعة تختلف عن معظم الاحياء الاخرى. كان المشهد كله جديدا بالنسبة لثريا التي لم يسبق لها ان جاءت الى هذا الجزء من المدينة، فهو جزء يحتتكر الايطاليون ارتياده لانفسهم، ولا يأتيه العرب الا فيما ندر خوفا من المضايقات، فما بالك بامرأة صغيرة السن، امضت كل طفولتها داخل البيت بزنقة بنت البي، لا تغادره الا للعب في ذات الزنقة عندما كانت طفلة وعندما احتجبت لا تغادره الا الى دكان والدها وفي رحلات موسمية مع اهلها الى موطنهم الاصلي في تاجوراء، وبعد ان قمت بلفة ثالثة ورابعة في ميدان الكاتدرائية انتقلتم الى شارع الدوتشي، الذي كان اقل زحاما، فسألت الحوذي ان يقف امام كشك يبيع المرطبات فاشتريت لها كوبا من الجيلاتي الممزوج باللوز والفستق، وعدد من اصابع الشيكولاته، واشتريت لنفسك وللسائق قنينتي رنجاته، ودفعت النقود للبائع وانت سعيد، لانك اردت ان تحتفي بوجود ثريا معك، وجلوسها بجوارك فوق هذه المحفة، في رحلة اشبه بالحلم، بدا العالم خلالها مكانا مبهجا، يصاعد منه ايقاع جميل، تصنعه دقات حوافر الجواد فوق الاسلفت وشنشنة اجراس الزينة المعلقة بالعربة، وضجيج الحياة في هذه الشوارع والميادين، مختلطا ومنسجما مع ايقاع القلب في اكثر حالته اثارة وانفعالا وطربا. كل شي امام ناظريك يكتسي بلون الفرح، وكل شيء حولك يتكلم لغة الفرح، وقد اختفت من عقلك وقلبك كل مصادر الكدر والازعاج بما في ذلك حياتك داخل المعسكر واحاديث الحرب وطقوس التأنيب والتعذيب ما مضى منها وما سيأتي، فلا تذكر شيئا ولا تستحضر ف يذهنك احدا، غير هذه المرأة، ولا ترى ان للحياة ماضيا او مستقبلا، غير هذه اللحظة المبهجة. لم تكن متعة ثريا وهي تلعق الجيلاتي، باقل من متعتك وانت تراقبها وهي تفعل ذلك بنهم وفرح، متوردة الشفتين، متوردة الوجنتين، في اطار تصنعه لها فراشيتها البيضاء، والدهشة لا تفارق هذه الوجه الذي تضيئه مشاعر الاثارة والفرح، والذي يفيض عذوبة وبراءة تملك عليك مجامع قلبك، خاصة عندما تنظر في عينيها العسليتين، فتحس كان لهما اشعاعا يخترق الضلوع ويحرق قلب القلب بناره المباركة وعذابه اللذيذ، وتصدر عنها بين لحظة واخرى تعليقات سريعة تعبر عن هذه اللدهشة التي تغطي ملامحها، بصوتها المخملي، ولهجتها الطرابلسية التي تقطر حلاوة وعذوبة، التي تستقر في اسماعك كعزف الة الناي.
- يا ربي يا مولاي، هل هذه طرابلس حقا ام مدينة اخرى هبطت من السماء. هل هذا حلم ام علم؟
 كانت عربة الحنطور مكانا مناسبا لامرأة مثلها، تستطيع بواسطتها ان ترى المدينة ومظاهر الحياة في احيائها الجديدة من مكان آمن، واثقة ان لا احد يستطيع ان يراها او يتعرف عليها، اذ انه ما كان لها ان تتجول على قدميها في هذا الجزء من المدينة وما كان لوسيلة اخرى مثل عربة الكارو المفتوحة التي يركبها الناس في الاحياء الشعبية ان توفر لها مثل هذا الموقع الامن، وهذه الوقاية من اعين الناس، بما لها من غطاء يسبل ستره على الراكب دون ان يحجب الرؤية امامه، وكانت ثريا ارضا للفضول التي تثيره المناظر الجديدة التي تراها لاول مرة تطل برأسها خارج اطار العربة، ثم تسحبه وتميل بكامل جسمها الى الوراء، وتسحب الرداء فوق وجهها، لحظة ان يتهيأ لها انها رأت رجلا عربيا وسط زحام هؤلاء الاجانب، خشية ان يكون هذاالرجل من معارف اهلها، رغم ان من تراهم وتظنهم عربا لم يكونوا في الغالب كذلك، لنذرة وجود هؤلاء العرب، ليس فقط لان الايطاليين لا يحبون ذلك، ولكن لان اهل البلاد انفسهم يتجنبون الاختلاط بهذه البيئة الغريبة عنهم، او الاختلاط بهؤلاء الايطاليين بما قد يتسبب في شجار تكون نتيجته السجن والضرب للعنصر الوطني، بينما يبقى الطرف الايطالي فوق الحساب والعقاب.
 وتتوالى عليكما المناظر التي تثير قهقهات ثريا، فهذه امرأة ايطالية بدينة جدا ترتدي قبعة كبيرة مرشوقة بالريش وتتطاير منها الاشرطة الملونة، تجرخلفها كلبا صغيرا في حجم الفأر، فتشير اليها ثريا تريدك ان تضحك مثلها، وهذا صبي مالطي يبيع البالونات وينادي عليها بلغته المالطية النتي هو خليط من العربية والايطالية المحرفة، يركب درجاته بمحاذاة عربة الحنطور التي تقلكما وقد تأرجحت فوق راسه اكوام من البلونات الملونة المنفخوة والمشدودة الى خيط في يده، يعرضها للمبيع ويدفع بها حتى تلامس وجهيكما، وتمران بمنظر النافورة التي تتوسط ميدان سيشيليا، والتي تـنبتق من م طبق تحمله جياد الاسطورة ذات الاجنحة التي تمتد عدة امتار في فضاء الميدان، ورغم انك تمر كل يوم بهذه النافورة وهذا التمثال، لانهما يقعان في مفترق الطريق بين المدينة القديمة والجديدة، الا انك لم تكن اقل اندهاشا من ثريا التي تشاهدهما لاول مرة، فقد بدت النافورة اكثر جمالا وجلالا واكبر حجما، كما بدت لك الجياد الحجرية كانها جياد حقيقية تستعد للانطلاق باجنحتها السحرية في فضاء الكون، ربما لانك ترى هذا المشهد صحبة ثريا، وتراه هذه المرة من موقع اعلى من موقعك وانت تمشي فوق الارض تدس رأسك في الارض خائفا من رذاذ الماء، فتظهر لك صورة جديدة، من زوايا مختلفة غير تلك التي كنت تراه عبرها. وثريا بجوارك، سعيدة بهذه النزهة غير المرتقبة، تضحك بسبب ودون سبب، سواء ظهر المنظرالذي يدعو الى ذلك اولم يظهر، وقد غاب عند ذهنها السبب الاساسي في هذه الرحلة فلم تأتي على ذكره او تحاول تنبيهك اليه، منهمكة تماما في مراقبة ما يتكشف لها من مشاهد ومناظر، لا تترك فرصة الا وتفصح عن سعادتها بما اتاحته لها هذه الرحلة من لحظات نادرة من الحرية والانطلاق.
 اكتست جدران الشوارع بالملصقات الكبيرة التي تعلن عن بضائع لا وجود لها في المدينة القديمة، انواع من العطور والخمور والسجاير وادوات التجميل، غير اعلانات الحفلات الموسيقية التي يقدمها مسرح الميرامار للايطاليين واعلانات الافلام، واخرى عن سباقات للسيارات واخرى للقوارب ومباريات رياضية واعلان عن مجلات ودورات للرقص والموسيقى تقدمها المنتديات الايطالية، كلها مكتوبة باللغة الايطالية ولكن الصور التي تصبحها وتشرح محتوايها تكفي الناظر عن قراءة اللغه وتغريه بالسعي ليكون واحدا من هذه الطبقة المحظوظة التي تقتني اوتستخدم او تمارس ما تدعو اليه هذه الاعلانات، كما ظهرت تصاويرهم وقد بلغوا ارقى شكل للكمال الانساني جمالا واناقة وصحة وعافية. وظهر امامكما فجأة اعلان كبيرة يمتد بعض الحائط فوق واجهة سينما الهامبرا، عن فيلم ايطالي يظهر فيه وجه البطل الشاب الوسيم، بشعره المتهدل فوق عينيه، وقد امال رأسه فوق وجه حبيبته الفاتنة، يهم بطبع قبلة فوق شفتيها اللتان كانتا في حالة استعداد لاستقبال قبلته. تأملتما سويا الصورة الموحية، وقد وقفت بكما العربة عندما منعطف يعود بكما الىطريق الكورنيش، الذي كان مشروعا يتعتر تحت حكم الولاةالسابقين لبالبو، لكنه عندما جاء، مصحوبا بميزانية ضخمة زوده بها الدوتشي، اسرع باتمامه ليتباهى به امام زواره من ابناء المدن الساحلية الاخرى، لما اضفاه من لمسات جمالية تمثلت في هذاالسور الجميل، ونضام الاضاءة الذي لا يظهر جماله الا ليلا، وما غرسه من شتلات النخيل على امتداد الكورنيش. جاءت انسام منعشة رطبة تضرب وجهيكما وتحمل اليكما رائحة البحر، وقد ظهرت امواجه وهي تتكسر على سور الكورنيش، فيتطاير رذاذها في الهواء، قبل ان تتراجع وهي تصنع خطوطا متعرجة بيضاء وسط المفازة الزرقاء، حيث لا شيء يظهر على مرمى البصر غير قوارب شراعية بعيده، تلوح كانها نقاط بيضاء فوق البساط الازرق الذي يربط كوكب الارض بعالم السماء.
 طرقع سوط الحوذي فوق رأس الحصان، عندما وجد نفسه وسط الطريق الواسع، المسفلت حديثا، الذي يبدو تحت انعكاس اشعة الشمس كانه شريط من المرايا السوداء، ومضى يعدو كنه واحد من جياد السباق، ورغم انه لم يكن هناك شيء يدعو للاستعجال فان عادة الحوذيين ان يفعلوا ذلك في الشوارع المسفلتة الفسيحة الخالية من زحمة المرور، لخلق نوع من الاثارة التي تسعد الراكبين معهم كما فهمت من احد هؤلاء الحوذيين، وبسبب الهزة التي حدثث لعربة الحنطور عند بداية انطلاق الجواد، اختل توازن المرأة التي بجوارك، ولم تنتبه الا وثريا تصبح في احضانك. اذهلتك المفاجأة عن نفسك، وكت دون تدبير ولا تفكير، وبطريقة عفوية املتها اللحظة ذاتها، احتويت جسمها بذراعيك، تهصر قدها وتلصق صدرها بصدرك لوهلة قصيرة وتستنشق عبير الـعـنبر فواحا يظهر من بين نهديها، قبل ان تنتبه هي لنفسها، فتستعيد توازنها، وتنتزع جسمها من جسمك عائدة الى مكانها.
 احسست في تلك اللحظة القصيرة، التي تشبه ومضة البرق، كأنك امتلكت الدنيا بكل كنوزها بين يديك، واغترفت جرعة من سحرها وجمال مباهجها، اشعرتك بالنشوة والتحقق والامتلاء، كأنك بلغت اقصى ما تشتهيه من هذه الحياة، الى حد اغمضت معه عينيك، بغية ان تقبض لاطول فترة ممكنة على هذه اللحظة الهاربة.
 اسرع الجواد يجر العربة عبر طريق الكورنيش، حتى تنتهي مناطق البناء والعمران، حيث ينفتح الافق على فضاء اخضر من المزارع والبساتين يجاور فضاء البحر، عند نطقة شط الهنشير. كان المكان خاليا في هذه الساعة من ساعات الضحى، من أي فلاحين او عابري سبيل، غاطس في الهدوء، حيث لا شيء غير هسيس النجيلة الخضراء، واطيار تتقافز فوق غصون الاشجار. صار بامكانكما ان تخرجا من تحت مظلة العربة، ولا تجدان حرجا اوخوفا من الوقوف في المساحة المفتوحة خلف مقعد الحوذي، الذي اوقف العربة بناء على اوامرك، تتأملان المنظر الذي يعبق بالجلال والجمال والسكينة، وثريا التي كانت تسدل طرف ثوبها فوق وجهها، وتحكم احيانا قبضتها على لحافها، تركت اللحاف ينحسر عن وجهها، وقد صار بسبب لسعات الهواء البارد القادم من البحر، يشتعل بحمرة مبهجة، تتخلل كالسنة اللهب بشرتها القمحية، فيظهر لك شفافا، لامعا،يطلق شراراته التي تلسع الفؤاد، وخصلة من شعرها الفاحم السواد، خرجت من تحت غطاء الرأس، تداعبها انسام البحر وترمي بها فوق وجهها فتضيف الى االوان الوجه تكوينا جماليا آخر، والى فتنته مزيدا من الفتنة. بقيت هي تتأمل الحقول، وانت تتأمل وجهها، لانك على هذه الصورة، تريد ان تختزن وجهها في ذاكرتك، وترحل به الى البلاد البعيدة التي تسافر اليها، ليكون زادا لا زاد لك سواه في ايام المسغبة والامحال الروحي والعاطفي، والتي تطول لتصير اعواما واعواما.
 ظهر بين الحقول رجل يدفع امامه عربة خضروات، ماضيا باتجاه المدينة، ولم ينتبه احد منكما الى وجوده، الا بعد ان اقترب من عربة الحنطور والقى التحية على الحوذي، وما ان رأته ثريا حتى ارتمت فوق مقعدها واسدلت لحافها فوق وجهها وانزوت تحت المظلة قائلة بانفاس متقطعة، خائفة، هامسة:
- انه عمي عاشور، جارنا في شارع بنت البي. لقد رآني، فيا ويلي مما سيحدث لي.
 كنت واثقا من ان الرجل لم ينتبه لكما، لانه كان مشغولا بتحية صاحبه الحوذي، وهو حتى لو رآها، فلن يستطيع من مجرد نظرة عابرة ان يعرفها، لانها لا تمشي في الشارع حاسرة الوجه، ولن يستطيع اليوم ان يعرف الطفلة التي كان يراها تلعب امام بيتها قبل اكثر من عشر سنوات، في هذه المرأة الناضجة التي تركب عربة حنطور على شاطىء البحر. حتى على افتراض انه عرف من تكون، فلا يشكل ذلك خطرا عليها، لانها لم تخرج من بيت اهلها خفية وانما خرجت بامرهم، لكي تذهب بصحبتك لزيارة زوجها في المعسكر. لكنها لا تقتنع بهذا المنطق الواضح البسيط، ولا تفلح كل الكلمات المطمئنة التي قلتها لها في اعادة جو البهجة الذي تبدد بسبب ظهور هذا العربجي المسمى عاشور.
 اعدتها الى بيتها، لان هذا ما ارادته واصرت عليه، مع ارجاء زيارة زوجها الى يوم آخر، وعدت انت الى المعسكر، دون ان تدع ما حدث في آخر النزهة، ينقص ذرة واحدة من جمال هذه التجربة، او افساد احساسك الذي يشبه احساس رجل اكل ثمرة من شجرة السعادة، وما عاد بامكان أي شي ء يحدث بعد ذلك ان يأخذها منه بعد ان صارت جزءا من لحمه ودمه.
 اخذت طريقك الى المعسكر، مستخدما نفس عربة الحنطور، لكي لا تتأخر عن ساعة الدخول الى قاعة الطعام حيث يتممون على الجنود، ومن مكانك البعيد في الصالة رأيت زوجها فتحي، فانتابك شيء من الضيق. من أي بركان من براكين البؤس والتعاسة والحظ السيء انقذف هذا الرجل في طريقك، ليرتمي حاجزا بينك وبين المرأة الوحيدة في هذاالعالم التي احببتها واحبتك. هل هو ظالم ام مظلوم؟ ضحية ام جلاد؟ انه الزوج الذي تحسده على استحواذه على ثريا، ولكن اليس هو نفسه الزوج المخدوع، الذي كنت منذ ساعات، تستمتع بصحبة زوجته، وقد اخذتها من بين افراد عائلتها بحجة انكما ستذهبان لزيارة هذا الزوج؟ فهل كنت حقا تسرق شيئا هو ملك لهذا الرجل، ام تراه هوالذي سرق شيئا ثمينا من حقك انت. ثريا لم تكن مجرد شيء ثمين في حياتك، وانما كانت هي الحياة التي سلبها منك. نعم،انك انت الطرف المظلوم في القصة كلها، ومهما فعلت لرفع الظلم عنك واسترداد حقك الضائع فهو جهد تباركه ملائكة السماء التي وعدت بان تساعد المظلومين والمعذبين في الحياة.
 عدت لاستعادة اللحظات التي قضيتها صحبتها. كانت ثريا شديدة الفرح بالخروج معك الى هذه النزهة، تعاملك بود حقيقي، وترفع الكلفة بينك وبينها، ولا تبدي احتجاجا ولا اعتراضا على تغيير الخطة، كأنه لا يعنيها ان زارت هذا الزوج او لم تزره، كثيرة الامتنان لانك اخرجتها من حالة الاختناق التي تعيشها داخل البيت، حيث ينام الاب طريح الفراش، والام تبكي حزنا على زوجها وخوفا من شبح الاملاق الذي يهدد الاسرة. لا تريد ان تخدع نفسك فتقول انك مصدر هذا الفرح الغامر الذي احست به ثريا وبدا على كل كلمة قالتها وكل حركة صدرت عنها، لان مصدره الاساسي هو ان هذه المرأة التي قاربت العشرين من عمرها، لم تعش لحظة انطلاق وحرية خلال هذا العمر كما حدث هذا الصباح، الا انها في ذات الوقت، ما كانت لتستمتع بوقتها وهي بصحبتك، ان لم تكن تحتفظ لك بمنزلة خاصة في قلبها. لم يكن ممكنا ان تسألها عن احساسها نحو زوجها، فانت تعرف انه لا يمكن لامرأة تنتمي لمجتمع عميق الايمان والتدين، تحكمه اكثر التقاليد صرامة في صون وحماية العلاقات الشرعية، ان تطرح على نفسها سؤالا مثل هذا السؤال، خاصة اذا كانت هذه المراة، كما هو حال الاغلبية الساحقة من نساء ليبيا لم تنل أي تعليم ولم تقرأ في حياتها كتابا يعزز ملكات العقل والتفكير ويتيح لها القدرة على مناقشة القوالب الجامدة المسكوكة المحفوظة التي اعدها المجتمع لنسائه الصالحات. بل لعله لم يكن مفيدا ولا مجديا لامراة مثلها ان تحصل على شيء من التعليم، لان مثل هذا التعليم لن يفعل شيئا الا اضاءة مناطق المهانة والاذلال والعذاب في حياتها، اذ كيف لامراة متعلمة ان تستجيب وتتعايش المفاهيم السائدة فيي معاملة النساء، وكيف سترضي بالاب الذي يقرر تزويجها من رجل لم تره ولم تعرفه، وبعد ان تتتزوج كيف تستطيع وهي التي يحجبونها عن الانظار ويمنعونها من اظهار اصبع من اصابعها امام الرجل، تستطيع ان تضع جسمها كاملا عاريا امام هذا الرجل الغريب الذي لم تره ولم تعرفه وقد يكون شكله منفرا ومقززا بالنسبة لها ومع ذلك عليها ان تقبل به وان تنام في فراشه كل ليلة. وهكذا يصبح بالنسبة لها، كما هو الحال الان مع ثريا، زوجها بحكم الشرع والقانون، الذي يربطه بها رباط الزوجية المقدس. وصفة التقديس الكاذبة هذه التي الحقوها به، بدل تسميته الحقيقية عقد اذعان وخداع وعبودية، وهو باطل بحكم الشرع والقانون ايضا لانه لا يتم بموافقة الطرفين، هذه الصفة التي منحته الحصانة التي يتمتع بها، واسمت أي عبث به انحرافا وخيانة، وما فعلته ثريا معك هذا الصباح، لم يكن يدل على ادنى درجات التمرد على هذا الرباط او الخروج عليه، انها حتى وان اظهرت اهتماما بك يزيد عن مجرد اهتمام امرأة بصديق الاسرة، او اكثر من مجرد الحنين لاطياف علاقة حب ناقصة، فليس بالضرورة انها تقصد ذلك، وان هذا التصور الذي تتصوره عن ميلها لك، مجرد مبالغات منك ورغبة تحتدم لديك بان تكون عواطفها نحوك، توازي ما تحمله انت لها من عاطفة، وبذات التهوج والاشتعال، واكثر من ذلك، فانت لا تريد لهذه الجولة، ان تكون الاولى والاخيرة، وانما بداية لمشاويرى وجولات اكثر الفة وحميمية، خاصة وانت الان في طريقك لان تكون بين يديك اداة تسحر قلوب النساء، هي هذه السيارة التي تفتح امامك الافاق، وتختصر بك المسافات، بما في ذلك المسافة الى قلب من تحب، لانك ستكبر في عينيها، وستنال مزيدا من رضاها عنك واعجابها وهي تراك تركب هذا الشيء الذي لايعتليه الا علية القوم. حرصت حقا على ان تمنح عينيك واذنيك وعقلك كله، لالتقاط ما يقوله ماريو العجوز اثنا ء حصة التدريب، بامل ان تكون في مستوى الثقة التي وضعتها فيك ثريا، وان تختصر المدة الى حدها الادنى، استعجالا لليوم الذي تقود فيه السيارة بمفردك.
 لم يختف المفعول الساحر لتلك النزهة التي جاءتك على غير انتظار، صحبة المرأة التي يهيم بها القلب، حتى وانت تعود الى الجلوس بجوار ماريو في السيارة العسكرية، في صباح اليوم التالي، منصتا لثرثراته المليئة بالايماءات والعبارات الجنسية. ولكن بمثل ما ارضت صحبة ثريا، جوانب السمو الروحي لديك، فان السفوح التي تقطنها الشهوات الترابية، ظلت جائعة، شبقة، تطلب مزيدا من ولائم اللحم الرخيص، الذي يعرف ماريو اسواقه وحوانيته، الا انه هذه المرة صار يماطل ويتمنع، بحجة انه يريدك ان تفي بتعهداتك معه اولا، ولن يشركك في اية مغامرة قادمة مع نسائه قبل ان تـفي بوعد تقديم امراة عربية من نساء الشارع له، فمن اين لك، وانت الذي عاش بعيدا عن هذه الاجواء، ان تجد له مومس ترضي فضوله الجنسي لتذوق اللحم العربي؟ تمنيت لو كنت تستطيع الاهتداء الى تلك المرأة التي جاءت تعرض امامك مفاتنها في دكانة الاحذية، عندما كنت غشيما وصغيرا، ليس فقط لانها ستحل مشكلتك مع ماريو، ولكن لانك انت ايضا تشتهيها ونادم لانك اضعت فرصة ان تمسح وجهك في مخمل نهديها. كم هو مؤسف انك لا تعرف طريقها، وان عليك ان تبحث عن امرأة غيرها باية طريقة حتى لا تبقى مطرودا من جنة ماريو المليئة بالحوريات المومسات من شمال البحر. انك لا تستطيع ان تفكر في رجل آخر، يعينك في العثور على مثل هذه المرأة، غير عبد المولى الشحاذ. لقد وجدت لديه ذات مرة امرأة غريبة، تشاركه النوم في كوخ الصفيح، ظننت في البداية انها زوجة ثانية،غير زوجته الاولى المقيمة مع اولادها في "اولاد الشيخ"، ثم عرفت منه فيما بعد انها واحدة من بنات الطريق. هو اذن من يستطيع ان يكون دليلك الى عالم البغايا والساقطات. لم يكن في ذهنك جهة اخرى يمكن ان تقصدها، ولم يكن لديك خيارا آخر غير هذا الخيار، ولذلك سألت ماريوان يتجه بالسيارة الى حي اكواخ الصفيح بمنطقة سيدي خليفة، حيث كوخ عبد المولى، واثقا من انك ستجده نائما في عز الضحى كما يفعل الوجهاء والاعيان، لاسباب تفتضيها طبيعة العمل، فالصباح ليس موعدا مناسبا للتسول، لانه لا احد يحب ان يبدأ نهاره برؤية الشحاذين يعرضون امامه عاهاتهم واسمالهم المرقعة ونتانة روائحهم، وغير ذلك من مؤهلات التسول. عبرت بكما السيارة حي ابي مشماشه ببيوته الملتصقة بالارض، وشوارعه الضيقة المتربة المزدحمة بالاطفال، ومرت بكم بزاوية الكتاني، حيث قرأت الفاتحة على صاحب الروضة، وانت تشعر بالاشمئزاز من نفسك لانك ذاهب تسعى في مقصد فاسد، ولو كنت تمشي على قدميك لما تقدمت خطوة واحده على هذه الطريق، ولارغمتك قباب الزاوية والروضة ومئذنة الجامع الذي يتبعها، عن العدول، الا ان للسيارة سرعتها التي تسبق سرعة تفكيرك، ولسائقها دوافعه ومنطقه وافكاره التي تختلف عن افكارك، فمضت السيارة تعبر الشوارع وتثير من حولها زوابع الغبار، ثم سرعان ما هاجمتك رائحة مدبغة الجلود التي تفصل بين المساكن العربية وحي الاكواخ، تثير الغثيان والتقزر، وتنسيك فكرة العدول عن هذا المشوار التي شغلت فكرك، وابدى ماريو تأففه من رائحة المدبغة، واستخدم احدي يديه في سد مناخيره حتى تنتهي الرائحة، ولكنها لم تنته باجتياز المدبغة وانما ازدادت قوة بظهور تلال القمامة المتكومة امام الاكواخ، لانه لا وجود لاحد يهتم بجمعها وحرقها، وعدد من الجرذان، تتقافز عند مرور السياره متجه نحو الاكواخ، كانه صار طبيعيا ان تشارك الناس حياتهم، والمياه القذرة، التي لا تجد تصريفا لها، تصنع بحيرات وجداول تعبرها السيارة، فيتطاير رذاذ مياهها الخضراء، ملطخا حديد السيارة وزجاجها، مما يجعل الشتائم واللعنات نتنال من ماريو، ويصيبك شيئا منها، عقابا لك لانك لم تجد مكانا تصطاد منه النساء غير هذا المكان، فيكون ردك بانه ليس للعرب احياء يعيشون فيها غير هذه الاحياء، واذا كان لا يطيق رؤية قاطنيها فليعد الى مومساته الايطاليات، من قاطنات احياء طرابلس النظيفة الراقية.
 على جانبي الطريق، وبين اكوام القمامة، وجداول المياده القذرة، كان سكان الحي يتحركون في حياتهم العادية، بعضهم لا يتحركون وانما متجمدون امام اكواخهم، خاصة المتقدمين في السن من رجال ونساء اشبه بالهايكل العظمية يتكئون تحت ظلال الاكواخ، تاركين الحركة والنشاط كله لسحائب الذباب تحلق فوق رؤوسهم وتطير وتحط فوق وجوههم، يتطلعون ببلادة الى السيارة العسكرية التي تسللت عبر اقواس البؤس الى حياتهم واقتحمت حرمة اكواخهم ومزابلهم، ولا ينافس الذباب في نشاطه الا الاطفال الذين يجرون حفاة، باسمالهم المهترئة البالية التي تحول لونها الى سواد قاتم بسبب القذارة، يحاولون ملاحقة السيارة في سرعتها ويمدون ايديهم يطلبون حسنة لله، تختلط توسلاتهم وصيحاتهم بنباح كلب في هذه الجهة، او ثغاءجدي او تيس في جهة اخرى، وبرغم انه سبق لك ان زرت هذا الحي اكثر من مرة، وبقيت به في كل مرة بعض الوقت، احسست اليوم، وانت تدخله راكبا سيارة ايطالية صحبة السنيور ماريو، كأنك تراه لاول مرة، وقد جعلته، عينا ماريو المندهشتان، ووجهه الذي انطبعت عليه علامات الاشمئزاز والقرف، وتعليقاته القاسية، يبدو عالما شديد القبح والقذارة، يستحق ان تشعر بالخجل من انتمائك للجنس الذي يسكنه.
 كان اول شيء خطر ببالك وانت تمرق بين هذه الهياكل العظمية، واكداس القمامة التي يجلس حولها، وفوقها الناس، وسحب الذباب التي تغطي وجوهم، هو:
-ـ هل خرجت حورية من مثل هذه البيئة، وذاقت طعم هذا البؤس؟
 قبل انتقالها مع امها لمستشفى كانيفا، كانت حورية تقطن حي الاكواخ الواقع بشارع ما كينه، والذي يمثل صورة طبق الاصل من هذا الحي. وبسبب قربه من مركز المدينة تمت ازالته لبناء حي جديد للايطاليين تتوسطه الكاتدرائية العملاقة ويصبح اجمل حي في مدينة طرابلس. وكأن ما حدث لارض هذا الحي وما حصل لها من تحولات نقلتها من بؤس التخلف والفاقه الى الق التقدم والغني والحضارة، حدث لتلك النبتة التي اسمها حورية التي انبتتها تلك الارض. انك لا تكاد تصدق الان ان جمالها المتوهج لشمس الضحى، المليء بمعاني الشموخ والكبرياء، الذي يعطيك احساسا بانها ولدت في قصر ملكي، وما رأيته يحيط بها من اجواء البذخ واضواء السلطة والجاه والنجاح، يمكن ان يوحي بادنى صلة او علاقة لحورية بهذه البيئة وهذا المحيط، فلماذا اذن يتأفف السيد ماريو، قائلا بان نفسه عافت الاتصال بامرأة تسكن هذه القاذورات؟ ماذا لو رآى محظية سيده بالبو، وعرف انها خرجت من علبة صفيح تشبه هذه العلب. هل تراه سيصدق ذلك؟ ولكن هل لابد لمن اراد الخروج من عالم الجوع والقذارة الى العالم السوي النظيف الذي يتوفر فيه الغذاء والكساء والسكن اللائق بالبشر، ان يمر عبر هذا الطريق الذي سلكته حورية؟ اما من طريق اكثر نظافة، يمكن ان يسلكه الانسان لينجو من حياة الزواحف والديدان؟
 سارت بكما السيارة عبر الطريق الموحلة الضيقة، بين اكواخ الصفيح، حتى وصلتما الى كوخ عبد المولى الشحاذ. وقبل ان تهبط من السيارة، رأيت راس عبد المولى يطل عبر انفراجة صغيرة في باب الكوخ، وقد بدت نظرته حائرة مرتبكه، يحاول ان يعرف سب الضجة التي يصنعها الاطفال الذين ظلوا يصيحون ويركضون خلف السيارة، وقد افزعه دون شك ان يرى سيارة عسكرية تضع انفها في باب كوخه. اسرعت تناديه باسمه قبل ان تذهب به الظنون مذاهب اخرى، فرد وهو يرفع يده ويـبسطها امام وجه ليحمي عينيه من وهج الشمس:
- من؟ هل هذا انت يا عثمان؟
 كانت هناك اوجه كثيرة تطل هي الاخرى في فضول من الاكواخ المجاورة.
- نعم يا عبد المولى، اريدك في كلمة سريعة.
 اختفى لحظة خلف الباب قبل ان يخرج وفي يده مكنسة من جريد النخيل، صار يلوح بها في وجوه الصبيان الذين تحلقوا حول السيارة، فركضوا هاربين في مختلف الاتجاهات، وجاء يتكىء على نافذة السيارة قائلا:
- هيا، ادخلا لتناول الشاي.
- لا نريد شايا.
- اذن ما الذي تريدانه انت وهذا الرومي.
- ماريو مجرد سائق يعمل معنا في المعسكر.
- وما سبب تشريفكم لحي الاكواح بسيدي خليفة.
- بصراحة ودون كلام زائد، فقد جيئا للبحث عن امرأة.
- ومن تكون هذه المرأة؟
- ليست امرأة بعينها.
- وما شأني انا بمثل هذه الامور، او بمثل هذه المرأة؟
- اقصد امرأة كالتي رأيتها معك في هذا الكوخ.
- وهل وصل بك السقوط الى هذا الحد؟
- لا تفهمني خطأ.
- كل ما تقوله خطأ، وجئت للرجل الخطأ، في المكان الخطأ، لانني لا اعمل قوادا، وسيدي خليفة ليس حيا للدعارة. هيا انصرف قبل ان اضربك بهذه المكنسة.
 استغربت لهذه الثورة التي استقبلك بها عبدالمولى الشحاذ، والتي لم تكن تتوقعها، وحاولت ان تشرح له الموقف، الا ان ماريو العجوز، وقد احس بحرج الموقف، ورآى غضب الرجل وتهديده لك بعصا المكنسة، ادار محرك السيارة، واندفع بها عائدا من نفس الطريق.
- بوركا ميزيريا.
 اطلق شتائمه وضغط بقدمه على دواسة البنزين، وقاد السيارة باقصى ما لديها من سرعة،غير عابىء بالاطفال الذين مضوا يركضون ويتقافزون فوق اكداس القمامة، يتفادون السقوط تحت عجلات السيارة، او الدجاجات التي ارغمها على ان تستخدم اجنحتها لاول مرة في الطيران حتى تنجو من موت محقق يهددها به هذا الوحش الحديدي الذي انقض عليها وجاء مسرعا نحوها بهديره ودخانه وغباره. مضى ماريو يقود بك السيارة عبر الطرق المتربة وهي يرسل شتائمه البذيئة، حتى اوصلك الى باب المعسكر، حيث اوقف لك السيارة كي تهبط، دون ان يقول لك شيئا له معنى غير قذائف الشتائم التي تتناثر من فمه، وعندما سألته وانت تهبط من السيارة عمن تراه يقصده بكل هذه الشتائم، رد باقتضاب:
- لا اقصد احدا غير هذا الحلوف الذي امامك، الذي هو انا.
 في نفس اليوم واثناء استراحة الغذاء، جاء عبد المولى الشحاذ لزيارتك في المعسكر. لم يطق، حسب ما قاله، ان يراك تترك كوخه غاضبا هذا الصباح، فاسرع بالمجيء اليك لترضيتك قائلا، بانه لم يكن بامكانه، واعين الجيران تحاصره، الا ان يتصرف معك بتلك الطريقة، خاصة وانه فوجىء بما تطلبه منه، ولم يستطع ان يصبر على شرحك لما تريد، لان الموقف لم يكن يسمح بتبادل الحديث، ومعرفة الدوافع والاسباب، فوجود سيارة جيش ايطالية امام كوخه، يمثل في حد ذاته شبه في اذهان سكان الحي، فما بالك بكلمات يلتقطها احد الناس عن النساء، ويضيفون بذلك شبهة جديدة الى الشبهة الاولى. كان لابد ان يطردك انت وصاحبتك، لينفي عن نفسه الشبهتين، وها قد جاء مسرعا اليك، يطلب منك الا تغضب، وان تشرح له في هذه الجلسة الهادئة، ما لم تستطع شرحه اثناء تلك الزيارة. افهمته، انك لم تكن غاضبا منه، لانك مدرك ان ماحدث جاء نتيجة سوء فهم، وان ليس في الامر الذي ساقه الى حي الاكواخ، ما يمس كرامتك او كرامته، وان احتياجك لامرأة من هذا النوع لا يدخل في دائرة السقوط كما ذهب في ظنه، واوضحت له علاقة العمل التي تربط بينك وبين ماريو والمغامرات التي قمتما بها مع نساء ايطاليات، كان ماريو هو الذي تدبر احضارهن، وكنت محرجا امامه وهو يسألك ان تساهم مثله في ترتيب هذه الاجواء، ومن اجل ذلك، ذهبت اليه في حي الاكواخ بحثا عن امرأة كتلك التي رأيتها في كوخه.
 وبدأ بان اقسم باغلظ الايمان، انه لم يفعل مثل هذا الشي ء مع احد غيره، ولم يسمح لاحد ابدا، بان يخوض معه في مثل هذه المواضيع حتى من باب الهزل، ولانه يعرفك معرفة وثيقة، ويعرف انك صادق فيما قلته، فانه يعطيك عنوان امرأة تسكن زنقة صغيرة اسمها زنقة البهلول، محاذية لشارع سيدي عمران، عند السور الغربي للمدينة، وحيث ان اغلب البيوت في سيدي عمران، بيوت بغاء علنية، فهو لا ينصحك بالذهاب اليها، لانها تجلب الشبهة لصاحبها، ولان نساء هذه البيوت لا يقدمن هذه الخدمة الا داخل بيوتهن، ولا يستطعن الخروج ابدا، لانهن خاضعات لحراسة الشرطة، ولذلك فهو يعطيك عنوان هذه المرأة، التي تعمل وسيطة في مثل هذه الامور، وفي ذات الوقت فهي تدير فرقة من " الزمزامات" وتتفق باسمهن على احياء الاعراس رقصا وغناء، اسمها شريفة. ولم ينس وهو يعطيك عنوان البيت، ان يزودك ببعض النصائح، اهمها ان تذهب اليها في زي غير هذا الزي العسكري، لكي لا تعتبرك مندوبا للحكومة، وان تدعي في البداية انك قادم للاتفاق معها على احيا ء حفلة عرس، والا تبوح لها بمطلبك الحقيقي الا بعد ان تعرف انها اطمأنت اليك.
 وانتظرت حتى جاء موعد ذهابك الى ماريو، فاخذت ملابسك المدنية تحت ابطك لانك لا تسطيع ان تخرج من المعسكر مرتديا اياها، وتخفيها في سيارة ماريو، وما ان تنتهي حصة التدريب حتى تبحت عن موقع آمن، قريبا من سور المدينة، تقود اليه ماريو، ليوقف فيه السيارة، كي تنتهي من ارتداء طقم الملابس العربية، الذي ستقابل به مطربة الاعراس السيدة شريفة، على ان ينتظرك ماريو بالسيارة في نفس المكان عند خروجك.
 كان البيت واحدا من بيوت المدينة القديمة، ذات الطراز العربي، المؤلف من طابقين، وصحن مفتوح، ودلفت من الباب الخارجي الى سقيفة طويلة، تؤدي الى ذات الفناء الداخلي، ولكن قبل ان تصل الفناء، ثمة غرفة صغيرة اعدتها صاحبة البيت لاستقبال الضيوف، حيت جلست على مرتبة مفروشة فوق الارض، واحتلت بجسمها البدين، العريض، نصف الغرفة.
 انتقلت بسرعة من الحديث عن العرس الوهمي الى الغرض الحقيقي الذي جئت من اجله، بعد ان وجدت تشجيعا منها، واستعدادا جميلا لتقديم الخدمة التي جئت تطلبها.
 فاجأتك الاسعار العالية التي تطلبها. عرفت منها ان هناك تسعيرة للمدة القصيرة داخل البيت، وتسعيرة اكبر للمدة القصيرة خارجه، وتسعيرة ثالثة لا يقدر عليها الا اصحاب الدخول الكبيرة، للمدة الطويلة التي يقضيها الزبون مع احدى نساء الوقت الجميل، سواء نائما في هذا البيت لليلة كاملة او مصطحبا اياها الى بيته. وجدت ان ما يناسبك الان ويتفق مع النقود التي في جيبك، هو امرأة واحدة تأخذها في نزهة قصيرة خارج البيت، ودون مساومة او مماطلة اخرجت الليرات العشر، واعطيتها لها. اعجبها حسمك السريع لهذه المسالة المالية، ومبادرتك الى دفع ما قالت دون ابطاء، فرفعت صوتها تنادي نورية وفوزية وخدوجة، لكي تعطيك فرصة للاختيار بين النساء الثلاثة، فاخترت الاولى، لانها اكثرهن طولا وامتلاء واقلهن تزويقا ومكياجا. عادت نورية الىغرفتها لكي تهيء نفسها للخروج معك، بعد ان اخبرتها رئيستها بان مدة الخروج ستكون لمدة ساعتين. وكنت ستواصل الجلوس في غرفة صاحبة البيت انتظارا لنورية ولكن طرقات على الباب الخارجي، جعلت السيدة شريفة تسألك ان تنتقل لانتظار نورية في غرفتها لانها لا تعرف من يكون القادم الجديد، ولا ترى من الحكمة ان تستقبلك في حضوره. فوجئت بان الغرفة التي صعدت اليها في الطابق الاول، غرفة واسعة، نظيفة، تحتوي على سرير كبير، ودولاب للملابس يغطي كامل الجدار، وطاولة للزينة لها مرآة عريضة. ادركت ان للتسعيرة الغالية اسبابها، وجلست على طرف السرير، في حين جلست نورية امام مرآتها، تمشط شعرها وتكمل زينتها، قائلة بانها ستمنحك خدمة افضل لو رضيت بالبقاء داخل البيت حيث الدفء والامان والنظافة والماء الساخن، وحيت السرير المصنوع من الاسلاك الحديدية المطاطة "المولله"، التي تجعله يرتفع وينخفض اثناء العملية الجنسية ويتحول الى ارجوحة تضاعف متعة الجنس. ولم تتردد اثناء ذلك من استخدام مفاتنها لاقناعك بجدوى البقاء في البيت، ولم تكن غريزتك الجاهزة للاستنفار تحتاج لغير تلك اللحظة السحرية عندما لامس نهدها كتفك دون قصد، وهي تخطف منديلا معلقا وراء ظهرك، لتؤمن على صحة قولها، وتدرك الحكمة الكامنة وراء اقتراحها. تبقى المشكلة الوحيدة بينك وبين الامتتال لما تأمر به نورية، هو التزامك مع ماريو. فقد اتفقت معه بان يعود لانتظارك تحت السور بعد نصف ساعة، وكان يمكن ان تخلف موعدك معه لولا ان بذلتك العسكرية، موجودة الا ن في سيارته، ولا سبيل لدخول المعسكر الا بها. وتفتق ذهنك عن فكرة ترضي المرأة، وتطفيء نداء الغريزة لديك، دون ان تخلف موعدك مع ماريو. كان كل ما تبقى من نقود في جيبك هو خمس ليرات، بسطت بها يدك لنورية، داعيا اياها ان تأخذها حلالا بلالا دون علم رئيستها، مقابل مضاجعة سريعة فوق هذا السرير، مع احتفاظها بحقها في النقود التي استلمتها شريفة ثمنا للنزهة المتفق عليها. ترددت نورية قليلا قبل ان تمد يدها للنقود، ثم وافقت بعد ان اخذت منك عهد ا الا تطيل فترة جماعها، لكي لا تتخلف عن رئيستها، فتشك في امرها، وتأتي لمعرفة سبب تأخرها، وتكتشف بالتالي امر هذه الصفقة الصغيرة التي قامت ببرمها من وراء ظهرها، فهي لا تريد مشاكل مع صاحبة البيت، وبسرعة امسكت بيدها تجرها الى السرير، تنطرح فوقه وتقفز انت فوقها بكامل ملابسك، ولم تمض غير دقيقة واحدة حتى اكملت المهمة، وعدت واقفا كما كنت. اخذت نصيبك منها قبل ان ترتدي رداءها وتخرج وراءك للالتحاق بصاحبك الايطالي، المشوق لالتهام رطل من اللحم العربي الحي.
 لم تكن هناك لغة مشتركة بين ماريو العجوز وبين نورية، ولذلك فقد كان دورك طوال هذه النزهة ان تقوم بدور المترجم بينهما، عدا اللحظات القصيرة التي اختفيا فيها داخل الدغل، ليتخاطبا بلغة اخرى هي لغة الجسد.
 اخيرا وجد ماريو ما يرضي فضوله، الا ان غياب اللغة المشتركة بينه وبين نورية، وهو الرجل الثرثار الذي لا يستطيع ان يستمتع باي شيء لا تصاحبه كيمة كبيرة من الكلام، جعلته زاهدا في تكرار التجربة معها، في حين كان بيت الزمزامات في زنقة البهلول، اكتشافا بالنسبة لك، وانقاذا من مغامرات الغابة التي يحبها ماريو، ولم تكن تتفق مع خجلك القروي وحبك للطهارة، فغرفة النوم هي البيئة الطبيعية لهذا الطقس، الشديد الحميمية والخصوصية، ويصبح اكثر جاذبية مع وجود هذا الاختراع العجيب الذي تعرفه بيوت المدينة منذ اقدم العصور، دون ان يصل الى الارياف والبوادي، وهو السرير الوتير، الهزاز،الذي يتماوج مثل ماء البحر، والذي جاء اختراعه ليجعل ممارسة الحب اكثر امتاعا ولذة.
 كنت قد توصلت مع نورية الى اتفاق يقضي بان تأتي لزيارتها مرة كل اسبوع، لتقضي ساعة واحدة معها، مقابل المبلغ الذي ذكرته لك شريفة هو سبع ليرات، بشرط واحد، وهو الا تعترض نورية على عدد المرات التي تقوم فيها بالممراسة الجنسية معها خلال المدة المحددة.
 كنت خلال رحلة الغابة قد تأكدت من قوة قدرتك الجنسية وعدد المرات التي يمكن ان تقوم بها بالفعل الجنسي خلال فترة قصيرة، موقنا بان اداءك سيكون افضل كثيرا وانت تنتقل من ممارسة هذا الشيء فوق الرمل والحصى والعشب، الى سرير تغطيه الحشايا والمراتب القطنية الناعمة.
 ولم تنتبه نورية الى مدى ما تجنيه من فائدة من مثل هذا الاتفاق الا بعد اول ساعة قضيتها معها، رأت مدى ما يمكنك ان تقوم به من ممارسات جنسية خلال هذه الساعة، فابدت احتجاجها على ذلك , وعمدت في المرة الثانية، وفي اخلال واضح بشروط الاتفاق، الى تحديد عدد الممارسات وجعلتها خمس ممارسات في الزيارة الواحدة. ورغم انها، كما تقول، رأت رجالا لهم فحولة مثل فحولتك، الا ان ذلك لم يمنعها من ابداء استغرابها لوجود هذه الحالات النادرة، كما تسميها التي تتخطى بمسافات كبيرة السلوك الجنسي العادي لبقية الرجال، وكان جوابك انه طالما كانت المرأة قادرة على استقبال هذه الحالات التي تحصى من الممارسات الجنسية، فمن العدالة وجود رجال قادرين على تقديم هذه القدرة الجنسية التي تتكافأ مع قدرة المرأة على الاستقبال، ليتوفر لهذه العلاقة ركن المساواة. لكن نورية لا ترضى بهذا الكلام، ولا ترى ان هناك في عالم البشر عدلا ومساواة، وان وراء كل امرأة تعمل بهذه المهنة مأساة صنعها لها الرجال، ولا فلماذا لا نجد مقابل سيدي عمران، المليء بضحايا المآسي الاجتماعية من نساء يتاجرن باجسادهن، شارع مثل هذا الشارع للرجال، يعرضون فيه اجسادهم للبيع كالنساء. وضاحكا قلت لها، ليتني اجد امرأة تعطيني نقودا مقابل كل مضاجعة اقوم بها معها، فلاشك ان عملا كهذا، كفيل بان يجعلني اغنى اغنياء طرابلس. كنت تقول ذلك ضاحكا ردا على الكلام الذي تقوله نورية بطريقة جادة حزينة، طالبا منها ان تضحك وتفرح قائلا لها بانك اكثر استغرابا منها لحالتك، ولا تدري من اين تفجرت لديك هذه الطاقة الكامنة التي كانت نائمة لمدة تزيد عن عشر سنين منذ ان بلغت سن الرشد، ولم تعرف بها او تشعربالحاحها عليك وضغطها على جسمك وروحك الا مع اول ممارسات جنسية في حياتك، لم تقل لها انك صرت الان تدرك، ادراكا مؤلما فاجعا، انك لن تستطيع السيطرة على هذه القوة القاهرة العاتية التي تدفعك نحو الطريق الى حي الدعارة الذي تسلكه كل اسبوع، ولا قدرة لديك على محاربة هذه الغريزة عندما توقد تحت ضلوعك تلك النار التي لا تنطفيء الا بارتكاب مزيد من الاثام، ولم يعد بامكانك العودة الى طهارة السنوات الماضية مهما فعلت، ولا يبقى لك الا ان تداوم الصلاة والتسبيح وطلب العفو والمغفرة، وسرعة الاغتسال من الجنابة عقب كل زيارة الى بيت الملذات.
 اقتصرت علاقتك مع ماريو، على اخذ الدروس، الى ان جاء اليوم الذي ابلغك فيه بانه حدد لك موعدا في ادارة المرور والطرقات، لاخذ امتحان قيادة السيارة ولان ماريو اوصى عليك بعض معارفه هناك، فلم يستغرق الامتحان غير ساعة واحدة، اخذت بعدها بطاقة تحمل صورتك، وتجيز لك حق قيادة السيارات.
 اعتبر زملاء العنبر ان حصولك على هذه الرخصة التي لم يحصل عليها احد قبلك من المجندين الليبيين، مناسبة للاحتفال، وما ان انتهت ساعات التدريب، حتى كان طبق الحلويات الشرقية الذي اشتريته من باب الحرية جاهزا، كذلك سخان الشاي الذي احضره احدهم ساخنا من مطبخ المعسكر، وابدى الشاويش عنتر الذي حضر الحفل، حفاوة شديدة بك، واعتزازا بنجاحك باعتبارك تلميذه النجيب، وبالغ في التودد اليك قائلا لبقية المجندين، بان عليهم ان يفرحوا لانه اضحى لهم مندوبا لدى الدوائر العليا، فاجبته مدعيا التواضع، بانك لا تنتمي لاية داوئر عليا، وان مكانك سيظل في هذا العنبر، تحت سلطة الشاويش عنتر. بادلته مجاملة بمجاملة، ولكن كلماته نفخت في قلبك جمر الطموح، واعطت احساسا بتعاظم اهميتك، فانت تعرف، ان للرجل حاسة شم قوية تجاه مراكز الحكم والقوة، وانه لم يكن يقول كلامه اعتباطا، وانما استطاع بهذه الحاسة ان يعرف ما ينتظرك من صعود في مدارج النفوذ والنجاح.


 في اليوم التالي، اثناء ذهابك الى بيت السنيورة حوريه لتقديم نفسك لها، وابلاغها بانك جاهز لاستلام الوظيفة، خطر لك ان تمنح نفسك يوم اجازة، تقضيه مع نفسك او مع من تحب وتفعل فيه ما تريد، دون ان يستطيع احد في المعسكر الانتباه لانك اخذت هذا اليوم، ولانه لا احد لديك تحبه اويحبك في هذه المدينة غير ثريا، فقد اتجهت الى بيتها بعد ان تسكعت قليلا في الشوارع، مستمتعا بما تحقق لك من نجاح في اجتياز الامتحان والحصول على هذه الرخصة،التي لم يكن ممكنا لاحد من اسلافك ان يحلم بالحصول عليها، لانه ببساطة، لم يحضر الاختراع الذي اسمه السيارة ووصوله الى موطنه في اولاد الشيخ. ذهبت باتجاه بيت ثريا، دون ان تناقش الامر مع نفسك، او تحاول ان تجد تبريرا لمواصلة هذه العلاقة التى لا وجود لعلاقة شرعية او عائلية تسندها. مررت بدكانة لبيع الحلوى فاشتريت طبقا للاحتفاء بنجاحك مع ثريا واسرتها، ومسوقا بشوق عارم لرؤية عينيها، والالتقاء بجمال الكون في ابتسامتها، طرقت الباب، منتظرا ان تفتحه لك هي، مثل كل مرة تختار فيها المجيء صباحا، حين وجود شقيقها في المدرسة القرآنية.
 لم يأت احد لفتح الباب، فاعدت طرقه بقوة اكثر، وواصلت الطرق الى ان بدا واضحا انه لا وجود لاحد في البيت. اعتراك قلق من ان يكون هناك حدثا سـيئا قد حل باهل البيت، مثل ان يكون الوالد قد مات، واخذوه الى قريته تاجوراء ليدفن في مقبرتها بجوار اسلافه. اكثر من فكرة سوداء طافت بذهنك قبل ان تترك باب البيت عائدا الى الشارع العام. لم تشأ ان تطرق باب احد من الجيران لكي لا تقلقهم ولا تثير زوابع الكلام حول الزائر الغريب لبيت الحاج المهدي. ورأيت بانه اذا كان لابد من السؤال، فلتسأل احد اصحاب الدكاكين المحادية لدكانة الحاج، فهؤلاء اصدقاء الرجل ورفاقه، ولن يثير سؤالك عنه اية شبهة لديهم، لانهم يعرفونك ويعرفون علاقة العمل التي ربطتك به. الا انك لم تكن تحتاج لان تسأل احدا، لانك ما ان وصلت الىهناك حتى فوجئت بدكانة الحاج المهدي مفتوحة، وهو جالس في مكانه المعهود وسط الدكان، منهمكا في العمل. المطرقة في يده، وصندوق المسامير امامه، وقطع الجلد الاحمر تتناثر حوله، يضع احداها فوق السندان الصغير ويطرق فوق طرفها طرقا واهنا ضعيفا لكي يلين الجلد. احسست بمزيج من مشاعر الفرح والاسى. الفرح لان الرجل قد تعافي، واجتاز ازمته الصحية بعد ان ظننته قد مات، وقد استطاع ان يستأنف العمل في دكانته، بكل ما يعنية ذلك من رفع المعاناة عن هذه الاسرة التي فتحت امامك بيتها واعتبرتك ابنا ثانيا لها، والاسى لانك لن تستطيع، بعد ان عاد الاب الي دكانته، ان تدخل بيته اثناء غيابه، او تجلس، كما كنت تفعل اثناء مرضه، معه و مع ابنته وزوجته وتتبادل اطراف الحديث معهم.
 استدرت باتجاه الدكان، تلقي التحية وتهنىء الحاج بخروجه من المرض، وتجلس على الكرسي الصغير الذي يستخدمه الزبائن في مواجهته. لم يكن الحاج قد تعافى تماما من مرضه، ولكنه ما ان رآى نفسه في حالة تسمح له بمعاودة فتح الدكان، وجلب قليل من الرزق، حتى تحامل على نفسه، وجر جسمه ليجلس في دكانته، وافهمك، دون ان تسأله، سر البيت الذي لم تجد فيه احدا يرد على طرقاتك، لان زوجته وابنته ذهبتا مع اسرة فتحي لزيارته في المعسكر. فلو بكرت بالمجيء قليلا، يقول لك الاب الشيخ، لكنت عونا لهم ودليلا يصحبهم الى هناك. ولكنك لا تشعر بأي اسف، لان هذا المشوار الى المعسكر صحبة ثريا قد ضاع منك، فانت تعرف بانه سيكون مستحيلا ان تجد مكانا قريبا منها في مثل هذا الزحام، ثم ما حاجتك لمثل هذه المشاوير الى المعسكر اللعين، من اجل ان ترى زوجها، بعد ان اصطحبتها الى الكورنيش، وعبر كورسو سيشيليا وميدان الكاتدرائية وشارع الملك فيتوريو ايمانويل الثاني. اكتشفت معها طرقا اخرى، ومسالك لا تتسع لغير اثنين، انت وهي. رأيته مجهدا يضع المطرقة جانبا ليتلقط انفاسه ويتبادل معك الحديث، فاقترحت عليه، بدافع الاشفاق على صحته، ان يكتفي بالجلوس وبيع ما الديه من احذية جاهزة، دون حاجة الى ارهاق نفسه في صنع احذية جديدة قبل ان يتماثل تماما للشفاء. لوح بيده، كانه يعفيك ويعفي نفسه من الحديث في هذا الموضوع، ويسألك عن احوالك وانت تعيش تحت ظلم وبطش هؤلاء الكفار. حمدت الله ان صهره فتحي لا يعرفك، ولا يعرف صلتك باصهاره، والا لنقل اليهم صورة حقيقية عن طبيعة عملك، باعتبارك سوط هؤلاء الكفار واداتهم في البطش باهلك وابناء جلدتك. انت لا تكره ان ينفتح امامك طريق جديد كهذا الذي تؤهلك له رخصة قيادة السيارات، ليعفيك من مهمة جلد هؤلاء التعساء. ولكن الشيخ يواصل حديثه، لاعنا اولئك الذين وضعوا انفسهم في خدمة الطليان، متطوعين للعمل في وظائف تسيء لاهلم وبلادهم، ضاربا المثل ببعض الذين كانوا يبلغون عن الشباب الهاربين من حملات التجنيد ويدلونهم على بيوتهم ليأتوا وينتزعونهم من احضان امهاتهم.
- انهم ينسون انها بلاد ترابها ساخن، ولاولياء الله الصالحين قبور في كل ركن من اركان هذه البلاد. وهذا التراب الساخن سوف يحرقهم، وسينالون عقابهم في الدنيا قبل الاخرة، فيا ويل من يؤذي هذه البلاد من ابناء البلاد.
 احسست برعشة تنتشر في جسمك كله، كأن الرجل يعنيك انت بهذه الكلمات. اردت ان تهرب من هذه المواجهة وتمضي الى حال سبيلك، ولكن صدر الرجل كان ممتلئا بكلام ضد الايطاليين لا يستطيع ان يبوح به الا لاهل الثقة، وقد اعتبرك منهم، فواصل حديثه عن الاثم الذي يلحق حتى اولئك الذين يستطيعون السفر ولا يهاجرون، لان الحياة تحت مثل هذا الحاكم الكافر الجائر، لا تجوز الا لمن عجز عن تدبير وسيلة للسفر والحياة بعيدا عنه عملا بالاية التي تقول " الم تكن بلاد الله واسعة فتهاجروا فيها" ولو كان يملك امكانية للانتقال الى بلد اخر لما بقى يوما واحدا هو واسرته يتجرعون غصص الاستعباد.
 تنفست الصعداء عندما انتقل بحديثه الى حرب الحبشة باعتبارها دليل فحش وفجور هذا الحاكم الظالم الغادر، عندما يسوق الرجال عنوة ليغزو بهم بلدا آمن، فهي جريمة في حق الشعبين الليبي والحبشي، ثم يسأل في ختام تعليقه عن مدى قرب اليوم الذي ستسافرون فيه الى الحبشة. انك لا تعرف، ولا احد من الرؤساء يرضى بان يقول لكم. ربما لانهم هم ايضا لا يعرفون، او لعلهم اعتبروه سرا من اسرار الحرب، قلت للحاج، ولكن موعد الذهاب لن يتأخر كثيرا، فسينتهي قريبا موسم الامطار في هضاب الحبشة، ويصبح الجو صالحا للعمليات الحربية. كان الحاج يظن مثل الاخرين، ان للتأجيل علاقة بما حدث فوق هضاب برقة لا هضاب الحبشة، فالمهم ان اخبار النار التي اندلعت في الجبل الاخضر، مجرد امنيات ليبية، ماعاد هناك مجال لتحقيقها، لان الايطاليين سيطروا سيطرة كاملة على مقدرات البلاد، وعلينا القبول بالامر الواقع والاعتراف به. لم تشأ ان تنتظر حتى يأتي الحاج المهدي على الادلاء بكامل ما لديه من تصورات حول هذه المواضيع فقد سمعتها منه اكثر من مرة، وتعرف افكاره عن الافلاك التي تواصل دورانها في قبة السماء، لا ثبات لشيء ولا سبيل لان يركن احد من البشر الى بقائها في صفه دائما، واذا كانت في صالح الايطاليين اليوم، فانها لن تكون في صالحهم غدا، ولابد لباطلهم من ان ينتهي لتعود الارض الى اصحابها. كلام يقوله ليعزي به نفسه، وهو يرى حياته تنهار وعالمه يتقوض وارضه تسرق منه.
 لم تشأ ان تعود الى المعسكر، وان تدع يوم الاجازة الذي منحته لنفسك، يتسرب من بين اصابعك هدرا، ودون ان تجد شخصا قريبا من نفسك يحتفل معك بنجاحك. ولم تكن تحتاج لاطالة التفكير، فالاختيارات امامك محدودة جدا، ولذلك اخذت طريقك مباشرة الى زنقة البهلول، رغم ان اليوم لم يكن هو اليوم المخصص لزيارتك، ولم تكن نورية تستقبل فيه احدا من زبائنها، فهي تخصصه لاستقبال ابنتها "وردة" ذات السبعة اعوام. لم تكن موجودة اصلا في البيت عندما وصلت الى هناك، فقد اكترت عربة حنطور تتنزه فيها بابنتها وتشتري لها العابا وحلوى. كنت قد اقفلت راجعا، عندما رأيت العربة قادمة لتقف امام البيت وتهبط منها نورية وطفلتها. كانت هذه هي المرة الاولى التي ترى فيها وردة، بعد ان سمعت احاديث امها عنها. وكان شيئا مألوفا في حي البغاء، بقسميه العلني والسري، ان تسعى المرأة التي تجد نفسها حاملا، الى تسجيل مولودها عند انجابه باسم واحد من صبيان الحي، وعددهم اربعة، يطوفون دائما بين بيوته، ويسهرون على خدمة نسائه، وحمايتهن من عنف الزبائن الذين يأتون سكارى، مقابل اجر معلوم، فهم يقيمون في الحي ويقضون ليلهم ونهارهم فيه، يقومون باعداد الشاي وشراء الحاجات وحمل القمامة الى المزابل، وغير ذلك من اعمال، ولكل واحد من هؤلاء عشرة اطفال او اكثر مسجلون باسمه من نساء مختلفات، وهناك اجراء معروف يتم بمقتضاه كتاب عقد قران بين الرجل والمرأة الحامل، ثم انهائه.
 قدمت لها علبة الحلويات، وهنأت الام بابنتها الجميلة، داعيا الله ان يحفظها لها، واردت ان تواصل طريقك، عائدا الى المعسكر، فلا مكان لك في مثل هذا الجو الحميم بين ام وابنتها، الا ان الام دعتك ان تبقى لتشارك في الاحتفال بقطع تورتة الشيكولاته التي تحبها ابنتها، واردت ان تعتذر، ولكنها قالت ضاحكة، ان الانسان بمفرده لا يصنع احتفالا، وسيظل ناقصا بوجود اثنين فقط، اما ثلاثة اشخاص، فهم الحد الادنى الضروري لاقامة أي حفل، ولا شك انني لا ارضى بان احرمها، واحرم ابنتها، من توفير النصاب القانوني لاقامة الحفل كما تقول.
 اعجبتك روحها المرحة المنطلقة، فوافقت على البقاء، واعترفت لها بعد ان دخلتم غرفتها انك ما جئت الا لكي تبقى وتحتفل بمناسبة اخرى هي نجاحك في امتحان قيادة السيارات ووعدت بان تأخذها قريبا هي وابنتها في نزهة بالسيارة على امتداد شاطيء طرابلس من تاجوراء الى جنزور. فرحت المرأة وابنتها بهذا الوعد، ولم يكن الوقت مناسبا للحديث في أي شيء آخر مع نورية، والتفكير في الاختلاء بها، لانها ليست على استعداد لان تظهر بأي وجه آخر امام ابنتها غير وجه الام الحنون. تحولت هي الاخرى الى طفلة تشارك طفلتها التهريج والعبث والغناء، وانضممت انت اليهما تغني معهما اغنية الاطفال الشهيرة:
- طبعك غدار يا قطوسه
طبعك غدار
سرقت من حجرتنا فار
يا قطوس-----ـة
 
 وقبل مغيب الشمس، جاءت امرأة زنجية في منتصف العمر، تأخذ الطفلة، وتعيدها الي بيتها في منطقة ابي الخير. فقد جرت العادة، على ان تعهد نساء هذا الحي باطفالهن الى مثل هذه المرأة للعيش معها بعيدا عن اجواء العمل الذي يحترفنه، مقابل اجر زهيد، كما هو الحال مع وردة التي تعيش في كنف هذه السيدة الزنجية وتعتبرها اما ثانية لها.
 ذهبت الطفلة وانتهى اللهو البريء وخلا لك الجو مع نورية، لممارسة لهو آخر يرضي شهوة الجسد، وعدت بعد ذلك الى المعسكر، وانت اكثر استعدادا لان تخلع ثوب العمل القديم، تغتسل من الجنابة، وتمنح السوط اجازة، وتستقبل حياة جديدة بدءا من شروق شمس الغد.
 كان اليوم الاول في العمل الجديد عامرا بالاثارة، بدأ بتسجيل اسمك لدى قسم السائقين في قصر الحكومة، واستلام الزي الجديد الذي لايرتديه الا السائق التابع لقصر الحاكم العام، بلونه الازرق الداكن، والحواشي الفضية التي تؤطر زرقته، و القبعة التي تشبه قبعات الضباط، ثم استلامك لسيارة الالفا روميه ذات اللون الرصاصي اللامع، والابواب الاربعة، والسقف المتحرك، والتي اعطيت لك جديدة على الزيرو كما يقولون في لغة السائقين، وكان ماريو معك يعينك على استكمال الاجراءات ويوصي بك العاملين في الجاراج الحكومي ويقضي ساعات معك، لتعريفك باسلوب قيادتها، اما مصدر الاثارة الاكبر فهو وجودك قريبا من امرأة حباها الله بكل هذا الجمال وجعلها صورة طبق الاصل من اسمها، حورية، والتي شاءت ربات الحظ السعيد ان تضعها في طريقك وتجعلك تابعا لها بدلا من ان تبقى تابعا ذليلا للشاويش عنتر، فالحمد الله، الذي ابدل لنا الفلس الساقط بدينار ذهبي، على رأي المثل العربي الشهير.
 تسكن حورية في الطابق الاول من عمارة بشارع البلدية، ولهذا الطابق مدخل خاص به يقع في شارع جانبي، هو شارع ما يكل انجلو، حيث اتخذت فيه موقعا لسيارتك عندما لا تكون داخل الجاراج في طابق ما تحت الارض ومكانا لانتظارك، جالسا اغلب الوقت داخل السيارة، تنتظر اوامر السنيورة. ورغم الراحة التامة التي فرحت بها في البداية، لانها تاتي مخالفة تماما لعملك في المعسكر الحافل بالتدريبات الشاقة والتمارين القتالية الصعبة علاوة على المهمات الجانبية من اشراف على العنبر ومشاركة في التأنيب وفي المرحلة الاخيرة، ساع ببريد المعسكر ورسائله الى الادارات الحكومية، فانه بعد مرور الايام الثلاثة الاولى دون حدوث شيء مثير، صار ينتابك قليل من الضجر، وانت جالس لا تكلم احدا، ولا تفعل شيئا، سوى التحديق في الفراغ. لم تجرؤ وانت في ايامك الاولى ان تأخذ اذنا من السنيورة لاستخدام السيارة في أي مشوار من مشاويرك الخاصة. تأتي مع الصباح راكبا الحافلة، وتعود مع انتهاء النهار بها، بعد ان تضع السيارة في الجاراج. كل ما فعلته في اليوم الرابع هوانك استبدلت مكان وقوف السيارة من الشارع الجانبي الخالي من الحياة، الى الزاوية الاخرى التي تقع في الشارع الرئيسي، حيت الحياة والحركة وزحام الناس امام المتجر الكبير الذي يبيع الملابس بانواعها، رجال ونساء واطفال، الذي يتردد عليه زبائن من مختلف الاعمار،اكثرهم من الايطاليين، واقلهم من العرب واعضاء الجاليات الاجنبية بطرابلس، يهود ومالطييين ويونانيين، وبين الحين والاخر يظهر فوج سياحي من حاملي الات التصوير بعد ان اصبحت طرابلس ومنذ ان استلم المارشال بالبو الحكم، مركز استقطاب سياحي. وكان المتجر الكبير، والمحلات الصغيرة المجاورة له، ومنها حانوت لبيع التحف وآخر لبيع المأكولات الخفيقة و طاولة منصوبة على الرصيف لبيع الصحف والمجلات، تقع على مسافة ابعد منهم، وما يتردد على هذه المراكزالتجارية من زبائن، مشهدا صالحا للفرجة ومحاربة الضجر، تراه وانت جالس امام مقود السيارة، بل لا يعدم احيانا ان تجد امرأة تعبر الشارع، يثيرها مشهد السيارة الانيقة الجديدة، والسائق الجالس فيها بزيه الرسمي، فتلقي نظرة فضول ثم تمضي. مر اسبوع وانت في خدمة حورية دون ان ترى الحاكم العام يأتي للقاء حورية في شقتها، ولم تر كثيرين غيره يطرقون بابها. رأيت ساعي البريد، وممرضتين عرفت انهما كانتا تعملان معها في مستشفى كانيفا، احدهما ايطالية ترتدي ملابس السوريلات، والاخرى يهودية تعلق نجمة داوود في عنقها، شديدة النحافة كانها مصنوعة من عظام فقط. كانت مشاوير حورية صغيرة محدودة، ذهبت بها الى متجر لتفصيل الملابس النسائية في ميدان الكاتدرائية، والى مستشفى كانيفا حيت كانت تعمل، واخذ تها مرة الى المدينة القديمة، والى مدخل شارع شائب العين، حيث اتجهت الى بيت الولي الصالح سيدي البلبال، الذي يعيش مع امه في ذلك البيت وانتظر تها حتى خرجت بعد برهة صغيرة،، دون ان تعرف الغرض الذي ذهبت اليه من اجله، فهي ليست المرة الاولى كما تقول، مع ذلك خرجت من الزيارة مليئة بالانبهار من كرامات الشيخ، وعلى غير عادتها عندما تجلس صامتة في الكرسي الخلفي، تكلمت هذه المرة لتقول بانها قبل ان تطرق الباب، وجدت ام الشيخ البلبال، تفتحه، وتقول تفضلي ياحورية، مع انها لم تخطر الشيخ انها قادمة اليه، وعندما سألت الام كيف عرفت، قالت بان ابنها ابلغها بان حورية قادمة وسألها ان تقوم فتفتح لها الباب.
 ولم يزد حديث السنيورة حورية عن كرامات هذه الشيخ، سوى انه اعاد الى ذهنك كلام الحاج المهدي عن اهل الصلاح من ابناء هذه البلاد، وعن ترابها الساخن، وعن العقاب الذي يذخره هؤلاء الاولياء لكل من يرتكب شرا في حق هذا التراب.
 رغم ان العمل سائقا لدى حورية يسغرق نهارك كله، فان ما يبقى لديك من الوقت، يكفل لجزء من روتينك القديم، دوامه واستمراره.
 تعود قبيل حلول الظلام الى المعسكر، فتلتقي لبعض الوقت مع صاحبك سالم، قبل ان تتجه معه الى المطعم، وتنظما الى بقية المجندين، وانت تخطر بينهم بزيك المميز، الذي جعلك الان معروفا لدى كل اهل المعسكر، من عرب وطليان، ومن جنود وضباط، انك صرت واحدا من العاملين بقصر الحاكم العام. مهمة مؤقتة كما يعرف الجميع لكنها ستزودك بخبرة وعلاقات، تحفظ لك موقعا متميزا بين المجندين عندما يحين موعد السفر الى بلاد الاحباش. ولانها مهمة مؤقتة، فانت مازلت محتفظا بوضعك العسكري داخل المعسكر، لك ذات السرير، وذات المهمة الليليلة الاشرافية، كعريف للعنبر، خاضعا للتفتيش كل ليلة من قبل الشاويش عنتر. وظل يوم الاحد هو يوم عطلتك الاسبوعية حتى وانت تعمل مع حورية، لك ان تقضيه حيث تشاء، شرط ان تحتفظ بساعة شاغرة بعض الظهر، تكون من نصيب نورية، المرأة التي اكتفيت بها لتكون وعاء لافرازاتك الجنسية، ولم تبحث عن اية امرأة غيرها،
حتى عندما كنت تلتقي بماريو صدفة، اثناء دخولك وخروجك من المعسكر، ويعيد تذكيرك بمغامرات الغابة، وامكانية معاودتها سويا، كنت تعتذر بانشغالك الدائم في العمل الجديد. واحتفظت بسر هذه العلاقة، لنفسك، فلم تشأ ان تأتي على ذكرها في احاديثك مع صديقك سالم، ولو بالتلميح، تاركا اياه يعتقد بانك مازلت محتفظا بطهارتك التي جئت بها من الارياف، حريصا على ان تصلي معه صلاة المغرب، وتجلس بجواره فوق العشبت، بعد انتهاء الصلاة، لمباشرة الدعاء والتضرع لله بان يسبل عليكما ستره ويرزقما بخير من عنده في الدنيا والاخرة.
 ورغم تحفظات سالم على عملك الجديد، الا انه لم يعد كثير الانتقاد لسلوكك، والسخرية منه كما كان يفعل قديما، لانه يرى، ان عملك هذا بكل ما فيه من ضعة، انقذك من اعمال الشر التي كنت تقوم بها، كواحد من جلادي المعسكر.
 قلت له وانت تقدم له لفافة صغيرة من الورق المفضض، بها بعض الفطائر المحشوة باللوز والعسل، التي جلبتها من مطبخ حورية:
- اردت ان اطعمك من طعام السنيورة شيئا لم تذقه في حياتك سابقا، لكي تعرف قيمة الحياة في المجتمع الراقي.
 مد يده يأخذ الفطيرة ويضعها في فمه قائلا:
- هذه نعمة لا اقوى على رفضها.
- انها مكافأة لك على حسن سلوكك معي في الايام الاخيرة.
- لم اشأ ان اضيف الىهمومك هموما اخرى.
- يا أخي انزع عن بصرك الغلالة السوداء التي تحجب عنك الشمس والهواء. الا يمكنك ان ترى في الدنيا غير الهموم والاحزان. هل شكوت اليك من هم او عناء.انني اعيش اجمل ايام حياتي، فمن اين جئت بهذه الهموم التي تنسبها لي؟
- وهل تعتبر حياة الذل تحت حكم الطليان، وسوقنا كقطيع الاغنام الى مذابح الحرب، حياة سعيدة.
- ها قد عدنا الى الموال القديم. انك دائما تنظر الى الصورة في شموليتها. اما انا فآخذها قطعة، قطعة، واعيش حياتي يوما بيوم. انني سعيد بهذه البذلة التي ارتديها اليوم. سعيد بالسيارة التي اقودها. بالغذاء الشهي اللذيذ الذي احصل عليه في بيت السنيورة. وسعيد ايضا بالعمل الجديد مع اجمل امرأة في الدنيا.
 نعم، هذه هي الحقيقة، حتى وانت تجيد اخفاء محنة الوطن وراء ستائر ذات الوان بهيجة، فانت صادق في اقبالك بحب وحماس على حياتك الجديدة وعملك تحت امرة حوريه التي تزداد حبا لها، واعجابا بها، وفرحا لوجودك قريبا منها مع كل يوم مر. يسوقك الشوق كل صباح الى باب بيتها، حيث يبدأ دوامك هناك عند الساعة الثامنة، حيث تفتح لك حواء الباب، وتدعوك للدخول الى المطبخ، لان هناك دائما افطارا جاهزا بانتظارك. افطار لم تكن قد عرفت له مثيلا في حياتك. كان الافطار في المعسكر امتدادا للافطار كما عرفته طوال حياتك، وكما هو لدى كل اهل البلاد، كوب شاي مع كسرة خبز. اما هنا، فهو شيء آخر، اصناف من الجبنة والزبدة والمربى والعسل والحليب ساخنا وباردا والزبادي وفواكه الموسم، بكل اشكالها، غير الشاي والقهوة وحليب الشيكلاته الساخن، مع انواع من الخبز والفطائر بعضها محشو بالجوز واللوز والبندق، وعصائر ومشروبات، تتناول منها ماتشاء، ثم تأخذ مفتاح السيارة، وتهبط الجاراج اسفل العمارة حيث تجد السيارة نظيفة، لامعة الحديد والزجاج، بعد قام العم مختار حارس الجاراج، باستخدام خرطوم الماء في غسلها وتنشيفها، ثم تأتي انت لتقودها عبر سقيفة الجاراج الى مكانها امام العمارة، وتجلس في مقعدك الامامي جالسا لتلقي اوامر السنيورة حورية، ومهما كانت المشاوير التي يريدها العمل، سواء ذهبت مبعوثا من طرف حورية، او ذهبت هي بنفسها لبعض شانها، فانت غالبا ما تكون موجودا ساعة الغذاء، لتجد في انتظارك وجبة اخرى لم تخل ولو مرة واحدة من اللحوم، غير اطباق اخرى تصل الى ثلاثة واربعة اصناف، تتناولها في المطبخ، او تأتي حواء بالسفرة الى الجاراج ليشاركك مختار العساس الغذاء واحيانا الصبي مرجان. فكيف لا يريدك سالم ان تكون سعيدا بهذه الحياة التي لا ينعم بمثلها الا وجهاء البلاد. لعله اراد بكلامه ان يعبر عن حالته هو، وعن بؤس حياته وحياة غيره من الليبيين داخل المعسكر، ناسيا انك حفرت باظافرك طريقا يختلف عن طريقهم، وبدلا من ان تسلم نفسك للصدفة العمياء تفعل بك ما تشاء مثلهم، وضعت خطة لنفسك، تساهم بها في صنع مصيرك، وصياغة احداث الواقع الذي تعيشه لتجعله اقل بؤسا وتعاسة ان لم تنجح في تغييره الى واقع ابهى واجمل. لعل بعض هؤلاء المجندين يرى في سلوكك تخليا عن واجب الوفاء للرفقة التي تجمعكم، ولكنك تراها رفقة بائسة لا تستحق ان تحافظ عليها او تكون وفيا لها، وان من حقك ان تنطلق مغنيا و مغردا خارج سرب النائحين البائسين، وان تمضي بمفردك باحثا عن خلاصك الشخصي. انك سعيد بوجودك في خدمة السنيورة حورية، ولا يأتيك الكدر الا عندما يمر اليوم دون ان تراها. وهو ماحدث اكثر من مرة. فهي تبقى نائمة في الصباح الى مابعد ان تأتي انت لاستلام عملك وتناول افطارك مع حواء، لتهبط بعد ذلك وتلتزم بالبقاء في مقعد السائق بالسيارة تتصيد الفرص لدخول البيت مرة اخرى، واذا لم تأت هذه الفرصة، يبقى املك الوحيد هو ان تراها قد فتحت باب السيارة لتجلس في المقعد الخلفي وتسألك ان تأخذها لبعض مشاويرها، فتعمد من فورك الى تعديل المرآة التي تعكس الجزء الخلفي من الشارع لكي لا تعكس لك الا وجه حورية، مرددا بصرك بين الطريق الذي امامك وبين صورتها في المرآة، واذا انطلقت وفتحت الحديث، انسكب صوت هذه الحورية في وجدانك، كأنه خمر سماوية تدير الرأس بنشوة لا مثيل لها الا في فراديس الله.
 لا يكاد يمر يوم دون ان تصعد الى الشقة بامل ان تكتحل عيناك برؤية حورية، قد تراها او لا تراها، ولكن لابد ان تصعد حتى لو افتعلت الاسباب افتعالا.
 كان مرجان هو الذي يذهب لاحضار المجلات الايطالية التي تحب حورية قراءتها، فسعيت حتى حصلت انت على هذه المهمة ليتفرغ مرجان لجلب حوائج البيت الاخري الخاصة بالطعام والشراب. تذهب كل صباح الى بائع الصحف الذي ينصب اخشابه على الرصيف ينشر فوقها اخر ما اصدرته المطابع الايطالية من منشورات، فتجد البائع قد اعد لك الوجبة اليومية التي امرته بها حورية من هذه المطبوعات، وكانت اغلبها مجلات الرسوم الساخرة والقصص المصورة، وبعض المجلات النسائية التي تتحدث عن الموضة، فيهي لا تحب الصحف السياسة الكثيرة التي تأتي من ايطاليا ولا تشتري من هذه الصحف الا الصحيفة المحلية التي يصدرها مكتب المطبوعات التابع للحاكم العام بعنوان جورنالي دي تريبولي،التي تمتلىء صفحتها الاولى بصور بالبو وتنقل احاديثه واخباره. هوايتها التي تشغل بها اوقات فراغها هي قراءة هذه القصص المزينة بالتصاوير الساخرة والملونة بالاضافة الى الاستماع للاغاني الايطالية. ورغم انك تعرف ان هناك اختراعا اسمه الراديو، واخر اسمه الجرامافون، تنتج عنهما تلك الموسيقى الصاخبة التي تنطلق من المقاهي والمطاعم الايطالية، فانك لم تراهما مراى العين الا بعد ان انتقلت للعمل مع حورية، حيث شاهدت ولمست وعاينت هذه الاختراعين الجيبين، بما لهما من اثر سحري في النفوس، والاعجب من ذلك انك سمعت كلمات عربية وغناء عربيا يصدر عنهما، وكانت حورية تضحك وهي ترى استغرابك وجهلك بطبيعة عملهما، واذا كان الجرامافون ينقل صوتا مسجلا على هذا القرص الاسود الذي يسمونه اسطوانة، فمن اين يأتي الراديو بكل ما يقوله من كلام وما يذيعه من غناء وموسيقى؟ تحاول حورية ان تختبر ذكاءك فسألك ان تخمن كيف،لكنك تفشل في العثور على اية فكرةاو تصور، لان اقرب اختراع يصلح للمقارنة هو التلفون، ومع ذلك فان للتلفون سلكا يوصل بين السامع والمتكلم، وهذا الاختراع يغني ويتكلم ويعزف الموسقى، دون اسلاك ولا توصيلات. ولم تحمل كلام حورية محمل الجد عندما قالت ان الامر يتصل بجني استطاع العلم الحديث ان يعرف كيف يصطاده، ويسخره لخدمته، فالكهرباء موجودة في كل شيء حتى في الانسان، ولكن الصدفة قادت احد المخترعين ان يجعل هذه الكهرباء تسري من طرف موجب الى طرف سالب، فيكون التقاء الطرفين هو الوصفة السحرية التي يتم بواسطتها القبض على الجني فيتوهح ويضيء، كما في مصباح الكهرباء. ان الجني هو هذا الشيء الذي يسميه الاجانب الطاقة، وهي ذات الوصفة التي يشتغل بها الراديو، فالذين يصنعون هذه البرامج في محطات الارسال، يبعثون بها عبر هذا الجني الموجود في موجات الكهرباء، ليضعها في الراديو، وعندما استرسلت حورية في الكلام ادركت انها لم تكن هازلة وهي تتحدث عن الجني. فهي تقول دع هؤلاء الاجانب يسمونه علما، او دوائر مغناطيسية وموجات كهربائية وانتقال ذرات ودبدبات عبر الاثير، فهذا كله لا يفسر ان يلتقي سلك بسلك فيظهر النور، او تتحول الذرات الى كلام. واوضحت لك كيف ان في ايطاليا محطات اذاعية ترسل هذه البرامج وتتبع شركة اسمها " الراي "، ثم وقفت قرب النافذة تشيرالى مقر المعرض التجاري، في شورعا الكورسو دي سيشيليا، الى هوائي كبير يعلو سطح المعرض، قائلة بان المارشال بالبو ادخل محطة الاذاعة الى ليبيا، كجزء
من برنامج التطوير والتحديث الذي يتبعه في الولاية، وان الارسال العربي الذي يبثه الراديو قادم من ذلك المبنى. واسمعتك في يوم آخر اغنيات عربية من جهاز الجرامافون، بدأت الاسطوانة الاولى بذكر اسم المطرب الاستاذ محمد عبد الوهاب، الذي غني " يا وابور قوللى رايح على فين " وبدأت الاسطوانة الثانية بذكر اسم المطربة كوكب الشرق الانسة ام كلثوم، التي غنت " على وطني المحبوب واديني"، وكانت المفاجاة التي قدمتها السنيورة حورية لك ولخادمتها حواء وخادمها مرجان، هي اغنية ليبية، لشركة فهمي فون، كلمات والحان وغناء الفنان بشير فهمي، الذي غني يا بنت العم يا ماحلاكي، ثم وضعت اغنية اخرى لنفس الفنان عن علاقة الحب التي نشأت بين امرأة ليبية ورجل زنجي من اصل افريقي لاقت اعجاب حواء ومرجان، يقول مطلعها "الحرة اللى عشقت في وصيف "، وهما اغنيتان قصيرتان جميلتان، بالحان شعبية سريعة الايقاع، وكلمات ليبية بسيطة ذات طابع ساحر.
 خلال اسبوعين من العمل سائقا لها، احسست انك تعلمت اشياء كثيرة، ماكان لك ان تتعلمها لولا فرصة وجودك قريبا من هذه المرأة، التي صرت تعرفها الان معرفة المعايشة اليومية، بعد ان عرفقتها معرفة الزيارات العابرة، فازددت ولعا بها، واعجابا بشخصيتها. هناك شيء مبهج في هذه السيدة، شيء لا تستطيع تحديده لانه اكثر من مجرد البهجة التي يخلقها الجمال في البشر والمشاهد الطبيعية، شيء يصنع لها حضورا ساحرا، ويحيطها بدائرة من الالق والفرح ويجعل مجرد رؤيتها كفيلة بان تزيل أي احساس بالضيق او الكدر كان يلازمك، حتى لتبدو في عينيك وكأنها احتفال دائم، او عيد يتجدد كل نهار.
 ها انت تنتهز فرصة انشغالها بتقليب مجلة الرسوم الساخرة التي احضرتها لها، والتي انهمكت في مطالعتها بابتسامة لا تفارق شفتيها، واخذت تتفحص ملامح وجهها، محاولا الاهتداء الى سر بهائها، او بالتحديد سر هذه البهجة التي يصنعها حضورها، فلعل السر في هذا الالق الذي ينبعث من عينيها، او عذوبة الابتسامة التي تضيء وجهها، اواشراقة الجبين وشفافية البشرة، اوفورة الانوثة التي تتفجر من دوائر جسمها، او لعله خليط من هذا كله، ولكنك ترجع وتقول، انه ابعد واعمق من هذه الملامح الخارجية مهما كانت هذه الملامح شديدة الفتنة بالغة الجمال والجاذبية، انه يتصل بجمال آخر هو جمال الروح الذ ي لايمكن تحديده، لانه اشبه بالعطر او الضوء او نور الكهرباء الذي يسري في الاسلاك وتنسبه حورية الى القوى الخفية المجهولة، التي ادري ان كان بالامكان ان ننسب نورها وجمالها الي هذه القوة التى لا سبيل الى الامساك بها. جمال له جذوره في حليب الام التي ارضعتها، وليلة الحب التي قضتها مع الرجل الذي زرع بذرة التخلق لهذه الطفلة الجميلة في رحمها، والسلالات التي انحدرت منها، والطفولة التي لابد انها كانت، رغم الفقر والفاقة، عامرة بالحب والحنان، واشعاع القمر الذي لثم وجهها وهي لا تزال طفلة في قماطها، ولسنوات النشأة في مستشفي كانيفا التي جنبتها امراض فقر الدم التي لا يسلم منها كل من عاش وتربى في الاحياء الشعبية الليبية.
 تتوقف حورية فجأة عن مطالعة المجلة، وترفع عينيها لتضبطك وانت تنظر في نهم اليها. تهرب انت بنظراتك خجلا، وتتجه بعينك الى الارض نادما على الاثم الذي ارتكبته. انها تدرك بالتأكيد ان نظرتك مبعثها الاعجاب والانبهار، ولذلك فهي تبتسم لك قائلة دون كلام بانها قد صفحت عنك. تنسحب انت بسرعة من امامها، وتعود الى الجلوس في السيارة، لاهيا عن الدنيا التي حولك، لانك ما زلت واقعا تحت تأثير المجال المغناطيسي الذي يحيط بحورية ويجعل كل من يقترب منها، يدور بها مسلوب الارادة، غير قادر على الفكاك من اسرها.
 الجاذبية في اكثر اشكالها شيوعا، كما قرأت في كتاب الشيخ جلال الدين السيوطي، شيء يراه المحب في وجه من يحب. انه نوع من الجاذبية، ينجذب اليه انسان ما، لانه يرى في الشخص الذي يحبه، اشياء لا يراها الاخرون. هذا بالضبط هو حالك مع ثريا. انها جذابة بالنسبة لك، لانك رأيت فيها شيئا يخاطبك انت، بمفردات لا يعرفها، ولا يتلقطها احد سواك. ولكن جاذبية حورية شكل آخر، ولجمالها لغة يعرفها كل الناس، مفردات تخاطب كل القلوب، ولذلك فانها تحظى باعجاب ومحبة كل من اتصل بها،حتى لو كان هذا الاتصال سريعا عابرا كما كان حالك في بداية تعارفك بها وانبهارك بجمالها وشخصيتها. ولاشك، ان هذه الجسور المفتوحة بين جمالها، وبين البشر جميعا، هو ما يجعل حورية امرأة عزيزة المنال، لان كل من راها من الرجال، لابد وان تكون قد روادته امنية الفوز بها، ومهما كان عدد الرجال الذين خطبوا ودها، او حاولوا الوصول الى عتبات انوثتها، فهي في النهاية لن تستطيع ان تختار غير رجل واحد، وهذا الرجل، لكي يكون جديرا بها وقادرا على الفوز بحبها، لابد ان يكن في حوزته من المؤهلات ما يجعله يتفوق على كل اولئك الرجال الذين رأوها واحبوها، فمن تراه يستطيع ان ينتصر في هذا التحدي ويفوز بقلب سيدة الحب والجمال الاولى بين بنات جيلها، غير الرجل الاول في البلاد، ايتالو بالبو، ليس فقط بسبب ما لديه من سلطان وثراء وهي مؤهلات مهمة بالتأكيد لكنها لا تكفي وحدها في موازين الحب والقبول، فزاد عليها ما لديه من وسامة وشباب واناقة وشخصية يتفق الناس جميعا على ما تمتلكه من ظرف واريحية وحب للناس والحياة، ولهذا فانه لم يكن غريبا على مثل هذا الرجل ان ينتقى اجمل زهرة في حدائق طرابلس، ويعلقها في عروة ثوبه.

(يتبع)

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By