إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3092 الأحد 8 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 3:30:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات>> الفن السابع   
    

الحلقة السابعة من خبز المدينة

GMT 20:30:00 2006 الأربعاء 29 مارس

أحمد إبراهيم الفقيه


الحلقة  الأولى   /   الثانية   /  الثالثة  /  الرابعة /   الخامسة /   السادسة   /  

 

الوطن، الوطن.

لكل انسان مكان ينتمي اليه، ودائرة من الاهل والمعارف والاصدقاء، ولد وتربى وعاش بينهم، وهذا المكان، وهذه الدائرة من البشر، هما الوطن، المكان شكله، والناس محتواه، انه بالنسبة لك في هذه اللحظة، وقبل يومين من احتمال رحيلك الى الحبشة، هو نورية التي تعمل في حي الدعارة، وتعيش على امل الفوز برخصة رسمية تمكنها من ممارسة هذا العمل، علنا وفي وضح النهار، بدل البقاء معرضة للمطاردة والابتزاز، حين تعمل دون ترخيص. انها رغم حقارة المهنة، امرأة ليبية، لا احد يمكن ان ينكر عليها هويتها، او يلغي انتسابها وانتساب ابنتها وردة ورئيستها شريفة الى هذا الوطن، ثم ثريا التي تمثل لك حبا مشنوقا، وحلما اجهضته قسوة الزمان، وتظل، برغم الالم الذي عانيته من اجلها، اكثر النوافذ المطلة على رحاب الوطن نورا وهواء وبهجة، ووالدها، الحاج المهدي، صانع النعال الجميلة، الذي يعبق بدفء الابوة، كيف لا يمكن اعتباره اهلا ووطنا وتذهب لتوديعه نيابة عن كل ذويك وافراد اسرتك ممن تعذر عليك توديعهم، حتى اولئك الذين عبروا في حياتك عبورا سريعا منذ انتقالك الى طرابلس، سواء في وكالة الشوشان، او كوشة عبدالله، او بائع الشاي في الباب الجديد عمي الشارف،سذهب لمصافحتهم قبل السفر، لانهم يمثلون شيئا عزيزا في حياتك، وجزءا من ذكرياتك في طرابلس، دون ان تنسى عبد المولى الشحاذ، الذي كان دليلك في التعرف على المناطق الخفية المجهولة داخل هذه المدينة، او رفاقك في بيت حورية، مثل حواء التي اذاقتك الوانا من الحلوى الليبية لا تعرفها بيوت الريف، واصنافا من الطعام الشهي لم يسبق لك او لاحد من اهلك واسلافك ان ذاق مثلها، والصبي الزنجي مرجان، الذي مازال يتلكم العربية بكلنة افريقية اعجمية والذي لا يرفض لك طلبا وانت تسأله ان يفسح لك مكانا اكثر قربا من حورية، عندما تنازل عن شراء الصحف وقضاء بعض الحوائج لتقوم بها انت كذريعة لان ترى السنيورة كل يوم، ومختار العساس بحقده الناري على عمر المختار، وحكاياته المعجونة، كخبز الافران الشعبية، بجمر ورماد السنين، ثم حورية، السنيورة الجميلة الفاتنة حورية، هذه القطعة من الدانتيلا الثمينة، التي تشكل بكل ما يحيط بها من ترف وبذخ، جزءا من نسيج هذا الوطن بالوانه المتعددة. انها حتى وهي تعيش في بيت الحاكم الايطالي، وتنام في فراشه، لا تستطيع الا ان تكون امرأة ليبية، ويكفي دليلا على ذلك، احساسات الفرح التي تقفز من عينيها، وتنير ملامحها، كلما سمعت حديثا للمارشال بالبو يحمل وعدا بالخير لاهل بلادها، فتاتي لتعيده في مجالسها، كأنه الغناء.
 ذهبت الى الباب الجديد، يسوقك نداء الرغبة، مختلطا بنداء الواجب، آملا الا تكون هذه الزيارة هي آخر لقاء بينك وبين المرأة التي استضافتك على موائد انوثتها، ومنحتك لحظات من اللذه لم تذقها مع امرأة سواها. وصلت الى سيدي عمران، ثم الى زنقة البهلول، حتى وقفت امام الباب الازرق ذي العروة النحاسية، فامسكت بالعروة وطرقت الباب. خرجت لك شريفة تجر ثقل ما يملأ جسمها من لحوم، تقودك الى غرفة السقيفة، وتسألك متوسلة ان تقنع نورية بالبقاء في البيت، وان تقلع عن افكارها الرعناء بترك هذه المهنة، لانها لن تجد عملا يدر خيرا كثيرا مثل هذا العمل، خاصة وان الرخصة الرسمية التي تأخرت مدة طويلة هي الان في طريقها الى الصدور، بعد ان جاء طبيب الحي وقام باجرا ء الفحص النهائي على كل نساء البيت، وهذا الاجراء هو آخر ورقة في ملف التأهيل للرخصة بعد ان تم استكمال كل الاجراءأت الاخرى التي من بينها ان تكون المرأة التي تدخل رسميا الى هذا المجال قد ضبطت اكثر من مرة في حالة تلبس مع احد الرجال، والحمد لله فان جميع نساء البيت قد ضبطن بدل المرتين اللتين تشترطهما الحكومة، خمس وست مرات، ونورية كما تقول السيدة شريفة، هي نوارة البيت التي تجتذب اغنى الزبائن دائما، واذا كان الاقبال عليها شديدا، في اوقات التخفي والعمل السري، فما بلك بعد ان يصبح العمل علني، تحت الاضواء الحمراء وبمعرفة واشراف الحكومة. كنت تعرف ان نورية هي الاوزة التي تبيض ذهبا لصاحبة البيت، وان لهذه الثرثرة هدفا آخر بجوار الضغط على نورية لكي تبقى، هو ان تلهيك قليلا حتى تنتهي نورية من الزبون الذي معها، ولا تدري كيف تسرب خبر وصولك الى نورية، فطردت الزبون الذي خرج محتجا غاضبا، طالبا ان يسترد ثمن المضاجعة الناقصة الذي دفعه سلفا، وجاءت كالعاصفة تنتزعك من امام سيدة البيت انتزاعا، وتدفعك بقوة نحو غرفتها وهي تصرخ احتجاجا على غيابك الذي طال لاكثر من شهر، رغم الاتفاق الذي يقضي بان تزورها مرة كل
اسبوع. عرفت منها وانتما داخل الغرفة، انها ذهبت تبحث عنك في معسكرات الطليان، ولانها لم تكن تعرف عنك شيئا سوى انك مجند اسمه عثمان، فقد كانوا يردونها وهم يسخرون منها لانهم لا يعرفون منها أي عثمان تريد، واخيرا تذكرت صاحبك السائق ماريو، فذهبت تبحث عنه في الورشة الحكومية، ولم تستطع العثور عليه الا مساء الامس، ومنه اخذت المعلومات عن المعسكر الذي تتبعه، ورقم العنبر الذي تقيم به، وذهبت هناك للسؤال عنك فابلغوها بان موعد الزيارة هو يوم الغد. كنت تسمع باندهاش لما تقوله هذه المرأة المجنونة، غير مصدق انها ذهبت وراءك الى كل هذه الاماكن، غير مدرك سبب هذه الشحنات الانفعالية الغاضبة التي تقذفك بها لمجرد انك تأخرت ثلاثة او اربعة اسابيع عن المجيء الى هذا البيت من بيوت الدعارة السرية. رأيتها تواصل تقريعها لك، فقاطعتها بغضب يماثل غضبها متسائلا عما جرى حتى تفعل هذا كله بحثا عنك، وما الذي تبتغيه من ملاحقتك والتشهير بك بين زملاء المعسكر.
 انطفأت الرغبة الجارفة التي ساقتك الى بيتها، ولم يبق في ذهنك سوى حرقة السؤال عما تريده منك امرأة ليس بينك وبينها سو دقائق المتعة التي تبيعك اياها مقابل سعر معلوم، فاذا انقضت تلك الدقائق، واعطيتها تلك الدراهم، انتهى أي التزام لك نحوها، ولم تعد هناك اية ذريعة تبيح لها ان تطوف المدينة بحثا عنك. كلمتها بكل هذا الوضوح لتبديد اية اوهام في رأسها. لكن كلامك لم يفعل شيئا الا تأجيج مشاعرها، فاجهشت بالبكاء وهي ترتمي على صدرك. صبرت عليها قليلا حتى هدأت، ثم دفعتها عنك واجلستها على السرير، تطلب منها تفسيرا لما حدث. سحبت من حقيبة يدها منديلا، صار تجفف به دموعها، ثم عادت ترمي ذراعيها حول عنقك، وتلصق جسمها بجسمك دون استجابة منك، قائلة بانها لم تعد تطيق معاشرة أي رجل غيرك، وانها على مدى اللحظات المتفرقة التي قضتها معك، نمى حبها لك حتى ملأ كل اركان القلب، وازدادت حبا لك بعد ما حدث من تعارف بينك وبين ابنتها وردة التي احبتك هي ايضا وتعلقت بك، ولانها لم تكن راضية بانتهاج هذا الطريق، او الحياة في هذا الحي، فقد احست بحبها لك نورا يسطع في قلبها ويبشرها بحياة اكثر طهارة ونقاء، وسمعت هاتفا من السماء يدعوها لان تنتقل وتعيش في كنف الرجل الذي احبته من اجل ان
تكرس كل حياتها له ولابنتها وتتوب لله توبة نصوحا لا رجعة فيها، وهذا هو ما ارادت ان تخبرك به، فانتظرت مجيئك اسبوعا بعد اسبوع، ومع كل يوم يمر كانت تعاني مزيدا من الكدر والضيق لانها كرهت الاقامة في هذا المكان، وتريد ان ترحل عنه باقصى سرعة، صحبة الرجل الذي احبته، ولن تحب احدا سواه، وهذا ما دفعها لليحث عنك باية وسيلة، لانها اعدت لكل شيء عدته، فالمكان موجود، والمال الذي تحتاجه حياتكما المشتركة موجود.
 كان وقع هذا الكلام غريبا على اذنيك، لانه لم يحدث خلال اللقاءات التي تمت بينكما وما دارت فيها من احاديث، ان اشرت من قريب او بعيد الى احتمال ان يكون بينك وبينها أي نوع من الارتباط غير ذاك الذي يتم في حدود مهمتها كامرأة عامة تبيع الاوقات الطيبية للزبناء، فما الذي زرع في رأسها فكرة من هذا النوع، حتى تأتي وتخبرك بقرار الارتباط بك، باسلوب لا يترك لك مجالا للمناقشة الا ابداء الفرح والسعادة، لانها اصطفتك من بين كل رجال الدنيا لتكون الرجل الاول والاخير في حياتها، والاب الثاني في حياة ابنتها.
 لم تشأ ان تصدمها بالتعبير عن مشارك الحقيقية التي تستنكر استنكارا كاملا مثل هذا الارتباط، وافهامها انك لا تأتي لممارسة الحب معها، الا مرغما، تلبية لضرورة حسية جسمية صرفة، تعلم علم اليقين انها اثم وخطيئة، تصلي بعدها وتستغفر الله كثيرا راجيا منه ان يعفو عنك ويعجل بهدايتك. وابلغتها بدلا من ذلك، انك لم تكن لتمانع لو لم تكن محكوما باشد القواعد العسكرية تزمتا وانغلاقا، وهي للاسف الشديد لا تترك في وقتك وقتا لهذا الارتباط، او تعطيك ترف العيش بعيدا عن المعسكر ونظامه الحديدي، وظنا منها ان ما تقوله مجرد اعذار لحرج الزواج من امرأة لها ماض كماضيها، اسرعت قائلة بان ما تريده منك ليس بالضرورة زواجا بعقد شرعي، لانها تعرف ما يمكن ان يثيره الزواج من مشاكل عائلية لانسان قادم من اعماق الريف الليبي، فهي لا يهمها الزواج، ما يهمها اولا واخيرا هو ان تكون معك دونا عن غيرك من كل الناس وان يضمكما بيت قائم على الحب. قالت ذلك باعتبارها تقدم حلا سحريا يعفيك من الاعتذار عن قبول عرضها، فلم يعد ازاء هذا الحل مجال لتقديم اية مبررات تمنع من تحقيق هذا التلاحم الجسدي والتواصل الروحي، المادي والمعنوي، بينك وبينها.
 انه بلا شك عرض سخي من امرأة عاشقة، يسعد بقبوله أي فتى يعيش ظروفا كالتي تعيشها، ولكنك لن تستطيع الا ان تكون قاسيا معها ومع نفسك وترفض هذا العرض السمح الكريم. لم تكن تريد ان تقول لها شيئا عن ذهابك المحتمل الى حرب الحبشة في اليومين القادمين، لانه لو نجحت المساعي وتحقق لك البقاء في طرابلس، فلن يحول حائل دون ظهورها من جديد للمطالبة بتحقيق وعد الاقتران بها. غير ان درجة الانفعال العالية التي استخدمتها في معالجةالموضوع، تحتاج الى تقديم عذر قوي يتناسب مع قوية اللحظة الدرامية، ويفلح في قفل هذا الموضوع قفلا نهائيا، اذ ليس امامك وانت ترى امرأة تعبر عن عواطفها نحوك بهذا الفيض من الدموع، الا ان تستخدم حديث الحرب والموت والسفر المخيف الى المجاهل الافريقية البعيدة كمبرر للفراق، وهو فراق ستحرص تمام الحرص على ان يبدأ منذ الان، وفي التو واللحظة، لان امرأة كهذه لابد ان تحسم معها الامر حسما قاطعا ونهائيا، والا استمرت في ملاحقتك وتسميم حياتك.
 جازفت ورميت امامها بخبر ذهابك القريب الى الحبشة، كسبب قاهر يمنعك من تحقيق حلم الاقتران بها، ويفرض عليها ان تنساك منذ هذه اللحظة، لانه لا فائدة من انتظارك، راجيا لها التوفيق في العثور على انسان افضل منك تحبه ويحبها ويشاركها في بناء عش المستقبل. ظلت المسكينة تبكي، وتردد كلمتي " غير معقول "، دون ان تفهم انت ما تعنيه بهذه الجملة، فهل هي مجرد تعبير عن الاحساس بالصدمة، ام انها فعلا لا تصدق ما قلته لها ولا تراه معقولا.
 انكفأت بجسمها ورأسها على المخدة تبكي، ووجدتها انت فرصة للانسحاب، فغادرت البيت مسرعا، متظاهرا انك لم تسمع النداءات التي صرخت بها وراءك، تريدك ان تعود.
 كنت فعلا تريد ان تهرب من هذا الجو المليء بالتوتر الذي خلقته لك نورية، رغم انك جئتها مشوقا للقائها، دون ان تعلم بحالة الخبل التي المت بها. ستقطع هذه العلاقة القائمة على الجنس التي تجمع بينك وبينها حتى لو بقيت في طرابلس، ولن يكون الجنس مشكلة بالنسبة لك، خاصة وانت الان على مفترق طرق، اما انك ذاهب للحرب، لتبدأ حياة جديدة، وفصلا آخر من فصول العمر، واما انك ستحصل على استثناء، وعندها يمكن ان تفكر جديا في الاستقرار والزواج وتاسيس بيت خاص بك، كما يفعل بقية الناس ممن وصلوا الى سنك ولهم دخل ثابت مثلك، ولن تكون الفتاة التي تبني بها مشكلة،لانه بعد ان ضاعت منك ثريا، فكل النساء سواء.
 كنت عازما على الذهاب اليها في الحال، لتتنعم برؤية عينيها، وتوديع والدها، ولكنك كنت متوترا، مهموما بما فعلته معك نورية، متمنيا ان ينتهي جنونها عند هذا الحد، ولذلك فقد رأيت ان تختار وقتا آخر غير هذا الوقت. ربما غدا، او بعد غد، تختار وقتا رائقا يليق ببهاء وعذوبة امرأة مثل ثريا، ولعل الافضل ان تذهب اليها بعد ان تتأكد من مصيرك اولا، فاما ان تودعها وتودع اهلها، وداع مسافر للحرب، او تشركها معلك في فرحة بقائك بطرابلس، قريبا منها.
 لم تشأ ايضا ان تعود مبكرا الى المعسكر، لانك تكره ان تجد نفسك جالسا داخل المعسكر، في مواجهة حفنة من الاوغاد يقاطعونك، ويرددون حولك الشائعات، والافضل الا تعود الا بعد ان يكونوا جميعا قد غطسوا في نوم مليء بالكوابيس، اذ ماهي الاحلام السعيدة التي يمكن ان تزور انسانا يسوقونه الى ساحات الموت والدم والبارود. ستتجنب الاحتكاك بهم، والدخول في صراعات معهم طالما ان الفراق بات قريبا، ورفقة الاقامة في عنبر واحد تقترب من نهايتها. ستبحث عن أي مكان تقضي فيه هاتين الساعتين الباقيتين على موعد النوم ولن يكون صعبا ان تقضيهما متسكعا في الشوارع. لاحت لك، وانت تخرج من الباب الجديد، اقواس سوق المشير وقبابه، فتذكرت المقهى الشرقي الذي يقع في قلب هذا السوق، والذي احضرت اليه حورية مرة للمشاركة في حفل او عشاء، دون ان تجد فرصة لترى شكله من الداخل، وقد مررت به اكثر من مرة، ووقفت امام بابه تتفرج على صور المطربين والموسيقيين الذين يقدمون البرنامج الفني، متهيبا فكرة الدخول، لانه مكان للسائحين الاجانب، والايطاليين الذين يريدون قضاء ليلة شرقية ولاصحابهم من اهل البلاد ممن يملكون المال والمناصب الكبيرة، وانت لست من اولئك ولا من هؤلاء.
 لا يمكن ان تكتمل صورة سوق المشير الا بهذا المقهى، فهو السوق العتيق الذي اعادت السلطات الايطالية بناءه على طراز شرقي صميم، واعطته طابعا معماريا يمثل روح المدينة. شخصيتها العربية الصحراوية وتراثها الاسلامي، وتتخصص دكاكينة بعرض وصناعة المشغولات المحلية من اكلمة وسجاجيد وتطريرز على المناديل والمفارش ونقش على الصحاف والاطباق ورسوم والوان شعبية تقليدية مرسومة على مشغولات من سعف النخيل واعواد القصب علاوة على سروج الخيل والجمتها وما يضاف اليها من زينة وزخارف علاوة على انواع من الطنافس والحشايا والوسائد، وانوال متخصصة في المنسوجات الحريرية لمرلابس الرجال والنساء، والوان من الحلي والتحف المصنوعة من الفضة والذهب وانواع متعددة ومتنوعة من الات الموسيقى الشعبية ، بحيث يأتي السائح الى طرابلس فلا يجد فقط الجزء الايطالي الحديث في جهة، والاحياء الشعبية العربية القديمة التي تعج بالقاذورات، وانما يجد بناء عصريا يمثل الشرق بالوانه الفاتنة ونكهته المميزة في المعمار والسلع، نظيفا، مزوقا، جاهزا لتلبية احتياجات السائح وارضاء فضوله. وبعكس الدكاكين الكثيرة الموجودة في شارع الملك فيتوريو ايمانويل الثاني، وميدان الكاتدرائية، وساحة ايطاليا، التي تقدم خمورها صحبة الموسيقى الغربية، وتتجه الى جمهور ايطالي تخاطبه بمفرداته التي يفهمها في الفنون والثراث الشعبي، فقد تم الحرص على انشاء هذا الملهي باجواء شرقية لا يخالطها أي شيء غربي، ويقدم الوانا من فنون الشرق في مجال الاستعراضات والموسيقى والرقص والغناء غير موجودة في أي مكان آخر، وحرص بادوليو الوالى السابق على اقامة كثير من المآدب الرسمية في هذا الملهى مما دفع الشركة التي تملكه لوضع موظف تشريفات على الباب يرتدي البزة التقليدية لسلاح الفرسان الليبيين، وهو البرنس الاسود المقصب بخيوط الذهب والفضة.
 صعدت الدرجات الرخامية القليلة التي تؤدي الى البهوالجميل لسوق المشير، المسقوف بقباب من الزجاج الملون، فاذا بك وسط ردهة تشبه ردهة قصر من ملوك الشرق، مبلطة بزليج ابيض واخضر، ومحاطة بافريز من الرخام البني اللامع، بينما غطت الكثير من جدران البهو لوحات من الفسيفساء المأخوذه من المدن الاثرية والجداريات التي تحمل التكوينات والزخارف التي عرف بها الفن الاسلامي المشرقي، وتنعكس الاضواء القادمة من مصابيح الكهرباء المبثوثة بكثرة في زوايا البهو على بياض واخضرار الزليج والوان الفسيفسا والرخام وزخارف الجداريات لتمنح المكان جوا حالما ينآى به عن عوالم البؤس والفقر التي تحيط به، ولتأكيد هذا الجو الاسطوري الباذخ، توسطت المكان نافورة كبيرة تحيط بها احواض على شكل مزهريات تطل منها الورود والزهور، وتصنع النافورة اقواسا راقصة من الماء، تصدر صوتا يكسر حدة صوت المطارق القادم من بعض المشاغل ودكاكين الصاغة والحرفيين التي تبقى مفتوحة خلال الفترة الاولى من الليل، اما تلك الدكاكين المقفولة فقد تركت اغليها واجهات مضيئة تعرض فنونها وصناعتها التقليدية، حتى بدا السوق وكانه معرض مفتوح سواء في الليل او النهار اثناء وجود دكاكينه مفتوحة او مقفولة.
 اتجهت قبل أي مكان آخر الى احدى النوافيرالصغيرة الاربعة الموجودة في اركان السوق، التي تؤدي بجوار قيمتها الجمالية، وظيفة عملية لزوار السوق ممن يريدون اطفاء عطشهم من الماء العذب القادم مباشرة من بئر ابي مليانة، حيث شربت حتى ارتويت، وشعرت كان وجودك في هذا المحيط الجميل، واطفاء ضمأك من هذا الماءالصافي، قد ازالا الكدر الذي كان يملأ صدرك منذ قليل. هاهو مكان في مدينة طرابلس، يمنحك احساسا بفخر الانتماء اليه، ويشيع في نفسك الزهو بشخصية بلادك الليبية العربية الاسلامية المشرقية كما هي مجسدة في فنون الابداع التي تراها امامك. انه سؤال الوطن مرة اخرى، ومن زاية مختلفة، هذا الذي جئت تبحث عن وجهه المختفي خلف سحب الاحتلال،تتلمس رؤيته غائما، سديميا، لدى الناس الذين تعرفهم والاماكن التي تألفها بما في ذلك حي البغاء، وامرأة من نسائه هي نورية، ها هو وجه الوطن هنا يشرق متألقا، ويتخذ شكلا اكثر وضوحا وجمالا، ويتجسد امامك عبقا ولونا وصوتا، ولعل حرقة الفراق القادم وفجيعته هي التي ساقتك دون ان تدري الى هذا المكان، لتملأ رئتيك من عبير الاسلاف الذين ابتدعوا هذه الوسائل والادوات وهذه الطرائق والاساليب لمعيشتهم.

 اطلت الوقوف امام الحوانيت والجداريات، تتأمل اوجه الجمال فيها وتستمتع بعبق هذه المآثر الشعبية وتأمل ان تشحذ نفسك بما تحتاجه من عزيمة تواجه بها الحدث الجلل الذي يتهدد حياتك، وقد استقر قرارك على ان الدخول الى هذا الملهى الذي اعتبرته دائما اعلى من مستواك، خاصة انك عندما سألت على بطاقة الدخول وجدتها لا تزيد عن خمس ليرات، دفعتها ودخلت. لم يكن حانة ولم يكن مسرحا. لم يكن مطعما ولم يكن مقهي كما يحمل اسمه المراوغ الملتبس، بل كان خليطا منها جميعا. لم يكن جيد الاضاءة ولم يكن معتما، وانما توزيع عادل للاضاءة والعتمة، بحيث تربع الضوء في منتصف الصالة وتراجعت العتمة للزوايا والاركان الكثيرة ذات المستويات المتعددة ارتفاعا وهبوطا، لم يكن واسعا ولا ضيقا، لان اتساعه حاصرته الزوايا والفواصل والحواجز التي تتيح للجالسين بعض الخصوصية وفي ذات الوقت تعطي هذه الزوايا امتدادات للمكان واحساسا بالاتساع، وهو لم يكن مزدحما ولا فارغا، لوجود هذه الفراغات والمستويات التي تعطي احساسا بالراحة رغم ان الموائد مشغولة كلها، دون ان يحول ذلك على ظهور طاولة شاغرة حال دخول زبائن جدد. كانت جدرانه مغلفة بالخشب الارابيسك، بزخارفه التقليدية الكثيرة تأكيدا للطابع الشرقي للمحل، كذلك الكراسي التي كانت اغلبها في شكل طنافس، والطالات التي لا ترتفع الا بقدر ضئيل على الارض فيما يشبه الطبليات، وتحت دائرة الضوء، في المكان المخصص للعروض الفنية، ظهر العازفون السبعة الذين يشكلون التخت الشرقي ويرتدون الزي العربي الليبي، القميص والصدرية والسروال المزخرف والطاقية الحمراء التي يدلى منها زركبير من الخيوط السوداء، وامرأة تقف امام التخت تغني، على جانب من البدانة، وقد ارتدت فستانا يسفر عن كتفيها وجزء من صدرها والعرق يسيل منحدرا من نهديها، فتمسحه بمنديل تحتفظ به طوال الوقت في يدها، رغم المراوح الكبيرة التي تأز في سقف الملهى، ومروحة السعف الصغيرة الملونة التي تنش بها على وجهها.
فتنا النخل والديس وتعدينا
 لحقنا الندم ياريتنا ولين-ا
 كانت تغني وكان العرق الذي فشلت مراوح الحديد ومروحة السعف في ازالته، يؤدي وظيفة جمالية لانه يعطي صدرها لمعانا ودسامة ويجعله اكثر فتنة واغراء.
 عرفت عندما سألت احد الجرسونات انها مطربة الاعراس الذائعة الصيت مسعودة الراحلي، اشهر المطربات الليبيات القادمات من حارة اليهود.
صب العسل يا بير بو مليانة
طفلة صغيرة قاعدة بحدان-ا
 اغنيات من البيئة المحلية، مغموسة في شجن الايام الخوالي. اخذت مقعدا محاديا للبار وليس بعيدا عن التخت حيث جلست ترتشف كأسا من الكازوزة الباردة و تستمع للغناء و ترقب هذا الخليط من الاجناس، ايطاليون وليبيون ويهود ومالطيون وعدد قليل من السواح الذين يضعون على رؤسهم الطواقي المزركشة والطرابيش الحمراء التي يبيعها كشك امام الملهى، يصنعون ضجيجا دوليا لتعدد الالسنة التي يتكلمون بها ويرددون احيانا مقاطع الغناء مع المطربة، بشكل ممسوخ، لانهم لا يفهمون من كلماتها شيئا، ومع ذلك فهم مستمتعون بما يسمعون ويخلقون جوا فرائحيا احتفاليا يؤكد معنى اللهو واللعب الذي من اجله كان هذا الملهى.
 اكتشفت وجود عازف من بين اعضاء التخت تعرفه، وتعاملت معه اثناء خدمتك في دكانة الحاج المهدي، عندما كان يبيع الخيوط الملونة التي تصلح لتطريز الاحذية في حانوت تاجر ايطالي، فافرحك هذا الاكتشاف، لانه جعلك تشعر بانك اكثر الفة مع هذا المكان واعتصرت ذاكرتك تبحث عن اسمه حتى وجدته: نعمان. نعم، بوجود هذا الصديق الذي يعزف العود، فانت لم تعد غريبا في هذا المجتمع الغريب الذي لا يشبه من قريب او بعيد صورة المجتمع الكبير في مدينة طرابلس. فهي مدينة لا تبيح مثل هذا الاندماج بين الناس الذي يتحقق في المقهى الشرقي. طرابلس مدينة مقسومة الى نصفين، وكل نصف مقسوم هو الاخر الى نصفين، ولعل الانصاف الاخري مقسومة هي الاخرى في متتالية تبدأ ولا تنتهي. نصف متهالك، قديم، فقير، يختفي داخل الازقة والزواريب الضيقة الموحلة، هو النصف الليبي الذي يعيش في المدينة القديمة، مع ضيوفه من بعض الجاليات الاجنبية العتيقة من يهود ومالطيين ويونانيين، ونصف آخر حديث، يملك الواجهات المضيئة، والشوارع الكبيرة الواسعة، والملابس العصرية، هو النصف الايطالي ويضم هو الاخر اقليات اجنبية تلونت بالوانه وانتمت الى سياساته واختارت ان تكون جزءا من مؤسساته وادارته. وداخل القسم الليبي هناك فقراء واناس اقل فقرا واخرون اكثر فقرا، بمثل ما هو الحال داخل الجزء الايطالي الذي ينقسم الى حكام واغنياء، واعوان لهؤلاء الحكام والاغنياء، وخدم لهؤلاء الاعوان والاسياد، وبين هذه الفئات هناك كل انواع الحواجز النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية واحيانا الدينية، الا هنا، في هذا المكان، الذي يمثل جزيرة معزولة عن محيطها، مشغولة بضجيجها الخاص، الذي يفصلها عن ضجيح العالم الخارجي وقوانينه وتفسيماته، حيث اندمجت كل الطبقات و الطوائف والاجناس والاديان والالوان في عجينة واحدة، لا تنتمي الا لاجواء الحظ والطرب والمزاج.
 حان وقت الاستراحة، فارسلت التحية لنعمان ملوحا له بيدك، فانتقل من كرسيه وجاء مسرعا للترحيب بك، يسألك بلهفة عن احوالك لانه لا يعرف عنك شيئا سوى ان الجنود الايطاليين اخذوك عنوة من دكانة النعال، والحقوك بالتجنيد، وانه هو نفسه لم يسلم من المداهمة، الا ان عمله الليلي بالمقهى الشرقي، انقذه من هذا المصير، لانهم يمنحون العازف تأجيلا لمدة سنة، قابلة للتجديد، ولم تر موجبا لاخباره بتفاصيل ما حدث لك بعد تلك المداهمة، واكتفيت بان قلت له انك تلقيت تدريبا على قيادة السيارات وانت الان مكلف بالعمل سائقا لاحدى السيرات العسكرية، وهو ما اتاح لك حرية الخروج والدخول الى المعسكر دون تقيد بالمواعيد، واخبرته بانه لوعرفت بامر الاعفاء الذين يعطونه للموسيقيين لسعيت منذ زمن لاتقان مهنة العزف ولو على الرق او الطبلة، وها قد فات الاوان ووقع الفاس في الرأس. اشار للنادل ان يحضر لك كاس نبيذ من نفس النوع الذي يشربه، فاعتذرت لانك لا تشرب الخمر، الا ان النادل كان قد اسرع باحضار الطلب قبل ان يتمكن من الانصات لاعتذارك. اردت ان تتأسف فمنعك عازف العود من ذلك.
- لا تتأسف لمجيء هذا الخير. ساشربه انا، طالما اردت ان تحرم نفسك منه. وساشرب كاسا ثالثا ورابعا، فالنشوة شيء عزيز المنال لا يتحقق الا بالاصرار والمثابرة.
 ثم اردف بعد ان فرغ من تجرع اول كأس:
- هذه امور ستعرفها قريبا باذن الله، لان الدخول الى هذا المكان ليس الا محطة اولى على طريق طويل حافل بالمحطات.
- وماهي المحطة الثانية؟
- في حالتك انت، ستكون الاستسلام لغواية الكاس.
- ثم ماذا؟
- هناك مراتب كثيرة في السمو والعلا، لا يبلغ مارتبها العليا الا من صفت روحه وصارت شفافة كهذا الكأس.
- وفي أي مرتبة انت؟
- مازلت في مرتبة قريبة من الارض، احب ان اسميها مرتبة الموسيقى، اما المراتب العليا فخذ هذا المثال.
 واشار بيده الى ركن من اركان الملهى، فادرت رأسك الى حيث اشار، ورايت مقصورة لطاولة يجلس عليها رجل عربي يرتدي الطربوش، صحبة امرأة شقراء، امامها اكواب الشراب واطباق الاطعمة الخفيفة التي ترافق شرب الكحول،، تضيء وجه الرجل شمعة انتصبت فوق الطاولة وانعكس نورها على ملامحه، فبدا مرهفا، رقيق الملامج، على مشارف الستين من عمره، واختفت ملامح المرأة خلف كراديس شعرها الكستنائي الغزير، التي تهدلت فوق كتفيها واحاطت بنصف جسمها الاعلى وتناثرت اجزاء من هذا الشعر امام وجهها حتى لا يكاد يبين.
 واصل نعمان حديثه:
- انه ينتمي لاحدى اغنى عائلات طرابلس، ورث املاكا كثيرة، وتفرغ للكأس والنساء، وترك كل شيء آخر في الحياة. لا عمل في النهار لانه يسهرطوال الليل وينام فلا يصحو الا مع وقت السهرة، ولا زوجة ولا ولد ولا مشاكل ولا هموم لانه اذا احتاج لمزيد من المال باع قطعة ارض من املاكه وواصل حياة الترف التي يعيشها. تراه هنا كل ليلة، اول من يأتي وآخر من يغادر المكان.
- حق لرجل مثله ان يترحم كل دقيقة على اسلافه الموتى.
- انظر الى تلك الشمعة التي امامه. ستجد ملاصقا لها كومة من الليرات الذهبية، يوازي ارتفاعها ارتفاع الشمعة. اتدري لماذا؟
- افدني ارجوك.
- لان الوقت صحبة هذه المرأة يقاس باستهلاك الشمعة، وثمن الجلسة التي تدوم الى حين احتراق الشمعة، هو كومة الليرات التي توازيها ارتفاعا، وينقص الثمن او يزيد حسب المقدار الذي يستهلك من هذه الشموع.
 كان الثمن، بكل المقاييس، باهظا، باهظا، خاصة اذا احتاج الرجل الى استهلاك شمعة ثانية في نفس الليلة واحيانا ثالثة يضيء بها بيته عقب انتها ء جلسة الملهي وانتقالها الى البيت، كما اخبرك نعمان، الذي يعتبر رجلا كهذا ينتهي من حياته كل شيء آخر لتتحول هذه الحياة الى صلاة خالصة لرب المتعة اللهو، قد بلغ شأوا عاليا في هذه المدارج التي يتمنى هو نفسه بلوغها ذات يوم.
 وكان السؤال الذي لا سؤال يخطر على البال غيره هو:
- من هي هذه المرأة التي يستحق الجلوس معها كل هذا المال؟
- هذه هي استير، نجمة طرابلس في عالم الحب والجمال، وعروس العروس كما يسميها محرر النشرة الاعلانية لمعرض طرابلس التجاري، فطرابلس كما يقول هي عروس البحر الابيض المتوسط وهي عروس طرابلس، لم تشرق في سماء المدينة الا منذ عام مضى، عندما
نجحت لتكون احدى فتيات الاعلا ن في المعرض التجاري. وكان اول من تلقفها مولانا امير البلاد نفسه.
 سألته هامسا:
- هل تعني المارشال بالبو
- وهل هناك امير للبلاد غيره. انها آخر عشيقاته. اطلق عليها الملكة استير، حتى صار هذا الاسم ملتصقا بها اينما ذهبت،بل هي نفسها لا ترد على احد لا يخاطبها بلقب الملكة.
- تقصد ان تقول انه
 وبطريقته التهريجية قال مقاطعا
- طبعا اقصد ان اقول كل ما في بالك، وما لاتستطيع ان تقوله الا في الخفاء، وما تتمنى ان تقوله ولا تستطيع.
- اذن فله عشيقات كثيرات
- لعله يريد تقليد امراء العرب القدامى الذين يحتفظون بعدد من الجواري يوازي ايام العام، لان له في كل مكان يتردد عليه واحدة. مثل جزيرة فروة،ومرزق، وغدامس، ويفرن، وغريان، وبنغازي، ودرنه، اما طرابلس وباعتبارها عاصمة ملكه، فله اكثر من عشيقة من مختلف الاجناس، لكي يكون عادلا في معاملة رعاياه، فهناك حورية الليبية، واستير اليهودية، وثالثة مالطية ورابعة يونانية او ارمنية لست ادري.

 وعدت لمراقبة الرجل الذي يشتري الدقائق بالليرات الذهبية ويقيسها بذوب الشمعة المحترقة، والمرأة ذات الشعر الكستنائي الكثيف، علك ترى مبلغ جمالها، فلم تفز برؤية شيء من ملامحها الملكية.
- هل انت واثق انها عشيقة الحاكم نفسه.
- وهل تظن ان صاحبنا الليبي هذا، يدفع كل هذا المال لولا احساسه بانه ينافس اكبر شخص في البلاد ويضع رأسه برأسه، بل ان عمله هذا لا يخلو من دافع وطني، لانه استطاع بما له من اموال ان يشارك الحاكم الايطالي في حريمه.
- رجل من ظهر رجل. ولكن كيف يمكن لعظيم ان يترك عشيقته ترافق رجالا آخرين.
- من هذه الناحية اطمئن، فالمارشال اكثر تسامحا من امراء الدولة العربية، ولا يلقى بالا لمثل هذا السلوك من عشيقاته اطلاقا، فهو لا يضيره ان تذهب هذه العشيقة التي لا يراها الا مرات قليلة في العالم، للقاء رجل له من الثراء ما يكفيه عناء الصرف عليها.
 
 في حلقك اسئلة كثيرة كنت ستستأنس برأي صاحبك حولها، الا ان نداء الواجب اخذه منك، فقد حانت حصة جديدة للطرب لابد ان يسهم في تنشيطها بعزفه على العود، ومطرب صغير السن اسمه محمد سليم، جاء يقدم اغنية مرحة، استجاب لها الجمهور بالتصفيق والضجيج:
 هلت ليالي، ليالي الفرح
آه اللي احنا فيه-----ـا
 خرجت من المقهى الشرقي دائخا مما رأيت، وقبل ان تخرج القيت نظرة على المرأة التي قال صاحبك انها عشيقة بالبو، فلم تفز سوى بصورة جانبية، منحتك انطباعا، بانها تعتمد في اظهار جمالها على التبرح والتزويق، بعكس حورية التي تشع بجمال طبيعي آسر.
 اذن فحورية ليس الا واحدة من هؤلاء العشيقات الكثيرات اللاتي يحتفظن بهن السيد بالبو جاهزات، كالاطعمة المعلبة، لتلبية شهواته وصبواته، ويعاملهن باعتبارهن نساء وضيعات، يسمح لهن بمعاشرة رجال آخرين شرط ان يكون الدفع بالليرات الذهبية. لم يكن ممكنا ان تتصور حورية في هذا الدور المهين، فلقد اعتبرتها دائما شيئا خاصا، مصونا وكريما، اختار الرجل صحبتها، دونا عن كل نساء الدنيا لان بها شيئا يميزها عنهن جميعا. ولكن الامر يختلف الان. انها بالتأكيد تعرف بامر هؤلاء العشيقات، لان موضوعا كهذا يهمها اكثر من أي انسان آخر في الدنيا، ولان بالبو نفسه لا يخفي عادة مثل هذه الامور التي تتصل بعلاقته النسائية، فهو يفاخر ويتباهى بها، وما كان ليطلق الملكة استير على عشيقته اليهودية، اذا لم يكن من باب المباهاة والتشبه بامير كان يحتل قلعة طرابلس قبله، وله محظية بذات الاسم، اسموها الملكة لنفوذها وسيطرتها على مقدرات الحكم.
 احسست كان تلك الهالة من الاحترام والمهابة التي رأيت فيها حورية، بدأت تتلاشى وتتبخر، فهي ليست الا امرأة تستسلم في خنوع لحياتها الدليلة، وتضع على وجهها قناع السعادة كنوع من خداع الذات، رغم انها بائسة مسكينة، يكفي انك شخصيا لم تر هذا الرجل يزورها الا مرة يتيمة قبل شهر من التحاقك بالعمل معها، مما يؤك كلام نعمان عن شيقاته الكثيرات اللاتي لا يستطيع ان يلتقي بالواحدة منهن الا مرات قليلة كال عام، ولكن ماذا عن حقيقة انه يترك لعشيقاته حرية ان يصاحبن رجالا آخرين. هل هذا ينطبق على كل عشيقاته، بما فيهن حورية، ام انه امر خاص بالملكة استير فقط، التي رآى عندما ارهقته بطلب المال ان يضع في طريقها رجلا غنيا وغبيا، يصرف عليها امواله بهذا السفه. انها رخصة، لا يمكن الا لرجل مستهتر بكل شيء، متحلل من كل القيم، مثل بالبو، ان يعطيها لنسائه. فهل استفادت حورية من هذه الرخصة؟ انك لم تر شيئا كهذا خلال مدة وجودك سائقا معها، ولكن هذا لا يصلح دليلا لاي شيء. كان شيئا مثيرا وغريبا ان تظهر امامك مرتدية فوطة الحمام، يتقاطر الماء من شعر رأسها، ويشع عري كتفيها وذراعيها وساقيها بكل معاني الفتنة والغواية، فهل كان لذلك المشهد صلة بالرخصة التي يمنحها بالبو لنسائه، ام انه امر عفوي، حدث دون قصد او تعمد، واذا كانت استير اليهودية قد استخدمت في جلب اكبر كمية من الذهب، فما الذي تستفيده حورية من رجل مثلك، او ماذا يمكن ان تقوله لبالبو اذا عرف انها تستخدم رخصته مع مجند جاء يعمل سائقا مؤقتا لها.
 كنت مندهشا وانت تضبط نفسك مشغولا بهذا الموضوع، وانت الذي تهدد حياتك ومستقبلك محنة السفر الى حرب الحبشة بعد لمحة عين، تملأ قلبك مشاعر الحنق والضيق من اجلا علاقات وسلوكيات لا تسبب حرجا ولا كدرا لاصحابها انفسهم، الذين ينتظمون جميعا كالليرات الذهبية في عقد واحد يشع ويتألق بمعاني الحب والمال والجمال والسلطة، بدءا من بالبو الى عشيقاته وعشاق عشيقاته، فما الذي يهمك في موضوع لا يتصل بك من بعيد او قريب، ولا يؤثر باي شكل من الاشكال على مجريات حياتك، المرشحة لان تنتهي علاقتها قريبا بهذه المدينة، وقد تلتقي بنهاية مشوارها في الادغال الافريقية.
 ربما يكون الهدف من هذا الانشغال المرضي بالهموم البعيدة، هو الهروب من هموم حقيقية، اكثر قربا والحاحا واشد ثقلا على العقل والقلب، تتصل بالمصير الذي ينتظرك. انها هموم مهما حاولت ان تهرب منها، فما ان تضع رأسك على الوسادة حتى تأتي وتنشب مخالبها كالطيور الجارحة، في جوفك، وتلملأ ليلك سهدا وقلقا.
 ما ان طلع الصبح حتى انطلقت مسرعا الى بيت حورية، آملا ان تسمع جديدا يتصل بموضوع اعفائك من الذهاب الى الحرب، حتى لو كان هذا الجديد هو وصول استقالة عياد الفزاني، لانها تضع بين يدي حورية سببا قويا للمطالبة بابقائك في خدمتها.
 اما الحزب الفاشي فقد جاء ذهابك اليه متأخرا، بحيث لم يعد يجدي كثيرا ان تأتي الموافقة او لا تأتي، فالسفن التي ستقل الجنود الى الحبشة راسية الان في الميناء، لتأخذ عبوءتها بعد غد، ولم يبق من الوقت ما يتيح لك الاستمتاع بالمزايا او حتى ارتداء القميص الاسود والبنطلون الابيض والذهاب متنقلا بين المكاتب والمسئولين في اروقة الحزب، بحثا عمن يتوسط لك بالبقاء في طرابلس.
 ما ان وصلت الى جاراج العمارة ودخلت حيث تركت السيارة، حتى فوجئت بمكانها خاليا. صرخت في فزع تنادي العساس، الذي كان يشرب شاي الصباح داخل غرفته، وتسأله وانت تركض نحوه، عما حدث للسيارة. ودون ان يظهر عليه أي قلق مد لك يده بكوب الشاي، قائلا لك بالا تنزعج لان السيارة في الحفظ والصون، وان كل ما حدث هو ان سائقها الاصلي عياد الفزاني، جاء مبكرا، ليستلم مفاتيحها، ووجد انها بحاجة الى تغيير الزيوت وتعبئة الوقود، فأخذها للورشة الحكومية للقيام بذلك. وقفت ذاهلا تتساءل عما جاء بهذا الرجل، في هذا الوقت بالذات، ليفسد كل شي ء. اين ترى موقع الخطأ في الخطة التي استهدفت ازاحته من طريقك. هل هي غلطة عبدالمولى الشحاذ، وسوء نقله للرسالة، ام هو خطأ الرجل الذي حمل اليه الرسالة، ام ان عياد الفزاني تلقى الرسالة ولم يفزعه حديث الحرب، ورآى فيها، ما يراه مختار العساس من فر صة للثراء السريع، فجاء متحمسا للانضمام الى صفوف المحاربين. عموما فان كل هذه التخمينات والتكهنات لا تفيد الان شيئا، ولن تجعل الرجل ينتني عائدا الى براري مرزق. لقد وقع المحظور، وعاد السائق الاصلي لاستلام عمله، والجلوس امام مقود سيارته، وانتهى الدور المؤقت الصغير الذي بنيت عليه امالا كبارا. انتهى كما تنتهي دقيقة الحلم،التي تأخذ صاحبها الى عوالم الوهم والخيال قبل ان تعيده لحظة اليقظة الى عالم الواقع وارضه الخالية من الاوهام. كنت ماتزال واقفا وسط الجاراج، متحسرا، متأسفا لما آلت اليه تدابيرك، لا تدري ما ذا ستكون الخطوة القادمة، عندما جاء عياد الفزاني يقود السيارة مسرعا، ويدخل بها سقيفة الجاراج مندفعا كالقذيفة، حتى كاد يأخذك في طريقه تحت عجلاتها، لولا ان قفزت متفاديا السقوط تحتها. بدا مسلكه غريبا وهو يقود السيارة بهذا التهور الذي لا يتفق مع طبيعته الهادئة، وبعد ان اوقفها وفتح الباب بسرعة، هابطا على طريقة جنود المهمات السريعة، ايقنت ان الرجل يهدف الى استعراض مهاراته ليثبت لك انه الاكثر جدارة بهذا العمل، وهو امر لا يستحق اثباتا لانك اكثر الناس اقتناعا بانه اكثر مهارة وخبرة منك، ولذلك تقدمت منه مرحبا، تهنئة بسلامة العودة الى عمله، فاذا به يهمل ترحيبك وسلامك، ويندفع صائحا في وجهك باقذع عبارات السباب والشتيمة، ثم لا يكتفي بذلك، يل يستغل حالة الذهول والمفاجأة التي اصابتك، فيدفعك في صدرك حتى تسقط ارضا، ويرتمي فوقك يكيل لك اللكمات والضربات، وقبل ان تتمكن من الرد عليه، ياتي مختار العساس ليرفع الرجل ويبعده عنك، ثم يعينك على الوقوف، وتنقية بذلتك من الاوحال التي علقت بها. وانت ما تزال ذاهلا، لا تعرف السبب الذي احال هذا الفزاني الطيب، الى كتلة من العنف والشراسة والغل. وردا على مختار العساس الذي كان يسأل الرجل عن سبب هذا الهجوم، تحدث الفزاني وهو مازال هائجا ثائرا، عن كيف ارسلت اليه رسالة كاذبة تحذره فيها من المجيء الى طرابلس وتدفعه للاستقالة من العمل، لان هناك قرارا عسكريا اصدره الحاكم العام يقضي بذهاب كل السائقين العاملين مع الحكومة الى الحبشة للمشاركة في الحرب، وصدق هو هذه الرسالة وحرر استقالة اعطاها لاحد القادمين الى طرابلس، وتصادف ان جاء المارشال بالبو بالطائرة الى مرزق في نفس اليوم، واحتشد اهل البلاد لاستقباله وتقديم واجب الضيافة له، وكان هو ممن شاركوا في حمل اطباق التمور واباريق اللبن التي يستقبل بها اهل البلدة ضيوفهم، ولان المارشال يعرفه سائقا في بيت حورية، فسأله، عندما رآه، عما يفعل في مرزق، فاخبره بانها بلدته التي جاء لقضاء اجازته بها، الا ان الاجازة تحولت لطلب اعفاء من العمل، لانه لا يستطيع وهو في هذه المرحلة المتقدمة من العمر، ان يذهب للحرب في بر الاحباش، وضحك بالبو متسائلا عمن يكون صاحب هذه الدعابة الماكرة، لانه لا وجود لاي قرار يقضي بسفر السائقين الحكوميين الى الحرب. عندها فقط ادرك الفزاني انه ضحية خدعة دنيئة للاستيلاء على وظيفته، فعاد مسرعا قبل انتهاء الاجازة، وقبل وصول الاستقالة الى مكاتب الحكومة واتخاذ اجراء فيها يصعب نقضه، ليستعيد وظيفته التي كاد يفقدها بسبب الكذب والخديعة.
 
 وعاودته حالة الهياج والجنون فاخذ مفتاحا كبيرا يستخدم في فك دواليب السيارة، وجاء مؤستأنفا الهجوم عليك، الا ان مختار العساس، حال بينه وبين الوصول اليك، يسأله ان يلعن الشيطان، ويسألك انت ان تبتعد عن طريقه وتغادر المكان لبضع لحظات، حتى تنتهي حالة الغضب التي تنتابه.
 لم تكن تجد في نفسك ادنى قوة للرد عليه، او ادنى رغبة في دخول معركة معه، ربما لانك تدرك حقيقة الخدعة التي دبرتها له، وانه صادق في كل ما قاله، عدا شيء واحد، لم يفهمه حق فهمه، عندما ظنك تريد الاستيلاء على وظيفته، بينما كان هدفك النجاة من الحرب باية وسيلة، وشيء ثان لم تفهمه انت وهو كيف عرف انك انت من ارسل له الرسالة الا اذا كان مجرد تكهن لانك المستفيد من هذه الخدعة، او لان عبد المولى لم يحرص كثيرا على اخفاء صاحب الرسالة لانك لم تتشدد في التنبيه الى هذا الجانب، المهم انه عرف، وان جهودك كلها وصلت الى طريق مسدود، ما كان منها متفقا مع الاصول وما كان مخالفا لها، واضحى الذهاب الى الحرب مصيرا محتوما، لا سبيل الى رده، ولا مجال للهروب منه، فيا شماتة الشاويش عنتر فيك.
 تركت الموقف المتفجر داخل الجاراج، وخرجت الى الشارع، بضجيجه وحركته ونوره وهوائه، والفضاءات المفتوحة التي تجاوره، والسما ء الزرقاء التي تعلوه، باحثا عن سبيل لاخراج سحب الضيق التي تملأ صدرك. انهم في المعسكر يجمعون المجندين، ويزودونهم بالمعلومات التي تهمهم عن رحلة الحبشة، نظام الحياة في السفينة التي ستقلهم خلال هذه المسافة التي تستغرق اكثر من اسبوعين، وعن الطرق التي سيسلكونها بحرا وبرا فيما بعد، وظروف البيئة والمناخ التي سيعيشون تحتها، مع تعليمهم قدرا بسيطا من المفردات والجمل الدارجة بين الناس، باللغة الامهرية، تفيدهم عند وصولهم. ومعنى ان يفوتك كل ذلك، بعد ان صار ذهابك معهم يتأكد لحظة بعد اخرى، هو تخلفك عن الاخرين، وعدم قدرتك على التعامل مع الحالات المستجدة عند محطة الوصول بالسرعة والكفاءة التي يحتاجها الموقف، كما تدرب عليها بقية المجندين. وهو امر غير كريم لمن كان مثلك، متقدما دائما على جميع ابناء دفعته.
 كنت لا تزال حائرا لا تدري كيف ستواجه الموقف الجديد الذي نتج عن مجيء عياد الفزاني واستلامه للوظيفة والسيارة منك، عندما رأيت جورجي، العجوز المالطي الذي يقوم بتوزيع البريد، قادما نحوك. شنطة الرسائل معلقة في كتفه، وقلم الرصاص فوق اذنه، واكثر من طرد وجواب بين يديه، ينظر لواجهة العمارة ليتأكد من الرقم، ويسألك ان كنت تعرف عثمان الشيخ، فهو وان كان قد التقى بك في هذا المكان اكثر من مرة، وسلمك رسائل ومجلات تأتي بالبريد الى حورية، الا انه لا يعرف اسمك. ترددت قبل ان تفصح عن هويتك تحرزا وتحوطا مما يأتي به عالم المجهول، وتذكرت انك اعطيت هذا العنوان لموظف الحزب الفاشي، وخمنت ان الرسالة لن تكون من احد غيره، فمددت يدك تستلم الرسالة، بعد ان قلت له انك انت المعني، ووضعت توقيعك في السجل الذي يحمله، وقبل ان يمضي سألته ان يعينك على قراءة الخطاب، لان حصيلتك من اللغة الايطالية لا تسعفك لقراءة كل مافيه، ولدهشتك البالغة وجدت ان جزءا من الخطاب كان مكتوبا باللغة العربية، فهم يهنئونك بقبولك عضوا في الحزب الفاشي، فرع الشبيـبة الليبية، ويبلغونك بان اتمام مراسم القبول، تقتضي ان تأتي الى مقر الحزب في الوقت الذي يناسبك خلال ساعات الدوام، لاداء القسم باللغتين الايطالية والعربية، وكانت صيغته كالاتي:
 " اقسم بالله وبايطاليا الام، ان انفذ بتفان واخلاص اوامر الزعيم موسيليني، وان ادافع عن ايطاليا، وعن مبادىء الدولة الفاشية بكل شي املكه، حتى بدمي، وعاشت ايطاليا وعاش الدوتشي ".

 تركك العجوز المالطي بعد ان قرأ لك ديباجة الرسالة وهو يضحك في كمه، لانه احس بما تعانيه من حرج للورطة التي وضعت نفسك فيها، خاصة لوجود هذا القسم الغريب الذي لا يأتي على ذكر ليبيا من قريب او بعيد، رغم ان فر ع الشبيبة الليبية هو الذي يطالبك بترديد هذا القسم. ثم تذكرت ان ورود اسم ليبيا في القسم لن يكون منسجما مع منطق الاشياء، لان المصالح بين ليبيا وبين ايطاليا قد تتعارض، كما حدث في زمن المقاومة الشعبية، فالى أي جانب يقف عضو الحزب الفاشي، انه حتما سيقف الى جانب ايطاليا الفاشية وحزبها وزعيمها ضد اية مقاومة او جهاد. هاهو الحزب الذي ظننته قطعة خشب تقفز فوقها، لتنجيك من الغرق في مستنعقات القتل والحرب، لا يكشف الا عن مزيد من الاوحال والاوساخ.
 ووسط هذا الاحساس بالهوان اشرقت في ذهنك فكرة تنجيك من وطأة هذه المعاناة، وتنآى بك عن هذه العالم الفاسدة القاتمة الكاتمة على القلب، هي فكرة الهروب الى الصحراء. انك لن تكون اول، ولا آخر اللاجئين اليها. فيها بدأت ومنها انطلقت واليها تعود. ستذهب الى اعمق اعماقها، حيث لن يستطيع احد من هؤلاء الايطاليين واعوانهم ان يهتدي الى وجودك فيها، بل لن يفكر احد منهم في ملاحقتك عبر تلك المتاهات الصحراوية لانهم يعرفون ان الصحراء اكبر منهم، وانها ستنحاز اليك ضدهم، ستحميك باذن الله وتهلكهم جميعا ا ذا حاولو الاقتراب منك وانت في حمايتها. ستجد هناك الاغنام التي كنت ترعاها صغيرا ماتزال في انتظارك، وستحصل من خلالها على رزق كريم يكفي حاجتك، ويغنيك عن كل هذه المغانم المغموسة في مياه السباخ.
 تكسرت الاجنحة التي حملتك قليلا فوق ارض الواقع، وتقوض البناء الذي ظننته سيحميك من غوائل الدهر، ولم يعد لك أي امل في الحصول على شيء يرضي توقك للتفوق والنجاح، او يوازي ما قدمته لعالم الايطاليين من تضحيات، فلماذا الاستمرار في طريق التضحية بلا ثمن، ومن اجل ماذا تفعل ذلك طالما ان مصيرك يتساوى مع مصير أي انسان آخر لم يقدم لهم تنازلات ولم ير منه الايطاليون الا الحقد والاحتقار.
 عد الى صحرائك، حيث لن تسمع في تلك الفضاءات والفراغات التي لا يحدها حد، ذكرا لطليان ولا حبشان ولا حكام ولا مارشالات ولا محظيات ولا عاهرات، ولن يسري عليك أي قانون الا قانون الصحراء التي تمنح قاطنيها حرية القلب والضمير، فوق حرية الحركة والانطلاق، الا انك لا تدري ان كنت تملك من الشجاعة وقوة العزيمة ما يؤهلك لتحقيق هذه الفكرة مهما كنت واثقا من انها طريقك، الذي لا طريق سواه، الى الخلاص والانعتاق.
 احسست بان حالة الاختناق التي عانيت منها وانت داخل المرآب تعاودك باكثر شدة وحدة، كأن احدا جاء فجأة ووضع صخرة عملاقة فوق صدرك. لقد تراكم احساسك بالكدر والضيق والهوان، حتى ضاق به صدرك، وحد من قدرتك على التنفس السليم. جاءت حواء عائدة من مشوارها الى سوق الحوت، تحمل سلة الفاكهة والخضروات، فرأتك تضع يدك على صدرك وتفك ربطة عنقك وازرار قميصك في عصبية وتشنج، لتتيح لرئتييك حرية استنشاق الهواء، فأصابها الفزع، وتركت السلة جانبا وركضت اليك، تسندك لكي تصعد بك سلالم العمارة. وقفت قبل الصعود و اخبرتها ان حالتك لا تدعو للانزعاج، وانك ستذهب الى المعسكر لترتاح هناك، الا انك كنت منهكا غير قادر على السير في أي اتجاه. اسندت ظهرك الى الحائط، تحاول استعادة قدرتك على التنفس طبيعيا، ثم طاوعتها على صعود السلم درجة درجة، حتى وصلتما داخل الشقة، وارتميت فوق احد كراسي الصالون. جاءت حواء بكوب الماء، ثم اعقبته بكأس الشاي. انتهت حالة الاختناق واستعدت بسرعة انفاسك المقطوعة وقواك الهاربة، فاردت ان تغادر الشقة شاكرا لحواء صنيعها، الا انها اعترضت طريقك قائلة بان السنيورة تريد ان تراك. انت ايضا تريد ان تراها ولن تسافر قبل توديعها ولكنك تعرف انها لا تزال نائمة وان موعد استيقاظها لن يحين الا بعد ثلاث ساعات. وقبل ان تبدي اندهاشك لما سمعته من حواء، واصلت هي حديثها قائلة بان السنيورة استيقظت على صوت الجلبة التي احدثها دخولكما، وعندما سألت حواء عن السبب، وعرفت بما حدث، ابدت رغبتها بان تراك وتطمئن على صحتك.
 - هل هي قادمة الآن؟
 - لا، انت الذي سيذهب اليها.
 - في غرفة نومها؟
 وضاحكة قالت حواء:
- وماذا في ذلك، تأكد انك لن ترى منها شيئا عدا وجهها.
 وتحت الحاح حواء سرت مرتبكا، محرجا، الى باب غرفتها. فتحت حواء لك الباب وبقيت هي خارج الغرفة. دخلت فإذا بك تدخل بهو المرايا. غاصت قدماك في الابسطة، وانعكست صورتك بزوايا مختلفة في اكثر من مرآة. القيت التحية، باتجاه السرير الفاخر العظيم الحجم، الذي تتماوج فوقه الوان الاغطية، وعندما لم تسمع ردا، ادرت جسمك نحو الباب تبغي الخروج. وقبل ان تخرج جاء صوت حورية، هامسا، ناعسا، مختلطا بالتتاؤب، تسأل عما حدث لك، وبسرعة اجبتها بان الامر لا يستحق ادنى اهتمام منها، وان الامر كله راجع الى انك لم تستطع ان تتآلف مع هذا الشيء الذي اسمه ربطة عنق، رغم انقضاء كل هذه المدة على استعماله، ومازال عنقك يقوم بحركة تمرد وعصيان ورفض لهذا الرباط، ولا يرتاح حتى تقوم بانتزاعه، وهذا ما فعلته عندما جاءت حواء تطلب منك ان ترتاح قليلا داخل البيت.
 نهضت متكئة على مرفقها، وهي لا تزال ممدة فوق السرير، ومدت يدها مشيرة باصبعها الى هيئتك وهندامك:
- من يراك على هذه الصورة يقول انك نمت البارحة على الرصيف. فهندامك يعاني حالة اهمال مرعبة. اقترب قليلا.
 اقتربت بضع خطوات، فسألتك ان تقترب بوجهك لتراه عن قرب. احنيت رأسك نحوها حتى صار قريبا منها، فمدت يدها تتحسس دقنك وصدغيك، في حين سرت في جسمك قشعريرة الموت. لم يكن بطن يدها المخملي وهو يمر على وجهك غير مادة مشعة، مهلكة، تزلزل كيانك كله، فاستعنت باقصى ما لديك من قوة الارادة، كي تبقى ثابتا في موضع الانحناء. كان يجب ان تسقط، او تتعرض لاي عارض نفسي يعطل حواسك عن العمل، ولكنك بجلد وقوة، منعت نفسك من الانهيار.
 - لا تقل انك حلقت وجهك هذا الصباح.
 وكأنما احست حورية بالازمة الحسية والنفسية التي صنعتها لك، فارادت ان تمهلك قليلا، ترفع يدها عنك، وتعفيك من الحديث حتى تستعيد قدرتك على النطق، فرفعت صوتها تنادي حواء، التي لم تكن بعيدة عن الباب، فدخلت واقتربت منها تتلقى اوامرسيدتها:
- اذهبي حالا واعدي الحمام لعثمان. ضعي له ما يحتاجه من ادوات الحلاقة والكولونيا الرجالية لكي يستعيد نشاطه وحيويته.
 استطعت اثناء ذلك، وببط ء شديد، ان ترفع هامتك، وتعود للوقوف مستقيما كما كنت. وبدافع الخجل، حاولت الاعتذار عن استخدام حمامها، وحمام المارشال وادوات حلاقته واستحمامه.
- لقد مر من هنا البارحة، واخبرته عنك. سيغضب منك جدا اذا رآك على هذه الهيئة، انه قائد الجيش ايضا فلا تنس. قد يعود اليوم في اية لحظة ليأخذني في مشوار صغير. فلا اريده ان يراك بهذا الشكل المرعب.
 لم تظن ان هناك ملاكا يرعاك ويهتم بامرك الى هذا الحد، ويذكر اسمك في حضرة ملك من ملوك الاض مثل السيد بالبو. ومهما كانت النتائج فهذا وحده يكفي. عادت حواء لتقودك الى حمام غير الحمام الملاصق لغرفة نوم حورية، وتريك المناشف والارواب والعطور وادوات الحلاقة، وقد امتلأ الحوض ماء ساخنا يتصاعد منه البخار وتكدست فوقه الرغوة تصنع جبلا من البياض. اقفلت حواء عليك الباب، ثم عادت بعد دقيقة واحدة تسألك من خلف الباب ان تعطيها بذلتك الرسمية قد تقوم بازالة البقع منها وكيها، كما طلبت غياراتك الداخلية كي تغسلها مع بقية الغسيل الذي بين يديها وانها هيأت لك غيارات جديدة.
 كنت مساقا كالسائر في نومه، مستجيبا لغواية اللحظة الباذخة، وتعليمات الخادمة المطيعة لاوامر سيدتها، غير قادر على التفكير او التدبير فيما سيحدث لو جاء المارشال ووجدك عاريا في حمام بيته، تستخدم عطوره واروابه وامواس حلاقته. وبسرعة خلعت كل ما فوق جسمك من ملابس ورميت بها من فرجة الباب الى حواء، وقفزت عاريا في الحوض، مانحا نفسك لمتعة هذه المياه الساخنة المعطرة.
 لم تنس طبعا انك في وضع غريب يدعو الى القلق، وقد يجر عليك توابع ومواقف اكثر حرجا وخطرا، مما ينقص من متعة هذا الترف ويجعلك ترهف اذنيك محاولا ان تلتقط كل حركة خارج الحمام لكي لا تداهمك الاحداث وانت غافل عنها. انتهيت بسرعة من اخذ حمامك وحلاقة ذقنك، وانتظرت ان تأتي حواء بالبذلة والغيارات الجديدة، وعندما تأخرت شغلت نفسك بوضع الكولونيا على وجهك، وتمشيط شعرك ووضع الدهون عليه. طرقت الباب حتى جاءت حواء وسألتها ان تسرع باحضار ملابسك لانك جاهز للخروح، فكان ردها الذي لم تتوقعه، هو انه لديك الروب فضعه فوق جسمك واخرج. ما الذي تقوله هذه المرأة المعتوهة، التي ابقتك عاريا حتى من ملابسك الداخلية، ثم تريدك ان تخرج مرتديا هذا الروب الابيض الابتر الذي لا يزيد عن كونه فوطة حمام، والذي لا يفلح في ستر محاشمك الا اذا انكمشت بداخله قابضا بكلتا يديك على طرفيه. ومع ذلك فهي تصر على خروجك، لانه لا يليق بك ان تواصل الانتظار في الحمام، خاصة وان هناك كأسا من الشاي، اعدته لك وهي لا تريد اعادة تسخينه. امتثلت لاوامرها وخرجت تشد الروب على جسمك، وجلست محرجا في الصالون، مبتهلا الى الله الا يداهم البيت طارق، رجل كان او امرأة، ويراك على هذا الحال. وبدل ان تأتي حواء بكاس الشاي الذي وعدت به، جاءت تقول بان هناك افطارا كاملا في انتظارك، ولكن ليس هنا، وانما صحبة سيدة البيت في غرفة نومها. جلست في مكانك رافضا ان تتحرك، قائلا لحواء بانه يستحيل ان تذهب الى السنيورة حورية في غرفتها وانت بهذه الصورة، حتى لو سمحت هي بذلك فلن تسمح انت، انها امرأة بريئة لا تقرأ العواقب ولا تعرف ما يملأ رؤوس الناس من مكر وشك،ولو حدث،ان جاء طارق حتى لو كان سائقها الفزاني، او عامر العساس، ولمح موقفا كهذا لملأ الدنيا شائعات عنها، فما بالك اذا كان هذا الرجل مبعوثا من المارشال،ا والمارشال نفسه دخل على حين غفلة. انك خائف على نفسك ايضا، فما حاجتها لان تضعك وتضع نفسها في هذا الموقف. زمجرت غاضبا في وجه حواء ان تحضر لك ملابسك، وهددت بان تدخل وتفتش عنها بنفسك، لانك لا تستطيع ان تفهم لماذا تتأخر بها عليك، واذا لم تستطع تنظيف البقع وكي البذلة حتى الان، فلماذا لا تحضرها لك كما هي لتستطيع ان تلبسها وتقابل السيدة. الا ان صوت حورية جاء من داخل البيت، يسألك ان تحضر اليها حالا، فلم تجد بدا من الامتثال لغواية الصوت وقوة الجاذبية. كانت حورية، عندما وصلت الى غرفتها، قد نهضت من نومها، وغادرت سريرها ووقفت وسط الغرفة تحيط بها المرايا، وقد ارتدت روب الحمام مثلك. ادركت بمجرد ان دخت، انها خرجت لتوها من حمامها مثلك، تفوح منها رائحة الصابون العطري، ولازال شعرها مبللا، وبشرتها ازدادت توردا بسبب المياه الساخنة، فبدت متألقة متوهجة كعروس ليلة جلوتها.
 فاجأتك بضحكة كرنين اجراس العيد:
- هل البرد شديد الى هذا الحد؟
- أي برد؟
- هذا الذي يجعلك منكمشا، مرتعشا، ممسكا الروب باصابع متشنجة.
 ابتسمت ابتسامة باهتة ردا على حديثها، دون ان تقوى على قول شيء. اجلت بصرك في الغرفة تبحث عن الافطار الموعود، لكي تتمكن من الجلوس، املا في ان يعفيك هذا الجلوس من حرج الوقوف منكمشا داخل الروب، ولكنك لم تر افطارا داخل الغرفة. لم ترسوى السرير التي تتماوج فوقه شراشف واغطية براقة لها لون اللهب. وانتبهت الى ان الباب صار مغلقا عليكما، ولا ثالث معك انت وحورية سوى الشيطان الذي لابد انه كان شريكا اساسيا في اعداد المشهد بهذا المستوى من الحرفية والاتقان. رجل وامرأة يرتدي كل منهما فوطة الحمام، داخل غرفة نوم مغلقة، ليأت الان اكثر ملائكة السماء نزاهة ونقاء ان لم ير فيما يرى شيئا يثير الشبهة والشكوك، وينقل عنه صورة الى رب السماء، لا تحمل أي معنى من معاني البراءة والفضيلة. لست بحاجة لان تخمن بعد الان، ان كل ماحدث معك منذ ان دخلت هذا البيت، كان بناء على خطة وتدبير، بما في ذلك انتزاع ملابسك وتركك عاريا الا من هذه القطعة، فما الذي تريده حورية منك؟ بل ما حاجتها الى رجل مثلك؟ دارت الاسئلة في رأسك كما تدور الاوراق التي ذاهمتها زوبعة مفاجاة. حالة من الفزع، ممزوجة بشيء من الفضول والاثارة، هي التي انتابتك وانت تراها وتحس بها تلامس اصابعها باصابعك، تطلب منك الاسترخاء، فلا تزيدك الملامسة الا تشنجا وتوترا. انك لا تستطيع ان تنزع قبضتك عن الثوب لانك لو فعلت لانفرجت فتحة تظهر عري الجزء الامامي من جسمك. هاهي ترفع بصرها مع قامتك، وتعيده حتى اخمص قدميك، تتأمل كل شيء فيك، كأنها تراك لاول مرة. مرت لحظة صمت وتأمل، اعطتك هدنة كنت تريدها، لكي تعيد بها شيئا من النظام الى فوضى المشاعر والاحاسيس التي غمرتك، وتهيء خلالها نفسك الى ولوج هذا المشهد المثير، الغريب، الذي اعدته لك، على حين فجأة، المراة التي كثيرا ما كانت هي مادة احلامك. اما الان فلعله الحلم حقا في حالة تحول الى حقيقة، ولهذا فهو يصنع حالة ثالثة، منزلة بين المنزلتين، منزلة الحلم ومنزلة اليقظة، منزلة الحقيقة ومنزلة الخيال،
دون ان تعرف حتى الان ماهي الخطوة القادمة، فانت لا تستطيع ان تجازف، ولا تفعل شيئا اكير من انتظار ما يحدث لك، مهما كان الفعل المطلوب، فانت هنا مفعول به اكثر من كونك فاعلا، لكن لا يهم، المهم ان يحدث الفعل. هل هو الحب ما يدفعها لان تفعل ذلك؟ ام مجرد تسلية ونزوة عابرة،ام هو نوع من التحدي للمارشال وتريد استخدامك كاداة في هذا التحدي؟ مهما تكن دوافعها، فانك لن تستطيع الا الامتثال لارادتها قائلا لها، بصوت او بدون صوت، انك مجرد ذرة تسبح في فيض النور القادم من جبينها، ذرة صغيرة ضئيلة تدور في فضاء كونها البديع الجليل، ثملى برحيق حبها السماوي. ولو اشارت اليك من اقصى اطراف الارض لجئتها طائرا، حتى تهبط جاثيا تحت قدميها، يحرقك الشوق لان تحسو قطرة واحدة من رضابها، ثم تموت بعدها سعيدا راضيا، لانك تكون حققت اقصى احلامك في الحياة.
 وذاهلا، عاجزا عن تصديق ما يجري، رأيتها تنضو الروب عن جسمها لتبقى في تمام عريها. تحررت من حاجز الثوب، الذي يخفي فتنة الجسد المتفجر غنجا وغواية، فتجلى في كامل بهائه وعنفوانه ومجده الانثوي، كما خلقته العناية الالهية وارادته ان يكون. حورية التي لم ترها من قبل،الا في الخيال، مصقولة، لامعة، متوهجة، تشرع امامك اسلحتها الفتاكة، النهد والصدر والخصر والبطن والسرة والفخدين والردفين، كل هذه الاسلحة التي كانت اسرارا لا تصل اليها العيون، مدفونة تحت اغلى وارقى الملابس، هي الان مشحوذه، مجلوة، متحفزة للانقضاض والافتراس، فلا شيء في الارض ولا في السماء يمكن ان يكون اشد منها هلاكا وارهابا ولا كائن في الارض او في السماء يمكن ان يعصمك من الانسحاق بجبروت قوتها وطغيانها.
 وقفت تنظر اليها وقد تحولت الى تمثال من الشمع، بينما مدت هي يدها الى الروب الذي ترتديه، فارتمي فوق الارض، ودنت هي منك، قطعة من جهنم الحمراء، تحتويك وتشبك اصابعا باصابعك وتلصق صدرها بصدرك، وبطنها ببطنك، وفخديها بفخديك، وتضع وجهها فوق وجهك، وشفتيها فوق شفتيك، وشعررأسها يغطي راسك ويحجب عنك رؤية الاشياء التي حولك ويفتح امامك نوافذ على عوالم اخرى، فرأيت في قباب السماء انجما تتوالد من انجم وتصنع كوناجديدا جميلا، واقواس قوس تضرب بعضها بعضها فتتفجر الوانها وتصنع فجرا جديدا للبشرية، عامرا بازهى الالوان والاضواء، وينتج عن تصادمها موسيقى صاخبة لها عطر والوان، ترقص لها كائنات الطبيعة من اشجار وجبال وانهار وبحار، وتغني سعيدة جدلى. خرجت من حالة الذهول والاندهاش وصدمة المفاجأة المفرحة المرعبة، لتدخل مع حورية في اللعبة بكامل عنفوانها وصبواتها، تحتويها باكثر قوة مما احتوتك، وتعجن ملامح وجهك في ملامحها وفمك في فمها وتسحق صدرها باضلاعك، وتنفت كل ما في جسمك من لوعة وحرقة وكل ما اختزنته مسام هذا الجسم من كبت وحرمان صهدا ساخنا يخترق جسمها ويوقظ ما فيه من حرقة وظمأ وشوق وحنين للقاء الشبع والارتواء والانتقام من ايام المسغبة التي عاشها القلب، ناسيا ان هناك في الدنيا احدا غيركما، بل في الكون كله الا انتما، وقد وضعت كل كائنات الكون ومظاهره انفسها تحت امركما واسلمت قيادها لكما تلعبان بالاجرام والافلاك و تحرقان بها البحار والمحيطات وتنقلان سكان الغابة الى اعماق البحر وقاطني البحر الى الغابة وتجعلان الارض غطاء والسماء بنجومها وشموسها وبدورها فراشا، وتعيدان تشكيل الكون وصياغته بالطريقة التي تشأءان.
 نسيت انك كنت تهجس بالطارق الذي يمكن ان ياتي ويفسد متعة هذا اللقاء، لانه لا وجود لمثل هذا الطارق، واذا جاء فانك الان قادر على ان تحيله في الحال الى حجر، بما في ذلك الرجل الذي يدعي حيازته واحتكاره لجسد هذه الانثى، باعتباره حاكما جبارا مدججا بالسلاح، لانك ستحيله هو وسلاحه الى تمثال من رخام. هذه المرأة لك، وانت لها، وقد اكسبكما هذا اللقاء هوية جديدة وشخصية جديدة، يجعلك تنسى من هي حورية بالنسبة لك او انت بالنسبة لها، انها الان بين يديك، جسد يغمرك بشظاياه وبروقه ويذيقك من حلواه المسكرة ما تتنشي له الروح وينتشي له الجسد بنشوة لا وجود لها الا في فراديس السماء. استيقظت الرغبات الجنسية النائمة في جسمك كالبركين، ولم تعد قادرا على ردع قوة الشهوة التي تجعلك تضاجعها مضاجعة اشبه بالاغتصاب، مما اسسثارها قليلا وجعلها تبدو وكانها لا تريد ان تذهب باللعبة الجنسية الى نهايتها، او لعلها ارادت ان تمنح وقتا اكثر للمعانقة القبلات والمداعبات واللعب اللذيذ الجميل، ولا تريد ان تصل ذروة الانتشاء، بينما سيطرت عليك الرغبة في الوصول الى دورة الاكتمال، بنية ان تبدأ دورة اخرى لكنها لم تفهم فاشتدت درجة مقاومتها لك الى حد انها دفعتك عنها وانتزعت جسمها من جسمك فيما بدا انها غير راضية عن هياجك وعنفك، ولكن الامر لم يعد خاضعا لارادتها، ولذلك اعدت الجسم الذي انفصل عنك للالتحام بجسمك، رغم المقاومة، وضعتها بينك وبين الجدار وهي تحاول ان تنتزع جسمها مرة اخرة وتحاول ان توسعك ضربا ولكما، لكنك استطعت اختراقها، فاستسلمت لمقتضيات اللذة، وتوقف الضرب وتلاشت المقاومة، واستمرت تتأوه وتتنهد في وهن واعياء، وقد تداعى جسمها من وطاة اللانتشاء، فاتكات بكل جسمها عليك وعلقت ذراعيها بعنقك ولم تكن تحتاج الا لهذه الاستثارة للقيام بالاختراق الثاني الذي شاركت فيه بمقدار من الاهات والتنهدات، وقد استحال جسمها بعد هذه الذروة الثانية الى جسد من الزبدة الذائبة في لهب الشبق والوصال المتجدد، الى حد لم تعد تستطيع ان تحافظ على توازنها واقفة حتى وهي تستند على جسمك، فطرحتها ارضا، وبشهية مفتوحة لمزيد من الاختراق وانفاس تخرج من صدرك لافحة ساخنة، وثبت فوقها هاصرا نهديها، شاربا رضاب شفتيها، تتشمم عبير جسمها وتنهمك في شده اليك وتدليكه بكل جسمك، حتى فرغت من اختراقها للمرة الثالثة، بقيت بعدها ساكنا لعدة دقائق، مسندا رأسك فوق نهديها،متلذذا بحركة النهدين وهما يخفقان صعودا وهبوطا، قبل ان تحملها بين زنديك وتضعها فوق السرير وتنام بجوارها، مستمتعا هذه المرة بنعومة الافرشة والشراشف والوسائد، واهتزاز السرير، حتى اشتعلت الرغبة فقطفت زهرتها الحمراء المتوهجة في اختراق رابع، رايت حورية بعد متعة المضاجعة الاخيرة فوق السرير، تغمض عينيها في اغفاءة هانئة، فكرهت ان توقظها، رغم شهيتك المفتوحة لممارسة الجنس معها مرة خامسة وسادسة وسابعة. تركتها تنام، وتسللت خارجا الى الحمام فاغتسلت على عجل ووجدت الملابس نظيفة مكوية جاهزة، فارتديتها وغادرت البيت.
 اندفعت هابطا السلالم، وغادرت مسرعا باب العمارة، لا تلتفت شمالا ولا يمينا، سائرا باتجاه الشاطىء.
 احسست انك بحاجة الى البقاء مع نفسك في مكان منعزل، بعيد، غير اماكنك المألوفة، حيث لا احتمال لان يقطع عزلتك أي انسان. وصحبة البحر الذي تشعر معه بالانسجام كلما رأيته، والتوحد مع زرقته اللانهائية، وموجه الذي يصل الازل بالابد في رحلة لا تتوقف، ذهبت الى هضبة سيدي الشعاب، واخترت موقعا معزولا فوق الهضبة، وجلست فوق صخرة تظللها صخور اكبر حجما وتحجبك عن الناس الذي يأتون للصلاة في الجامع. جلست ترنو الى فضاء البحر، وترقب حركة الموج ودخول وخروج المراكب الى الميناء، وترى في البعيد قوس الافق الذي تنحنى عنده السماء وتمد ذراعين تحتضن بهما كوكب الارض وقد امتزجت زرقتها بزرقة البحر، في عناق اشبه بعناق العشاق، تحاول ان تستعيد شيئا من التوازن، بعد ذلك البركان ولحظته النارية الهمجية الممتعة المرعبة المباركة المهولة التي زلزلت كيانك.
 بقيت متكئا بين الصخور دون ان تشعر بمرور الوقت. امامك البحر ومن حولك الصخور والفراغ، وانت واهن منهك لا ترغب ان تقوم من مكانك، كان ماحدث في غرقة نوم حورية، قد استنفذ طاقتك وافرغك من اية قوة او قدرة على الحركة. انك لن تعود اليها، ولن تطأ قدماك عتبات بيتها بعد الان. فانت ذكر النحل الذي اخصب الملكة وعليه ان يموت. كنت هناك بديلا لسائقها الغائب، وها قد عادالسائق الى عمله وانتهت المهمة المؤقتة التي انتدبت للقيام بها، واستلمت مكافأة نهاية الخدمة، التي كانت اكبر واعظم مما يمكن ان يتوقعه انسان مثلك. ومستعيدا في ذهنك ما حدث في تلك اللحظة الخارجة عن سياق الزمن، يمكنك ان تقول انه لم يكن مجرد نزوة من نزوات اهل المال والجمال والنفوذ. ماحدث سبقه ترتيب وتدبير وسوابق قادت اليه، الا انك لم تكن في موقع يسمح لك بتفسيرها تفسيرا صحيحا. الان فقط، تستطيع ترتيب الاحداث، لتعرف ان اللحظة التي جاءت من خارج السياق، هي في الحقيقة جزء لا يتجزأ من السياق كما رسمته سيدة البيت. هذا كل ما تستطيع الوصول اليه، لان جوانب اخرى لا زالت خفية، قد لا تعرفها ابدا، وقد لا يعنيك ان تعرفها لانها تتصل بعلاقتها بالرجل الكبير نفسه، بالنسبة لك، فانه يمكنك اعتبار ما حدث، نوعا من انواع الوداع العنيف المثير، منحك ابهج لحظات العمر، وهيأك للذهاب الى الحر ب راضيا هانئا، لانك لن تأسف على شيء بعد ان قطفت هذه الثمرة النادرة من شجرة اللذة التي لا تنمو الا في فراديس السماء. وعليك ان تكون كثير الشكر والامتنان لملائكة الفرح والسعادة التي خصتك بهذا الوابل من الغيث السماوي، يطفيء عطشك ويروى ارضك المجذبة المقفرة وينهي جفاف ايامك ويباسها. من يجرؤ على القول ان ماحدث هو عمل من اعمال الغواية،التي تعزىلتأثيرابالسة توسوس في صدور الناس، لست انت من يوافق على ان هذه التجربة الجليلة الجميلة التي تشبه الجلوس على مائدة من موائد الجنة، يمكن انت تنسب الى أي شي آخر غير النعم الالهية السماوية. انت لا تقول هذاالكلام لمجرد الاحساس بانك وصلت الى مصالحة بين ضميرك الديني وبين حاجات الجسد وشهواته الترابية واعتبارك ان النشاط الجنسي لجسمك شيء ينفصل عن حاجات الروح، باعتباره يكتسب تبريره من هذه الخامات والمعادن التي صنع منها جسد الانسان، لا تقوله لهذا السبب لانك لا تجد في التجربة التي عشتها في غرفة نوم حورية أي انفصال بين الروح والجسد فكلاهما كان في حالة انتشاء بهذا اللقاء و لا تستطيع ان تقيس فعل الحب مع حورية بذات المقاييس التي قست بها الممارسات الجنسية التي قمت بها في اطراف الغابة، او تلك التي مارستها في بيوت الدعارة السرية بسيدي عمران. لحورية، نصيب من اسمها، ككائن ينتمي الى كائنات الفراديس الالهية، وزمن الاغتراف من نعمائها لا يمكن ان نقيسه الا بالمكانة التي تحتلها الحوريات في التراث الديني والتراث الشعبي. مع كل الممارسات الجنسية السابقة كنت تشعر بالاثم وان جسمك قد تدنس بهذا الفعل وتدعو الله في صلاتك بعد ذلك ان يغفرلك ما ارتكبت من معصية، ولكن الامر يختلف هذه المرة، فليس في عقلك او ضميرك ذرة احساس واحدة بالاثم مما فعلت مع حورية. ما تشعر به هو احساس بالفرح والسمو، لعله نوع من خداع النفس، او حالة من حالة الزهو لانك اقتطعت نصيبا من المائدة التي يستأثر بها الحاكم الايطالي للبلاد.
 بقيت في مكانك حتى انقضى النهار، ثم قمت وتمشيت قليلا على الشاطي وقد بدأت الشمس الغاربة تضع لمساتها الجمالية فوق قوس الافق وترسم بازهى الالوان لوحة الغروب التي تبعث في النفس اكثر المعاني جمالا وجلالا، فسرت مبتهجـا تدندن لحنا مرحا لاغنية شعبية تقول كلماتها:
خلوني ف حالي
يا لصحاب خلوني فحالي
انا مشغول بعشق الغوالي
 ظللت تراقب مشهد الغروب وما يحدثه من استنفار لعناصر الجمال في السماء وما ينعكس من تكوينات لونية على سطح البحر، دون ان تسأل خلا ل هذا الوقت الطويل الذي قضيته على الشاطىء عن طعام اوشراب رغم انك لم تتناول منذ الصباح الباكر غير كوب الشاي الذي اخذته من مختار العساس والاخر الذي احضرته لك حواء، لان حالة الاكتفاء التي شعرت بها لم يحدث لها أي تغيير واحساس الشبع والارتواءالذي زودتك به ممارسة الحب مع حورية ظل ملازما لك طوال الوقت.
 اقفلت عائدا الى المعسكر بمجرد ان بدأت العتمة تزحف على الارض والبحر. عدت مبكرا لان الليلة هي الليلة الاخيرة التي تقضونها فوق اليابسة، وما ان يأتي مساء الغد حتى يكون كل اهل المعسكر قد احتوتهم السفن الخمس الراسية في الميناء.
 كان اول من صادفك وانت تدخل المعسكر هو الشاويش عنتر، واقفا بمفرده قريبا من البوابة مما اعطاك احساسا بانه جاء خصيصا لانتظار عودتك، ربما لابلاغك بسرعة الاستعداد للسفر، متشفيا لان كل ما بذلته من جهد في الحصول على إعفاء او استثناء قد وصل الى طريق مسدود، ولذلك فقد كرهت حقا ان تراه في هذه اللحظة، وادرت وجهك شمالا ويمينا بحثا عن أي شيء تتخذه ذريعة للانشغال عنه وتفادي الحديث معه فلم تجد. بادرك بالتحية العسكرية التي عادة ما يبادر بها العسكري الاصغر رتبة من هو اكبر منه رتبة.
- ماهذا ياشاويش عنتر، انك الاكبر رتبه، فلماذا السخرية.
- انك تستحق هذه التحية عن جدارة، لانك الاكبر عقلا والاكثر حيلة ودهاء ومكر ا حتى وان كنت اصغر رتبة.
- انها الليلة الاخير التي نقضيها سويا في هذا المعسكر، فدعها تمضي على خير، عافاك الله.
- وهل هناك غير الخير يا اخي عثمان. لقد اثمرت خطتك الجهنمية نتائجها، فهنيئا لك.
 مد الشاويش عنتر يده مصافحا، فلم تجد بدا من مصافحته كارها:
- عن أي شيء تتكلم.
- اتكلم عن عضوية الحزب الفاشي وسرها الباتع، فقد صدق من قال لا يفل الحديد الا الحديد.
- دع عنك ترويج هذه الاشاعات التي جلبت لي نقمة زملائي في المعسكر.
- انني لا الومك وانما اغبطك كما يغبطك كل هؤلا ء الزملاء، ويتمني كال واحد فينا لو كان حلوفا مثلك.
 قالها ضاحكا وهو مازال ممسكا يدك. انتزعت منه يدك غاضبا، وهممت بان ترد على الوصف القبيح الذي وصفك به، الا انه استبق كلامك مسرعا:
- لا تغضب ياعثمان، بل افرح وزغرد اذا كان لك لسان امرأة يصلح للزغاريد، فقد جاء منذ ساعتين فقط قرار استتنائك من الذهاب الى الحرب في بلاد الحبشة. انهم يسمونه تأجيلا، ولكنه في الحقيقة اعفاء، وهو امر لم يحدث لاحد في هذا المعسكر الا لك، وقرار لا يحمل الا اسما واحدا هو اسمك، بتوقيع الحاكم العام نفسه. هل عرفت الان كيف ان لبطاقة الحزب فعل السحر.
 انضم اليكما حشد من المجندين، تعرف بعضهم ولا تعرف بعضهم الاخر، وجميعهم سمعوا ما قاله الشاويش عنتر عن الاستثناء الذي صدر في حقك، مما جعلك متحفزا لاي استفزاز يصدر عن احد منهم او اية كلمة جارحة، تعليقا على القرار، لترد عليه بحسم وعنف وقوة. الا ان ردود فعلهم جاءت معاكسة لما توقعت، فكلهم مدوا ايديهم يهنئونك ويعربون عن مشاعر الفرح والغبطة لك، ويعتبرون ان ما فعلته بالانضمام للحزب الفاشي كان مكرا هزمت به مكر الايطاليين، وحيلة تغلبت بهم على مخططاتهم لقتل الليبيين. لقد نجوت بنفسك، ولا يسعهم الا الاعتراف بنجاحك فيما خططت له، لانهم جميعا يودون من اعماق نفوسهم لو فعلوا مثلك، فالحياة افضل من الموت، والبقاء بعيدا عن الحرب، خير من الاحتراق في جحيمها، وحلوف حي، خير من اسد ميت كما عبر الشاويش عنتر ضاحكا، فضحكت معه هذه المرة بعد ان تأكدت من صدق ما يقوله عن افلاتك من المصير المحزن الذي لم يستطع احد غيرك الافلات منه. وشجعك هذا الموقف المؤازر لموقفك الذي ابداه الحاضرون ان تبحث عن سالم، بامل ان يكون هو الاخر اقل حدة وغضبا واكثر تفهما لموقفك على ضوء النتيجة التي وصلت اليها، خاصة وهي الليلة الاخيرة لتواجدكما في مكان واحد. لم تذهب باحثا عنه بهدف ان تأخذ منه شهادة براءة على ما فعلت، فهو لن يعطيها لك وانت لن تطلبها منه، لان افكارك تختلف عن افكاره، ولا مجال للتصالح بينهما، ولكن هناك دائما مجال للتصالح على المستوى الشخصي والانساني فلا يذهب الى الحرب غاضبا منك. لم تستطع العثور عليه، فعدت متأسفا الى العنبر الذي تقيم فيه، والذي وجدته شبه فارغ، لان اغلب المجندين ثم تكليفهم للعمل ساعات اضافية لنقل التجهيزات وتعبئة العتاد وافراغ المخازن ونقل ما بها للشاحنات، قائلين لهم بانهم سيعوضون السهر هذه الليلة بايام نوم كثير داخل السفينة.
 في الصباح لم يكن لديك ما يكفي للسؤال عن سالم، اذ كان لابد، تأكيدا لقرار الاعفاء، ان تذهب في ساعات الدوام الاولى، لتجديد انتسابك لقسم السائقين بادارة المواصلات، وانهاء الاجراءات المتعلقة بذلك.

يتبع

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By