|
الحلقة الأولى / الثانية / الثالثة / الرابعة / الخامسة / السادسة / السابعة / الثامنة /
حمدت الله ان مرت زيارة المارشال بسلام، دون تكليفات او مهمات جديدة بالنسبة لك، توقظ في ذهنك الذكريات الاليمة للمهمة السابقة، ولا تتوقع منها الا الكوارث، وجاء مرجان مهرولا يسألك ان تلبي نداء سيدته السنيورة حورية. بوثبات سريعة صعدت السلم، لاحقا بمرجان الذي سبقك لفتح الباب. - جاء المارشال لمجرد الاطمئنان على صحتي، فمازلت منذ الحادث لم استعد كامل لياقتي. - من يراك بهذا البهاء، لا يسعه الا ان يصلي على كامل النور. - شكرا للشيخ البلبال، فقد كان لاسلوبه في العلاج الروحي واستخدامه للاعشاب و سور القرآن، فضل اخراجي من حالة الكآبة. - دون ان ننسى اطباء مستشفي كانيفا. - لم اذهب هناك للعلاج وانما لغرض آخر، هو الاطمئنان على ان غلطة ذلك اليوم، التي لا ادري كيف حصلت، لم تترك بذرة طفل في احشائي. - انني آسف اذا تسببت في أي حرج لك. - ليس هذا ما اقصده وانما اريد ان نبني علاقة سليمة على اسس قوية، في ظل الدين والشريعة، لاقفل صفحة من حياتي وابدأ معك باذن الله صفحة جديدة. انني احب ان يكون لي طفلي، بل اطفالي، ولكن من زوج ينتمي الى اهلي وديني ويتزوجني على سنة الله ورسوله. هل فهمت؟ - طبعا فهمت. - هل تعلم شيئا؟ الشيخ البلبال نفسه، يقول ان الانجاب والامومة وتلبية حاجة المرأة الطبيعية لان يكون لها طفل، طريق مضمون للعافية النفسية وسلامة الروح والجسد، يجب ان نحرص على حضوره عقد الزواج كواحد من الشهود، فانا اتفاءل به. بدأت تسأل نفسك ان كان هذا هو ما استدعتك الى بيتها من اجله، وان كان دورك في العملية قد تم رسمه وتحديده، ربما دون ان يحتاج الامر الى معرفة رايك في الموضوع، في حين واصلت هي الكلام: - الجميل في الموضوع كله ان ايتالو صار متفهما تماما لهذه الحقيقة، حقيقة ان حياتي لا يمكن ان تستمر الى الابد بهذه الطريقة، وانه لابد لي من ارضاء هذا الحلم بالامومة قبل فوات الاوان. - وهل سيطيق المارشال فراقا للمرأة التي فضلها على نساء العالمين؟ - لا تنسى ان له زوجته واطفاله الثلاثة الذين يجب ان يهتم بهم اكثر، وسيعوضونه عن الفراغ الذي ساتركه في حياته. سنستمر اصدقاء فقط. مرت لحظة صمت قبل ان تشير اليك بان تجلس بجوارها، ففعلت. وضاحكة، مرت باصبعها على جبينك قائلة: - ما هذه التقطيبة التي لا معنى لها. اخذت وجهك ووضعته بين يديها واقتربت بوجهك منك حتى كاد يلامس وجهك. - ماذا؟ هل انت غبي الى هذا الحد؟ ام انت تتغابى؟ الطفل الذي اريده هو انت، قبل أي طفل احتاجه لتلبية نداء الامومة، وهو ايضا اريده منك انت. اريد فعلا ان اطوي هذه الصفحة مع المرشال لابدأ حياة زوجية، طبيعية، شرعية، تباركها الملائكة في السماء، ويعترف بها الناس في الارض. اليس هذا حقا من حقوقي؟ هل تراه كثيرا على امرأة مثلي ان تطلب ذلك؟ الصقت جسمها بجسمك، ووضعت فمها على فمك، وسرت السنة اللهب الحمراء في جسمك، فاحسست انك تحترق وعظامك تتحول الى احطاب مشتعلة. بقيت على هذا الوضع بضع لحظات قبل ان يستقطب بصرك وشعورك مفترق النهدين في صدرها فمددت يدك في لهفة تتحسس هذا المكان وتطوي خصرها بذراعك الاخري لتدني صدرها من صدرك. اوقفتك وانتشلت جسمها من بين احضانك وانتقلت للجلوس في المقعد المقابل. كانت حواسك في حالة استثارة وشهوتك في حالة اهتياج. اردت ان تنتقل قريبا منها، فاشارت لك بيدها ان تبقى في مكانك. - لن يكون ذلك الا في الحلال. اعادت تسوية شعرها وهندامها واستوت في جلستها وقد اتخذت مظهرا اكثر جدية وتكلمت بلهجة رسمية قائلة: - هذه امور تستطيع ان تنتظر قليلا. هناك الان ما هو اكثر استعجالا، واريدك ان تنصت جيدا لما اقوله لك. قالت كلماتها مصحوبة برفع حاجبيها على طريقتها عند اظهار الاهتمام بشيء ما، وبدات انت تدريجيا تخرج من الحالة الشبقية النارية التي وضعتك فيها واخرجتك منها الى جليد الاهمال واللامبالاة، تحاول تركيز انتباهك في الموضوع الجديد التي اعطته صفة الاستعجال. - انها مهمة اختارها لك المارشال، وهي في غاية السرية والاهمية والخطورة لانها تتصل بامنه الشخصي، ولو لم تكن موضع ثقته الكاملة ما اختارك لها. ومستذكرا ما حدث في الرحلة الى جنزور، ومنتهزا حميمية الجلسة، قلت لها هامسا: - مهما كانت هذه المهمة، فاسكون اكثر سعادة لو اختار لها شخصا غيري. وبسرعة جاء ردها: - لا تعد الى قول هذا الكلام ابدا. لان مثل هذه الثقة هي حلم أي انسان في الدنيا. وستعلم مستقبلا قيمتها كما ستعرف الجهد الذي بذلته شخصيا من اجل تأكيد هذه الثقة لدى المارشال. - قولي اذن بسرعة ما هي هذه المهمة، واريحي عقلي قليلا. - باختصار فقد قرر المارشال ان يزور المدينة القديمة متنكرا، ولن يعرف احد خارج الدائرة الخاصة جدا من اعوانه بهذه الزيارة،الا انت، ولن يرافقه خلالها احد سواك. وسيطوف فيها بعفوية وحرية، متخلصا من كل قيد رسمي، ومن طوابير البشر الذين يحاصرونه بهتافاتهم ويلاحقونه بطلباتهم. سيذهب لتفقد كل الاماكن المهمة التي يسكنها العرب والاجانب، قوس الصرارعي، كوشة الصفار، الاربع عرصات، الحارة الصغيرة، الحارة الكبيرة، باب البحر، سوق الترك وسوق اللفة وبقية الاسواق الشعبية، ويريد ان يرى جامع الناقة، وجامع قرجي وكنيسة العذراء والمعبد اليهودي والمباني القديمة لقنصليات فرنسا وبريطانيا والبندقية وامريكا، كما يود ان يزور بيتا عاديا تسكنه عائلة ليبية. هذه مجرد فكرة اولية لكي تذهب وترسم خط الزيارة، بحيث يستفيد المارشال من كل دقيقة يقضيها هناك. للزيارة هدفان اولهما ان المارشال يريد ان يقضي لحظات متحررا من روتين الحياة الرسمية، في مكان لايعرفه فيه احد، والثاني هو استكمال معرفته بالعاصمة التي يحكمها وبهذا الجزء الحي من تاريخها. اصابتك حالة من الرعب وانت تجد نفسك مكلفا بعهدة غالية، لعلها اغلى عهدة في العالم، هي المارشال ايتالو بالبو، حاكم ليبيا وبطل سباقات الجو العالمية، وابن ايطاليا المدلل. الا انك تذكر امرا ازال الفزع من قبلك. تذكرت نبوءة الشيخ البلبال التي لن تجرؤ على قولها لاي انسان في الدنيا، وطالما انه لن يموت الا على ايدي جنوده الايطاليين، فلا مجال للخوف عليه اثناء تجواله في المدينة القديمة بين الليبيين. لاحظت حورية كيف انفرجت اساريرك بعد تعتيم وتقطيب، فابتهجت لذلك: - واضح انك سعيد بالمهمة. - الاهم هو تأمين سلامة الحاكم العام. - لا تقلق من هذه الناحية، فستكون هناك ترتيبات امنية تحسبا لحدوث أي طارىء. - ومتى موعد الزيارة باذن الله. - يريدها ان تكون يوم الاحد، فهو وان كان يوم عطلة في الدوائر الحكومية، الا انه يوم عمل عادي في الاسواق والمواقع التي سيزورها. - تعلمين ان الاسواق جميعها تقفل ساعة القيلولة، وعليه ان يبدأ نهاره مبكرا اذا اختار الفترى الصباحية. - نعم سيكون موعد الزيارة في الفترة الصباحية، فالمساء يفضي الى الليل، والليل لا أمان له. اردت ان تسألها عن ساعة اللقاء يوم الاحد وتفاصيله، فقاطعت قائلة: - اليوم هو الخميس، وامامنا غدا وبعد غد لضبط تفاصيل الزيارة، ولكن احذر ثم احذر ثم احذر ان تتسرب منك كلمة واحدة عنها لاي انسان في الدنيا. هذا يمنحك وقتا لزيارة المواقع المهمة سلفا،و تحديد خط الزيارة بدقة. خرجت من بيت حورية وعقلك مقسوم الى نصفين، نصف يملأه العرض الذي قدمته لك حورية، والنصف الثاني زيارة الحاكم العام الى المدينة القديمة واختيارك لتكون دليله في هذه المتاهة الصغيرة من الازقة والحواري والزواريب المتداخلة في بعضها البعض. اول الموضوعين مؤجل، لم تناقشه حتى بينك وبين نفسك، لانه لا تنفع معه الايجابات السريعة، ولا يجب ان يحتل حيزا من عقلك الذي لابد ان تسخره كله في هذين اليومين القادمين لزيارة المارشال، ثم ان حورية، امرأة تختلف كثيرا على نورية التي ما ان عرضت عليك مثل هذا العرض حتى رفضته دون تردد او تفكير، ودون حاجة لاجراء أي حسابات. الامر هنا اكثر صعوبة وتعقيدا، واي خطأ في العملية الحسابية، سيكون ثمنه باهظا، ولذلك فهي مسألة تستحق هي ايضا ان تعطيها عقلك كاملا، حالما تنتهي من هذه المهمة العاجلة. سيكون امرا صعبا ان يصدر الرأس امرا لنفسه، وهو الذي تعود ان يصدر الاوامر لبقية اعضاء الجسم. ولكن لابد من المحاولة وتاجيل موضوع على حساب الاخر وفقا لاولويته. انك لا تعرف ثلاثة ارباع المواقع التي قالت حورية ان الحاكم العام يريد زيارتها، ومعنى ذلك انه لابد ان تستغل ما تبقى من الوقت افضل استغلال في اجراء تمارين اولية على الزيارة والتعرف الى هذه الاماكن وتحديد اقصر الطرق التي تقود اليها، لكي تفوز برضا الحاكم العام. اصعب بنود الزيارة هو تدبير بيت من بيوت المدينة القديمة، تقطنه اسرة ليبية، ليزوره ويتعرف الى اسلوب حياة هذه الاسرة، لانك لا تعرف من هذه البيوت الا بيت الدعارة السرية في سيدي عمران لصاحبته السيدة شريفة، ولعله الاجدر بزيارة حاكم مثله يحب الاوقات الطيبة، من أي بيت آخر مثل بيت الحاج المهدي الذي لا يمكن اعتباره بيتا من بيوت المدينة التقليدية، فهو جزء من الطابق العلوي لاحد البيوت، تم تلفيق مدخل له، وسلالم لن تتسع لمرور رجل مكتنزالجسم مثل الحاكم العام. عدت الى فندق الكبران، بعد ان اشتريت من دكانة البقالة المجاورة له، رغيف خبز وقليل من البصل والخيار والطماطم والفلفل الاخضر، بما يكفي لاعداد طبق الشرمولة مع كمية ضئيلة من الزيت والملح، مؤجلا برنامج الطهي واعداد الوجبات الساخنة الى وقت اكثر براحا ويسرا. تناولت بسرعة هذا العشاء الخفيف، ووضعت السخان فوق موقد الغاز لاعداد الشاي ن واخذت تقرا ايات من القرآن الكريم، تستعيد بها شيئا من هدوء البال، بعد ان ارهقت عقلك هذه الاخلاط من القضايا الامنية والسياسية والغرامية. كنت قد نسيت تماما جهاز الحاكي، الذي لا يزال وديعة لدى صاحب الفندق، ولم تذكره لانك عندما دخلت كان الجو هادئا، وكان باب غرفة صاحب الفندق مواربا، وكنت في مزاج لا يسمح بالاختلاط او الحديث مع احد، فجئت للاختلاء بنفسك، الا ان حالة الهدوء التي كانت تعم الفندق، اخترقتها فجأة اصوات الزغاريد، وغناء المجاميع النسائية، مصحوبا بالعزف على المقرونة والدق على الطبلة. ظننته في البداية موكب عرس يمرق امام الفندق، سرعان ما ينحسر، ولكن صخب العرس استمر بنفس القوة، عندها فقط تذكرت ان الصوت قادم من الحاكي، وان هناك بين الاسطوانات، واحدة تحمل تسجيلا لعرس بدوي. ها قد احضرت بنفسك الالة التي ستقلق نومك وتطرد هدوء الليل من حولك، ولا حل الا بان تهبط الان الى الطابق الارضي وتسترد هذه الالة، لتصبح انت المتحكم الوحيد في تشغيلها بما يتفق مع اوقات النوم واليقظة، والسكون والحركة. ستتمهل قليلا ريتما تنتهي من تناول كأس الشاي الذي تشعر بمسيس الحاجة اليه، ثم تهبط لايقاف هذا العرس، الا ان العرس وقبل ان تغادر غرفتك، تحول الى نوبة مألوف بدفوفها وصاجاتها واذكارها، نوبة تكاد تكون حقيقية، لا مجرد صوت يصدر عن اسطوانة، لان كل من كان موجودا من شلة الكبران شارك في ترديد مقاطع منها، فهي كلمات مشهورة يحفظها سكان المدينة ويتغنون بها في المناسبات الدينية والاجتماعية، كما انها تثيركوامن الشجن، وتحرك الوجدان بمعانيها ذات الطابع العاطفي الحزين، رغم ان الجميع، عندما وصلتهم كانوا يغنونها ضاحكين، هازلين، وبكثير من الفرح الذي يتعارض مع كلماتها: - د معي جرى على صحن خدي كالمطر. كان الكبران جالسا على الارض، محاطا برفاقه وامامه قنينة من عرق النخيل، يسكب منها في كاس من الحجم الصغير، يطوف به على المجموعة. - ارى شيئا آخر يجري، غير الدموع. - انه عرق حلو لا يغضب الله ورسوله. تفضل ذق منه رشفة ان كنت لا تصدق. مد لك يده بكوب العرق فوضعته على شفتيك لاختبار صدق الرجل، فوجدت ان ما قاله الرجل كان كان كذبة حمراء، لانه عرق حامض، مسكر، لا يباع الا في الحانات. - انه اشد حموضة من الخل. ادعى الكبران الدهشة وهويضحك: - سبحان الله، فلماذا اجده في فمي حلوا مثل شربات الفرح، ام تراني تحولت الى ولي صالح ممن تتحول الخمور في افواهم الى شهد. لاول مرة تعرف ان الكبران صاحب مزاج في الخمر، لانك رايته في الليالي الماضية، مولعا بلعب الورق، حيث لا كأس يدور الا كاس الشاي بجولاته الثلاث. ادرك ما تفكر فيه، فنظر اليك باسما، وهو مازال يتمايل بجسمه الكبير مع اللحن، مرددا مع الاخرين كلمات الانشودة، ثم قطع الغناء قائلا: - انني مثلك من حزب الشاي، ولكن الشاي لا ينسجم مع الطرب والغناء. انه كأس نشربه على شرف هذا الجهاز الجميل. لم تهبط من غرفتك الا لتسترد هذا الجهاز الذي يراه جميلا، غير ان الجرأة لم تواتيك لافساد السهرة على اصحابها فتركتهم واقفلت راجعا. في الصباح اعترض الكبران طريقك لحظة مغادرتك الفندق قائلا: - الجرامافون. لم يكن في رأسك مساحة لاي شيء آخر غير زيارة الحاكم العام. - لنترك الموضوع الى المساء. ولكن الكبران لم يكن في رأسه شيء آخر الا هذا الجهاز. - اريد ان اشكرك لانك جعلتني اتعرف على هذا الشيء العجيب، فقد رأيت بنفسي كيف تغيرت الحياة في الفندق بسببه. - دع هذه الاشياء للفنادق الحديثه، اما فندق الكبران العربي، الذي يمثل قطعة من التاريخ الليبي بقوافله القادمة من الصحراء، فان ما يحتاجه ليس هذا الحاكي، وانما الحكواتي الذي يقرأ السيرة الهلالية ورأس الغول. - صدقني ان جهازك الهمني افكارا جديدة سأبدأ في تنفيذها قريبا، الا ان الموضوع يتوقف على موافقتك اولا قلت له مستغربا: - اوافق على ماذا؟ - سأحول ركن المواشي الى موقف للسيارات، والسطح الى مقهى حديث يطل على الميناء يأتيه السواح للفسحة والاستماع الى موسيقى الشرق. - لم تقل لي اوافق على ماذا؟ - على ان يبقى هذا الجرامافون ملكا للفندق، وتأخذ انت المبلغ الذي دفعته بالتقسيط. - لدي موعد عاجل الان، وسنتكلم ليلا في الموضوع. انها ورطة اخرى، لست انت المسئول عنها، ولا الكذبة البيضاء التي قلتها له عن طريقة حصولك على الحاكي، وانما بالبو. فهاجس التحديث والتجديد، صار نوعا من الهستيريا لدى قاطني هذه المدينة، وقصة نجاح المشيرقي الذي تحول من صاحب دكانة عطارة في قوس الصرارعي الى متجر للاجهزة المذياع والات التصوير، يغري الكثيرين بتقليده، وقد رآى الكبران الميناء تضاف اليه المباني والارصفة ومراكب المرشدين الجديدة الحديثه، وراى بجواره قوس ماركوس اوروليوس، تزال من تحته اكوام الاتربة وتغرس مكانها جنينة ورد محاطة بالزليج الملون، وسمع الدعاية التي تقول السواح قادمون، فركبه عفريت التجديد، وما ان رآى الحاكي حتى ظن ان العناية الالهية ارسلت اليه الوسيلة التي يبدأ به مرحلة التحول الكبير. تركته وذهبت تسأل اهل الدكاكين المجاورة، عن قنصليات فرنسا وبريطانيا والنمسا والبندقية، ومعبد اليهود، وكنيسة العذراء، وجامع الناقة، وقصر يوسف القره مانللي قبل انتقاله الى القلعة، وغيرها من اماكن لم تكن تظن انها متباعدة عن بعضها البعض الى هذا الحد، وان المدينة القديمة بهذا الاتساع الذي لايمكن ادراكه الا في حالة انسان مثلك يريد ان يعرفها من اولها الى آخرها، فذهبت مهرولا بينها تتصبب عريقا، تحاول ان تكسب الوقت، تتوه وتسأل فتعود الى الطريق، تتلمس طريقك نحو الخريطة التي تريد وضعها للزيارة، ورجعت بعد قضاء نصف النهار في البحث والتنقيب عن اهم معالم المدينة، متعبا، دائخا، تشعر بانك افشل انسان يمكن ان يختاره بالبو للقيام بالمهمة، وانك يجب، ضمانا للنجاة من العقاب، ان تعترف منذ الان بفشلك، وبعدم صلاحيتك للمهمة، ليختار لها انسانا غيرك. وزاد الامر سوءا انك انهيت الجولة بحضور صلاة الجمعة في جامع الناقة، وكان الخطيب معاديا لايطاليا، ملأ خطبته النارية تعزيرا للناس الذين استكانوا لحكم الكفار، وطالبهم اما بالتصدي للمستعمرين، واما بترك البلاد، لانه لا يصح للمسلم ان يعيش دليلا في بلاده الاسلامية تحت سيطرة حاكم اجنبي، ناكرا للاسلام، مختتما خطبته بالاية الكريمة التي تقول " الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها"، المشكلة طبعا ان يحدث ما حدث قبل هذه المرة، عندما جاء اعوان السلطة ليلا الى بيته لاعتقاله، مما سيخلق شارعا مستنفرا ومعبأ ضد الايطاليين. استطعت في جولة اليوم ان تتعرف على المواقع التي ستشملها الزيارة، ولكن معرفة اقصر الطرق التي يمكن استخدامها للانتقال بين هذه الاماكن هو ما تحتاج فيه الى مساعدة احد المتخصصين في جعرافية المدينة القديمة، وهو ما تركته لليوم التالي، حيث ستقوم باستئجار هذا الخبير الذي يقضي معك جل ساعات النهار في رسم خط الزيارة وتحفيظه لك عن ظهر قلب شارعا شارعا. ولن يكون هذا الاخصائي، الذي تثق تمام الثقة في انه سيقوم بالمهمة خير قيام، غير واحد من العتالين، ممن يضعون السلال على ظهورهم. انهم يقومون بتوصيل الخضار والفاكهة حاجات البيوت التموينية، من السوق الى مختلف بيوت المدينة، ومن مصلحة الواحد منهم، ان يتقن اقصر الطرق التي توفر له الوقت والجهد. لم يكن لدى السنيورة حورية شيء جديد تقوله لك حول الزيارة المرتقبة، عندما قابلتها مساء، عدا ان الحاكم العام، لن يكون مستعدا خلال الزيارة، لاسباب امنية وصحية، ان يتناول أي طعام او شراب خلال الزيارة، وهو لا يريد ان يأخذ احدا من مرافقيه ممن يذهبون عادة معه، ويتناولون قبله أي طعام او شراب يقدم اليه. وكان لابد ان تشركها معك في حيرتك، فهي تعرف طبيعة الليبيين المضيافة، خاصة وان الجولة تتضمن زيارة سريعة لاسرة ليبية، فكيف سيتم علاج الموقف؟ العلاج الذي افترضته حوريه هو ان يتظاهر الحاكم العام بانه يقوم بفعل الاكل او الشراب، وعليك انت تتدخل لمساعدته في اتمام المهمة، فقد يأخذ كاس الشاي، وعليك ان تأخذه منه، لترده لاصحاب الدار اوالحانوت فارغا بعد ان تشربه او ترميه دون علمهم. ضحكت لانها ارادتك ان تتقن في يوم واحد مهارات مثل خفة اليد وخداع البصر التي يقضي السحرة والحواة عمرا في تعلمها، ولكن ماذا عن العائلة التي سيزورها؟ كنت تتمنى لو ان القنصليات القديمة ماهولة بعائلات، لكان من الممكن استئذانها في دخول المكان، ويتحقق مع هدف زيارة الموقع الاثري، زيارة العائلة الليبية،الا ان هذه القنصليات تغيرت طبيعتها دون ان تتحول لبيوت سكنية، فقنصلية البندقية هي الان مدبغة للجلود، وعلى الحاكم العام ان يتحمل رائحتها الكريهة اذا اصر على زيارتها، والفرنسية صارت مصنعا يملكه تاجر يهودي لتحضير نوع من الخمر المحلية اسمه البوخة، والانجليزية تهدم ركن منها، فاقفلت ووضعت قيد الصيانة، ولا تعرف من العائلات الليبية الا عائلة الرجل الذي كنت تعمل لديه مساعدا في صنع الاحذية، وهو رجل طريح الفراش يعيش مع زوجته وابنته التى ذهب زوجها الى الحبشة، وطفل في العاشرة في بيت صغير. ورأت حورية ان هذه هي العائلة المثالية التي يحب المارشال ان يزورها، فلا حاجة لزيارة البيوت الكبيرة التي سيزورها عندما يذهب الى بيوت وقصور القناصل، وسيسعده ان يتعرف الىعائلة ينتمي احد رجالها الى الجيش الايطالي المحارب في الحبشة. لم تقل لحورية شيئا عن علاقتك بهذا البيت واصحابه، وعن سوء الفهم الذي حدث منذ يومين بسبب الحاكي والحاجة لازالته قبل زيارة الحاكم. وهو ما رأيت ان تمنحه اولوية على أي شيء آخر. ليس رغبة في ارضاء المارشال، وانما ارضاء ثريا وتأثير هذه الزيارة على نظرتها لك عندما تعلم انك اصطحبت حاكم البلاد الى بيتها، لان هذه الزيارة لن تبقى سرية لوقت طويل بعد حدوثها، وسيأتي وقت للحديث عنها دون حرج او خوف. استأذنت حورية في ان تترك العمل مبكرا لمزيد من الترتيبات للزيارة، وذهبت بعد العصر بقليل تدق باب الحاج المهدي. لم تكن قد اعددت ما ستقوله بالضبط لتبرير زيارة الرجل الغريب، الا ان رأسك لم يكن خاليا من بعض العناوين التي تأمل ان تعثر على تفاصيل لها اثناء الحديث مع الحاج واسرته. جئت بيدين خاويتين، لا تحمل معك شيئا مما تعودت ان تأتي به على سبيل الهدية، كلما طرقت هذا البيت. لانك على ثقة من ان اية حزمة تحملها حتى لو كانت بصلا، ستوقظ لديهم مشاعر الخوف والحذر، وعندما فتحت لك الام الباب ودخلت الىغرفة الحاج، لم تسأل مجرد السؤال عن ثريا،او تظهر شيئا من اللهفة لرؤيتها، لتزيد الام اطمئنانا بان لديك مهمة جئت من اجلها، لا مجرد ذريعة لكي ترى ابنتهم. وبعد الاستفسار عن صحة الحاج، دخلت بسرعة في الموضوع، قائلا للرجل وزوجته، بانك قابلت تاجرا من خارج البلاد، يعرف الحاج المهدي، وتعامل معه في ازمنة سالفة، وعندما سمع بانه متوعك صحيا، اصر على زيارته، وقد جئت تطلب له الاذن، لكي يأتي غدا قبل الظهر. سالك الحاج عمن يكون هذا الرجل ومن أي بلد جاء، فتدرعت بانك قابلته على عجل عبر تاجر صديق، هو الذي اخبره بانك تعرف عنوان الحاج. وضعت العائلة امام الامر الواقع، وفرضت عليهم الزيارة، وابلغتهم قبل ان تذهب، بان الزائر على سفر، ولن يكون لديه وقت لتناول أي طعام او شراب، انما هي دقائق يؤدي خلالها واجب التحية للحاج وينصرف. ورغم ان الحاج المهدي عاد يلح في معرفة هوية الزائر، الا انك لم تستطع الا ان تكون غامضا، لانك لا تدري على اية صورة سيأتي، واية البسة سيرتدي، كما جازفت باختراع هذه الصداقة بينه وبين الحاج، لانك على ثقة من الحاج لن يستطيع، عندما يقابله، ان ينكر معرفته به، لانك تعرف انه التقى في دكانته بخلق كثير، من كل الملل والاجناس. انتهت المهمة بسلام، وعرجت على مطعم شعبي لليهودي " شلومو" تحت برج الساعة، تناولت عنده طبق الفاصوليا بالكرشة الذي يشتهر به، وتعمدت ان تبقى في الشارع خلال الجزء الاول من الليل، تطوف شوارع المدينة القديمة، بحرية اكثر، ووقت اقصر، بعد ان اقفلت المتاجر وفرغت الاحياء من زحامها، كما ان الرجوع متأخرا الى الفندق، سيعفيك من ثرثرة الكبران، الذي ركبته لوثة الحاكي، واضحى مجنونا من مجانينه، يريد الاستيلاء عليه باية طريقة، مستكثرا على نفسه دفع مبلغ من المال لشراء حاكي جديد، فاتحا امامك معركة لا تملك وقتا لخوضها الان، وترغب في تأجيلها الى ما بعد يوم الزيارة. تسللت عائدا الى غرفتك بعد ان نام الجميع، وصحوت مبكرا جدا لكي تواصل مهمة الاعداد لخط الزيارة. جئت بعتال من مواليد المدينة القديمة، لا من الوافدين اليها من خارجها، اسعده ان يجد زبونا مثلك، يعطيه اجرة النقل، دون ان يكلفه بنقل اية حمولة. بدأت معه الجولة من باب الحرية، حيث يشكل قوس الصرارعي مدخلا طبيعيا للمدينة القديمة، مرورا بالمعالم التي يريد الضيف زيارتها، وصولا الى باب البحر، ثم الخروج عبر طريق هابط الى منطقة الميناء. عدت معه عبر نفس الطريق، ثم تركته لتقطع المسافة من نقطة البداية الى نقطة النهاية بمفردك، وعدت مرة ثالثة لمزيد من التأكيد، حتى شعرت انك اتقنت الدرس الذي قدمه لك العتال وحفظته عن ظهر قلب، ولم يعد امامك الان ان تصرف جزءا مما بقي معك من نقود على حلاقة شعرك وشراء بذلة جديدة تليق برجل سيرافق الحاكم العام. - لم نضع في اعتبارنا ان الزيارة ستكلفك نقودا. هذا ما قالته حورية عندما اريتها البذلة التي اشتريتها، لترديها عند مرافقتك للجنرال. اضافت وهي تتحسس قماشها الناعم: - ذوقك يماثل ذوقي، فانا ايضا احب الازرق الفاتح، واكره الالوان القاتمة. - اذن فانت توافقين عليها. - هل ترغب في ان ترتديها الان؟ - يكفي اني قستها في الدكان ووجدتها تلائم مقاسي. - مبروك. احسب انك بدأت تخرج من ثوب السائق الى ثوب رجل اكبر مقاما. - اعتبر نفسي انسانا محظوظا لانني اعمل سائقا لديك ولا اريد مقاما اكبر من هذا المقام. - دعنا نتفق الان على الترتيبات الاخيرة لزيارة الغد. ستأتي هنا قبل العاشرة بقليل. تؤجر عربة حنطور من امام السرايا، وتأتي بها لتقف امام باب العمارة بالضبط. ستصعد انت الى الشقة للقاء المارشال ومصاحبته بعد ذلك في العربة الى النقطة التي ستبدأ منها الجولة، ثم تدع العربة تذهب لتنتظر عند نقطة الانتهاء. ثم قامت فاحضرت خريطة لمدينة طرابلس، وسألتك ان تحدد لها فوق هذه الخريطة، وبقلم أحمر جاءت به، الخط الذي تقترحه للزيار. رسمت لها خط الزيارة كما اقترحها عليك العتال، لعرضها على الحاكم العام، الذي سيرى ان كان سيجري أي تعديل او اضافة. حذرتك حورة من ان تنسى نفسك وتتفوه باية كلمة اثناء مرافقتك له، تشير الى هويته، واذا كانت هناك ضرورة لمخاطبته باسم ما، او واجهكم موقفا ما يقتضي تقديمه لاحد الناس، فسيعطيك هو، عندما تراه غدا، تعليماته بهذا الشأن. وقبل ان تغادر بيتها، فتحت حورية حقيبة يدها، واخرجت مجموعة اوراق مالية، سألتك ان تبقيها معك، وعندما ترددت في اخذها، اخبرتك بانها لا تعطيها لك لتنفقها على نفسك، وانما لتكون تحت تصرف المارشال، فيما اذا احتاج لصرف أي مبلغ اثناء الرحلة، لتتولى انت الدفع، بما في ذلك ثمن العربة الحنطور التي ستقلكما. لم يكن هناك ما يملأ ذهنك، بعد ان غادرت بيت حورية، الا دقات الساعة التي تحدد ما تبقى من الزمن لبداية الزيارة، وتدنيك ثانية بعد الاخرى من هذا الموعد الخطير الذي سيكون حدثا مهولا في حياتك. ذهبت مباشرة الى روضة سيدى الحطاب القريبة، تصلي ركعتين لله وتسأل الولي الصالح، بجاهه عند ربه، ان يحرسك ويحميلك ويكون في عونك، بان يجعل الجولة تمضي دو مشاكل. نمت نوما متقطعا، راودتك خلاله احلام كثيرة، كلها تدور عن جولة الغد مع المارشال، تصورها قبل حدوثها، وتصور المارشال الذي يأتي متنكرا في اشكال غير آدمية، فهو حينا في صورة طائر كبير يهبط من الجو، له ريش ومخالب الطيور ووجه انسان هو بالبو، فينشب فيك مخالبه وياخذك معه الى عالم الفضاء ثم يرمي بك فتهوي صارخا بين اعمدة الاربع عرصات وتستيقظ مفزوعا، وهو في صورة اخرى ثور له قرنان، تزين عنقه النياشين العسكرية، او فيل له خرطوم في شكل بندقية ويرتدي خوذة عسكرية، او ثعبان له نابان ازرقان، يرتدي بذلة مارشال الجو، ويجري نحوك لافتراسك وانت تجري مستنجدا بسيدي عبد السلام الاسمر. استيقظت عند الفجر على صوت الموذن. لم تستطع ان تنام ثانية. توضأت وصليت، واستلقيت على السرير، تننظر مجيء الساعة التاسعة. وجدت نفسك بعد دقائق من خروجك امام مسرح ومقهي الماريمار، فشربت شايا بالحليب، واكلت شريحتي بسكويت منقوعتان في الشاي، واخذت عربة الحنطور الى شارع البلدية حيث بيت السنيورة حورية. افهمت السائق بانك ستؤجره الى ساعة الظهيرة، وان عليه الانتظار اذا ما تأخرت في العودة اليه عند الموعد المحدد. تجنبت ان تطيل معه الحديث لكي لا تفلت منك كلمة لا لزوم لها. وقبل العاشرة بعشر دقائب، سألته ان يقف امام باب العمارة، لم يكن هناك أي مظهر من المظاهر المعتادة عند وجود الحاكم العام في البيت. انطلقت صاعدا السلالم، طارقا باب البيت. كنت مندهشا لحالة السكون التي حلت بك، هذه الاعصاب الهادئة التي تطرق بها الباب. كنت للحظات مضت تتهيب هذه المهمة الى حد تشعر به، يكتم بشكل عضوي على انفاسك، ويرعبك قدوم هذه اللحظة، وعندما جاءت، وقفت امام الباب تطرقه هادئا، كان اعصابك قدت من حجر، لا تحركها خطورة اللحظة ورهبتها، وهاهي حورية تفتح الباب بنفسها، باسمة الثغر، ترفع حاجبيها، وتبتسم بعينيها ابتسامة تعبير عن اعجابها بمظهرك. تجلسك في الصالون، وتغيب لحظة قصيرة، تعود بعدها صحبة رجل مغربي، بهي الطلعة، ارتدى الطربوش والجبة المغربية والمداس المغربي، وبدا انيقا ينم مظهره عن النعمة والثراء، وقفت مستعدا، لاستقبال الرجل ومصافحته، دون ان يخطر في بالك ان هذه هي الشخصية التي تنكر فيها المارشال. اذ افلح فعلا في ان يخفي شخصيته الحقيقية، داخل شخصية اخرى شديدة الاختلاف عن شخصيته الاصلية، لا تحمل شبهة التمويه والتنكر لانها تبدو شخصية اصيلة قادمة من المغرب. تحولت لحيته السوداء الى لون فضي، اعطاه مزيدا من المهابة، واختار ان يضع على عينيه نظارة مطلية بلوني فضي يزيد في اخفاء هويته ولكنه لا يحجب اشعاع القوة الصادر من عينيه. نطق بكلمات عربية قليلة، فبدا واضحا انه تدرب عليها جيدا حتى اتقنها ولعله التقطها خلال مدة حكمه للبلاد، مثل السلام عليكم، وكيف الحال، وهذا شيء ممتاز، وسيقوم عند الحاجة باداء بعض التمتمات، يهمس بها اليك، فتتولى انت اعادة قولها للاخرين بحسب ما يقتضيه الموقف. انه موافق على خط الزيارة، كما شاهده على الخريطة،ولن يضيف اليه الا ما يقتضيه الحال اثناء مشاهدته لمعالم المدينة القديمة على الطبيعة، كما انه لن يطيل البقاء في أي مكان من هذه الاماكن، بما في ذلك زيارته للعائلة الليبية. لم يكن صعبا ان تعرف ان المارشال، لن يقوم بهذه الجولة، دون حراس، بل لعلهم هذه المرة اكثر عددا واوسع انتشارا من جولاته العلنية، الا انهم جميعا يؤدون هذه المهمة بشكل سري، وبملابس مدنية، وسيرافقون العربة، بعضهم على دراجته،وبعضهم على الاقدام، وبعضهم الاخر سبق المارشال وتمركز في مكانه بجوار المعالم التي سيزورها، وهؤلاء هم من العناصر الليبية داخل جهاز الشرطة السرية، دون ضرورة لان يعرف اولئك المخبرون ان بالبو نفسه هو الذي سيقوم بالزيارة، اذ يكفي اخبارهم بان هناك شخصا مهما، يطلب منهم حراسته والحفاظ على امنه من بعيد. كان واضحا منذ بداية الجولة، ان المارشال سعيد بهذه المغامرة، التي ترضي ميوله الاستعراضية، باكثر مما ترضيها حفلاته الراقصة الصاخبة في الفنادق وقصور الحكم، لانه هنا سيقوم بدور يدخل في صميم لعبة التمثيل. تركتما العربة ودخلتما عبر بوابة قوس الصرارعي الى عالم المدينة القديمة وشوارعها التي تغطيها الاقواس، وكان بالبو يرفع راسه ويميل به الى الخلف معلقا بصره بهذه الاقواس وما يحمله بعضها من نقوش وزخارف، واحيانا كان يعد كم قوسا احتوى الشارع الواحد، ويلاحظ اختلاف هذه الاقواس عن بعضها البعض، موزعا بصره بينها وبين البيوت المفتوحة، ذات الردهات الكبيرة، التي لا تقفل ابوابها ابدا، لان افراد العائلات الكثيرة التي تسكنها بواقع عائلة في كل غرفة، لا وقت لديهم لقفل الباب وفتحه عند خروج وقدوم كل واحد منهم، ولذلك فهو يبقى مفتوحا، متيحا الفرصة لكل عابر سبيل مثلنا ان يرى ما بداخله، ويرى شيئا آخر يهم رجلا مثل الحاكم العام، هو استباب الامن في هذه الاحياء التي لا تعرف الاحتماء بالابواب المغلقة، يقول ذلك بالايطالية وبصوت هامس لكي لا يلفت انتاه احد. كنت قد بدأت تشرح، ما كنت واثق من انه يعرفه اكثر منك، من مستشاريه وتقاريره وكتبه،الا انك لابد انت ايضا ان تقوم بدورك في التمثيلية، باعتبارك الدليل الذي يتقن مهنته، تشرح له بعض ملامح المدينة القديمة، فالجزء الاكبر منه يحتله الحي العربي الاسلامي الذي يسكنه الليبيون، وهوالجز الذي تمران به الان، وتقترب من اهم ملامحه، كوشة الصفار. كنت قد قرأت في مجلة ليبيا المصورة مقالة عن الاصل الفينيقي لطرابلس، ثم الروماني، وعن الاسس المعمارية الرومانية التي بنيت عليها، عن اسوارها التي بنيت لصد الهجمات التي تأتي من بدو الصحراء، غير الابراج والقلاع التي تصد غزاة البحر، واردت ان تواصل حديثك عن هذه الجوانب التاريخية الا انه لم يكن يريد منك مثل هذه المعلومات، ما كان يشغله هو معاينة المكان واظهار اهتمامه باللون المحلى لهذه الازقة والبيوت والدكاكين ومظاهر الحياة الموجودة في الشارع، منتبها لنقاط لم تكن لتلفت انتباهك مثل نوع الحجارة التي رصفت بها الشوارع ومصدرها، او زخرفة فوق قوس، او نقش فوق باب خشبي، مما لا تجد انت فيه شيئا مهما، واذا وجدت فلا تعرف ان تضيف اليه شرحا ولا تفسيرا، بل حتى اهتمامه بمنعطفات ومنعرجات في هذه الزواريب التي تكتم على القلب وهذه الجدران التي يغطيها صدأ السنين، ونتوءات هذه الاقواس التي تسكنها السحالى والجنادب، لا تجد له معنى ولا مبررا، ولا تعرف كيف لرجل يسكن القصور الفيحاء مثل تلك الاية المعمارية الحديثة التي تسمى قصر بالبو و تتربع في قلب المدينة بقبابها الذهبية وما يحيط بها من حدائق ونوافير واضواء واقواس تتسلقها الزهور، ان يجد درة جمال في هذه الحيطان المتهالكة بطرازها المعماري البدائي، ولماذا اصلا يهتم بالمجيء الى هذه الاحياء التي يعشش فيها الفقر، ويغلفها البؤس، وهذه الدكاكين الرثة وهؤلاء الباعة المتجولون باسمالهم القذره، انهم هم ايضا يثيرون فضوله، فيسأل عما يبيعونه، فترتبك احيانا لانك لا تعرف اسم السحلب، اوحلوى الصوف، او الذرة المشوية، لكنه يستطيع ان يراها بنفسه، كما يستطيع ان يرى عربة " الاراجوز"ويرى بائع الماء الذي يضع عمودا على كتفيه يتدلى منه وعاءان مملوءان بالماء، ويرى ايضا احد الدراويش يرتدي جبة خضراء ويحمل مجمرة يتصاعد منها الدخان، يطوف بين الناس، وهو يهدر بكلمات غير مفهومة، والرغوة تتطاير من فمه. رآى اهتمام بالبو به، فاتجه نحوه يطوف به، ويطلق صرخاته المخيفة، فتخرج له من جيبك ورقة عشر ليرات لكي ينصرف، الا انه وقد ادرك وجاهة الرجل الغريب وما يمكن ان يحصل عليه من اموال، ازداد هياجه واكثر من حركاته العصبية وصار يطوح المجمرة التي معه في الهواء، مما وجدته يصنع لك وللحاكم العام موقفا محرجا، خاصة وان الجمرات تهدد بوصولها الى ثوب الحاكم، مما سيثير بالتاكيد حالة من الفزع لدى الحراس السريين، فيهجمون على الدرويش، ويهرعون لانقاذ سيدهم، وتفشل بالتالي الجولة، ودون تردد وجدت نفسك تصفع الدرويش على وجهه صفعة قوية تعيد اليه صوابه، فينطلق هاربا يعوي، حتى يختفي عن الانظار، مما يؤكد انه ليس درويشا اصيلا وانما مجرد نصاب صغير، اتخذ من ثوب الدرويش وسيلة للشحاذة. ادرت رأسك الى الحاكم العام تبحث عن رد فعله، فوجدته على غير ما توقعت. رأيته يغضب، ويرطن هامسا بلغته الايطالية مؤنبا، قائلا بعنف مكتوم: - لا تفعل هذا مرة اخرى. ادركت انك اخطأت، فالرجل كان مستمتعا بهذه الاجواء التي لم يتعود عليها ولم يألفها، فادخلت رأسك بين كتفيك وواصلت المسير بمحاذاته صامتا مرتبكا. لم ينقذك من حرج الموقف الا وصولكما الى نقطة الارتكاز في المدينة القديمة وهي الاعمدة الاثرية الرومانية الاربعة المسماة الاربع عرصات، هذا الجزء الذي تبقى من اويا القديمة، وظل شاهدا على تبدل العصور. وقف المارشال يتأمل هذه الاعمدة، ويدور حولها يبحث عن كتابات رومانية اكلتها عوامل التعرية، ويجلس مقرفصا يتأمل نقشا لرجل يضرب قيتاره فصاح كانه عثر على كنز" انه ابوللو"، قائلا لك بانه احد الهة العالم القديم، اشترك في تأليهه الاغريق والرومان، وربطته علاقة قديمة بليبيا القديمة التي اعطاها اسم احد بناته، وقد اشادت له ليبيا اكبرمعبدين في العالم، احدهما في قورينا بالجبل الاخضر على ايدي اليونانيين، لازال موجودا، والثاني علي ايدي الرومان في طرابلس وقد تهدم وضاع موقعه ولابد ان هذه الاعمدة الاربعة هي صرح معبده المفقود، وقد اشتهر منذ مولده بهذه الاعمدة الاربعة التي وهبتها الالهة لجزيرته التي ولد فيها " مينوس" لتحميها من الغرق، وظل يتأمل الاعمدة مبهورا صامتا حتى بدأ يتجمع عليكما عدد من الاطفال وعابري السبيل، وكان لابد ان تتركا معبد ابوللو، وتواصلا الجولة. كان خط الزيارة يتجه يمينا حيث ستظهر بعد قليل مجموعة القنصليات التي تجاور بعضها بعضا، فهنا زنقة الفرنسيس، تجاورها زنقة الاسبانيول، وقنصلية بريطانيا، ثم اسبانيا، وقنصليات اخرى مثل البندقية، والنمسا، وغيرها قبل ان تصل الى القنصلية الفرنسية التي تتاخم حي باب البحر، وهو الحي الذي تركته الى آخر الزيارة. اختار المارشال ان يبدأ بالقنصلية البريطانية، وهو بيت كبير اعادت الحكومة البريطانية شراءه، وقررت ترميمه واصلاحه وتحويله الى مقر لبعثتها التجارية في طرابلس. لم يكن هناك غير الحارس، الذي سبق ان زرته بالامس واتفقت معه على زيارة القنصلية، بعد ان عرفت انه يستقبل احيانا بعض الزوار المعنيين بدراسة مثل هذه المعالم الاثرية , ويستفيد منهم في تحسين دخله، واكثر من ذلك فهو عندما يرافق الزوار داخل المبنى ليتأكد من محافظتهم على مقتنيات القنصلية، يتولى ايضا القيام بدور المرشد السياحي لهم، متوقعا اجرا اضافيا على هذه المهمة. اجتزتم الباب الرئيسي، الذي يفضي الى سقيفة تنتهي بباب يفضي هو الاخر الى باب ثالث اعزاه الحارس الى كثرة اللاجئين للقنصلية في اوقات الازمات، مما جعل القنصلية لا تكتفي بباب واحد وانما بباب ثان وثالث، قبل الوصول الى البهو الداخلي للبيت، انما حديقة بها مربعات مرصوفة واخري تحتوي اشجارا ونباتات تيبست وتحولت الى قش واحطاب، دخلتم بعدها الى اولى صالات البيت واكبرها، ملبسة جدرانها بخشب تكسرت اجزاء منه، الا ان صورة الملكة فيكتوريا المعلقة باعلى الجدار، المرسومة بازهى الالوان، مازالت صامدة، تنظر للرائي بعينين تتقدان ذكاء وشبابا رغم تجاعيد الشيخوخة الزاحفة على الوجه، وهناك طاولة، ضاع لون الجلد الذي يغطي سطحها وتحول الى سواد، وفوقها محبرة تجمد حبرها، ومجسد للكرة الارضية يغلفه الغبار، وفي صندوق من زجاج، باحد الارفف هناط التيليسكوب الذي تقول بطاقة الشرح الملصقة به انه كان من مقتنيات القائد البحري اللورد نيلسون، ولم يكن ممكنا ان يفهم المرشال الشروح التي كان يقولها الحارس، فقد كان يتكلم لغة عربية ممزوجة بكلمات ايطالية عزاها لكونه امضى عامين في مدرسة ايطالية، فاقترحت عليه ان يتكلم بالايطالية التي ستفهمانها اكثر من فهمكما لهذه اللغة المختلطة، فظهر البشر على وجهه، وانطلق يتكلم لغة ايطالية سليمة بما يعرفه عن تاريخ القنصلية. - من هنا كان الناس يشربون الماء النقي في زمن الكوليرا. رفع الغطاء عن فم البئر المحفور في قلب الردهة، شارحا كيف ان اناسا كثيرين لجأوا الى القنصلية خوفا من وباء الكوليرا منذ اكثر من مائة عام، فقدم لهم القنصل وارنجتون الماء والطعام، وبقى هؤلاء اللاجئين في القنصلية حتى انتهى الوباء. وانتقل الى الحديث عن الرعب الذي اصابه في اول ليلة عمل يقضيها في هذا البيت، عندما سمع اصوات نساء ورجال يبكون وينوحون داخل القنصلية، واصوات اقدامهم وهم يصعدون ويهبطون السلالم، واصطفاق الابواب التي تفتح وتغلق، وتكرر ذلك ليلة وراء الاخرى، حتى تعود على سماع هذا الصخب الليلي وتآلف معه، ولم يعد يثير خوفه. كما رآى في اكثر من ليلة، شبح امرأة تخرج من البيت ن وتعود اليه، مخترقة الجدران والابواب المغلقة، وعرف فيما بعد تاريخ الكوارث التي حصلت في هذا البيت خاصة ايام الوالي على برغل، الذي كان ينزل من القلعة مع عدد من حراسه يحملون السيوف والخناجر،يهاجمون الحوانيت، ينهبون اموالها ويطاردون اصحابها الذين يلجأون الى القنصلية البريطانية للاحتماء بها، فيقتحم القنصلية ويعمل فيهم تعذيبا وتقتيلا، دون اعتبار للاعراف الدبلوماسية او الجوانب الانسانية. وعلق الحاكم العام بان على برغل لم يكن واليا، وانما قرصان استغل الاوضاع المطضربة التي كان يمر بها الحكم في العهد القرمانلي، فاتفق مع بعض اللصوص والقراصنة وزيف لنفسه فرمانا ادعى انه احضره من الباب العالي وسطى على البلاد بكاملها. لم يكن مظهر الحارس يوحي بان له اهتماما وطنيا، ولكن تعليقه على ما قاله الحاكم العام، جاء صدمة لم تكن تتوقعها: - كان قرصانا صغيرا جاء ورحل في ايام قليلة، ولكن ماذا تقول في قراصنة هذه الايام، الذين سطوا على البلد منذ ربع قرن من الزمان ومازالوا يمارسون نهبها وتقتيل وتجويع اهلها دون ان تلوح في السماء بارقة امل او فرج. كنت تريد ان تقول شيئا تردع به الرجل وترد على ما قاله، ونظرت الى المارشال المتنكر في ثيابه المغربية، فاشار اليك بعينيه الا تفعل شيئا، واخذ هو زمام الحديث، عائدا الىسيرة الاشباح، مستفسرا من الحارس عما اذا حدث خلال هذه الفترة الطويلة التي راقب فيها حركة الاشباح،ان وقع أي اتصال بينه وبينها، فصمت الرجل قليلا قبل ان يقول بان هناك اسرارا ما كان ليعرفها الا بطول المعاشرة لهذه الارواح، من بينها ان هذه القطة التي رأيناها نائمة تحت السلم، ليست الا روحا او شبحا من هذه الاشباح. رآها اكثر من مرة تتسلل عبر الجدار كأنها طيف، وقد ذكر القصة لباحث انجليزي جاء يزور القنصلية ويدرس وثائقها الموجودة في المتحف، فاسمى القطة " الانسة توللي " وقال له انها المرأة التي سكنت مع قريبها هذه القنصلية، و كتبت مذكراتها عن زمن الطاعون الذي داهم طرابلس، فصار هو ايضا يناديها بهذا الاسم. وابدى المارشال اندهاشه مما حكاه الحارس عن القطة وابلغه بانها على الاغلب روح فتاة اخرى اسمها "سارة " هي ابنة وارينحتون، التي تعرضت لحادث اغتصاب فانتحرت، وارواح المنتحرين هي التي تتشبت بالبقاء في الدنيا، لان الروح هنا ازهقت من صاحب الروح قبل انتظار زمن موته الطبيعي، ولاختبار صحة هذه القصة، اتجه بندائه الى القطة قائلا: - سارة. فاذا بالقطة تقوم من رقادها، ثم تلتفت شمالا ويمينا كأنها تبحث عمن يناديها، وعندما اعاد النداء، تحركت باتجاهه حتى وقفت تحت قدميه، وصارت تمسح رأسها بذيل جلبابه وقد ظهرت في عينيها نظرات ذات معنى، كانهما حقا عينا كائن بشري وعندما رأيتها تفتح فمها تهيأ لك فعلا ان ستنادي المارشال باسمه قائلة " اهلا بك في بيتنا مارشال بالبو" ولكنها فتحت فمها لتموء مواء مفعما بالاحاسيس والمعاني التي تعبر عن الالم والمعاناة، وكان شيئا جديدا عليك ان تعرف ان قائدا فاشيا علمانيا مثل بالبو له هذه الاهتمامات الروحية. كان السطح هو الاخر، حديقة من الاشجار المزروعة في احواض كبيرة من الحجارة، تيبست الاوراق والاغصان، وتهدمت الاحواض، بينما ظل الزليج الرفيع الذي بلط به السطح ورغم اكداس الاتربة المنزوية في الاركان، يتلألأ بالوانه الزاهية نتيجة مياه الامطار الت تتولى تنظيفه بين فينة واخرى، كما كان هناك مكان للشواء وبنك حجري لتقديم المشروبات والخدمات، مما يشهد ان السطح كان مكانا لتقديم الحفلات والسهرات، وكان السطح يرتفع على مستوى الاسطح التي حوله، ومن هذا المكان، كان بامكان وراينجتون، وهو القنصل البريطاني القوي، الذي يقول الحارس انه اقام في هذاالبيت ما يربو عن اثنين وثلاثين عاما، وهو يضع منظاره المكبر،او يستخدم تيليسكوب اللورد نيلسون، ان يرى كل شيء يدور في الميناء الذي يقع تحت نظره، ويعرف كل سفينة تدخل المياه الاقليمية او تخرج منها، كما يستطيع ان يرى، كل اطراف المدينة وما يحدث في الاحواز المحيطة بها، وهي مسألة مفيدة ايام الصراعات التي تنشب بن حاكم المدينة وابناء الريف، الثائرين على جباية الضرائب اوغيرها من اسباب. قريبا من سور الميناء ظهر برج ابو ليلة، بناء قديم فوق هضبة داخل البحر، وقد استثار منظر البرج شهية الحارس للكلام، فقال ان ابوليلة الذي يحمل البرج اسمه، لم يكن غير قاطع طريق ورئيس عصابة، عجزت الحكومة في عهد احمد باشا من حماية الناس من هجماته في البر والبحر. ارعب الناس لسنوا ت عديدة قبل ان يتوب على يد سيدي الهدار ويتحول هو وافراد عصابته الىاهل صلاح وتقوى، واكمل بالبو مالم يكن يعرفه الحارس، وما اوضحته الوثائق التاريخية التي تتحدث عن ذلك العهد وكيف ان هذه العصابة كانت جهازا خارج الاجهزة الرسمية انشأه احمد باشا نفسه، فهو الرئيس الفعلي للعصابة، التي ارادها ان تكون ذراعه السريعة، والخفية المجهولة، التي يفتك بها باعدائه الذين لم يستطع ان يفتك بهم في مذبحة القلعة التي دشن بها عهده وقضي على كل المنافسين من الانكشاريين، حيث يستطيع عن طريق عصابة ابوليلة ان يسلب اموال من يريد، ويقتل من يريد، دون ان يراه احد او يحاسبه احد، بل حتى المرأة التي تمنعه الاعراف والقوانين و القيم الدينية من الوصول اليها، استخدم العصابة في جلبها اليه. كنت اثناء انصاتك لما يقوله بالبو، تفكر فيما اذا كان الرجل قد وجد قصة يستفيد منها عبر دراسته لتاريخ اسلافه من حكام هذه المدينة مثل الاستعانة برؤساء العصابات في جلب الاموال والنساء والقضاء على الخصوم والاعداء، الا انك طردت هذه الافكار من رأسك لكي لا تسمم علاقتك بالحاكم العام، ونظرت الى ساعتك فوجدت ان الوقت قد طال باكثر مما يسمح به الجدول الزمني لهذه الزيارة، الا انه لم يكن باستطاعتك ان تفعل شيئا مع السيد بالبو، الذي ظل صامتا حتى وجد هذه الفرصة للحديث بالايطالية فهجم عليها بقوة، لانه يدرك انها فرصة قد لا تتكرر فيما تبقى من وقت الزيارة. هناك قنصليات كثيرة قريبة من القنصلية الانجليزية، ولا تقل عنها شهرة، الا ان الحاكم العام اختار من بينها جميعا، القنصلية الاسبانية، التي اضحت اكثر الاماكن في المدينة القديمة اثارة للاشمئزاز، بعد ان تحولت الى مدبغة للجلود، تصدر عنها رائحة كريهة تتسلق الجدران وتصل الى الشوارع المجاورة، رغم ان عملية الدبغ تتم في طابق سفلي يقع تحت الارض، ولعل وجود هذا الطابق السفلي بالمبنى هو الذي اهله ليكون مكانا صالحا لمثل هذا العمل، فقليلة هي الابنية التي تحمل اقبية في المدينة القديمة، واول ما يصافح نظر الداخل الى المدبغة، جداريات تحل صورا باهتة لدروع مرسوم عليها صور الصليب، والسبب كما يقول المارشال هو ان القنصلية بناء قديم يعود الى العهد الذي حكم فيه الاسبان وفرسان القديس يوحنا مدينة طرابلس، في القرن السادس عشر، وقد تهدم واعيد بناؤه، الا ان الجزء السفلي منه ظل كما هو بما في ذلك هذه الاقبية ذات القيمة التاريخية، ونظرت اليه متسائلا عما اعطى هذه الاقبية قيمة تاريخية، فقال بان الذي اعطاها هذه القيمة هو ان الكونت بيدرو دي نافارو قائد الحملة على طرابلس قد حفر نفقا يوصل بين هذا البيت والشاطيء، حيث ترسو سفنه، ليسهل عليه الهروب والنجاة اذا ما وصل جيش المتمردين الى بيته، ورغم انكما لم تجدا اعتراضا من اصحاب المدبغة بالهبوط الى الطابق السفلي، ورغم ما ابداه المارشال من حماس للتعرف على النفق، الا الرائحة الكريهة الصادرة من الاحواض التي تنقع فيها الجلود، والتي تزداد شدة وكتما للانفاس كلما واصلتما الهبوط، كانت كفيلة بان تجعل المارشال يصرف النظر عن خطته ويغادر المدبغة عائدا الى الشارع مؤجلا عملية البحث عن النفق الى وقت آخر والى فرق متخصصة تأتي فيما بعد للقيام بالمهمة والنظر في امكانية الاستفادة من هذا النفق، في شكل طريق تحت الارض، اوفي استخدامه من اجل شبكات الماء والمجاري او غيرها من اغراض. وفي الشارع وجدتما عددا من الفضوليين يانتظاركما، يسألون عن علاقة الرجل المغربي بالمدبغة، وعندما قلت لهم انه تاجر مغربي يبحث عن صفقة لشراء كميات من الجلد المدبوغ، ظهرت خيبة الامل على وجوههم، لانهم ظنوه تاجرا جاء لينشىء مشغلا للملابس المغربية التي يحبها الناس، مكان هذه المدبغة التي حولت حياتهم الى غم لا ينتهي، وقد كتبوا مئات العرائض للحكومة دون ان تفعل لهم شيئا، لانها كما يقولوم حكومة استعمارية، موجودة لايذاء المواطن وقهره لا رفع الاذى عنه. حمدت الله ان المارشال لن يفهم الكلام الذي قالوه عن حكومته، رغم انه ادرك، كما اخبرك فيما بعد، ان حديثهم الغاضب مبعثه وجود المدبغة في هذا الحي السكني، وكان سوق الترك قريبا، فانعطفت به الى السوق، باعتباره معلما لا يمكن لزائر المدينة القديمة الا ان يمر به، ليرى بضائع العالم كله موجودة في دكاكينه الوسعة العريضة التي لا تشبه بقية الدكاكين، لانها تفضي الى مقصورات ومخازن، كذلك فان الشارع رغم انه مسقوف، ومرصوف ومخصص للمشاة فقط الا انه اكثر براحا واتساعا من الشوراع التي تعبرها السيارات والعربات، الا ان المشكلة التي ظهرت منذ دخولكما السوق، هي ان الحاكم المتنكر في ثيابه المغربية لا يمكن ان يبقى هنا ساكتا، ولن يستطيع ان يتمتم بكلمات غير مفهومة، مدعيا انه لا يعرف اللهجة المحلية، فاغلب تجار سوق الترك، يعرفون المغرب الاقصى، يسافرون اليه ويجلبون منه انواعا من الالبسة والاقمشة، ومن لم يذهب بنفسه فقد اختلط بالمغاربة الذين يزورن طرابلس ويبيعون الفساتين والجلابيب والطرابيش والبرانس المغربية، ووجود شيخ مغربي له كل هذه المهابة، في هذا السوق، لا بد ان يثير فضول التجار واهتمامهم، وهم ما حدث فعلا، لانهم ما ان رأوه حتى خرجوا من حوانيتهم يرحبون به باللهجة المغربية، ويسألونه عما اذا كانت لديه بضاعة جاء الى طرابلس ليبيعها، واسرع بعضهم يلاحقه بكوب الشاي الاخضر المنعنع المعمول على المطريقة المغربية، و جاء احدهم يصافحه ويمسك بيده يريد ان يسحبه الى داخل متجره، وبجواره تاجر آخر يصرعلى ان يدعوه لتناول الغداء لانه لاينسي ولائم التجار المغاربة له في فاس ومكناس. وانقاذا للموقف الذي صار يتأزم، وللمارشال الذي بلغ به الارتباك مبلغا اسال العرق من جبينه، تدخلت لفك حصار التجار من حوله، قائلا لهم، بان للسيد المغربي موعدا مع الحكيم، لا يحتمل التأجيل، واعدا اياهم بالعودة في اليوم التالي، وبسرعة اخرجته عبر اول زقاق فارغ يصادفكما، افضى بكما الى باحات وازقة اخرى، تبيع دكاكينها المشغولات اليدوية التي يشغف بها المارشال، والتي يستطيع ان يرضي فضوله للفرجة والتأمل دون ان يجد من يضايقه، لان كل عامل مشغول بعمله، فمرقتما بسوق الصديريات او الفرامل، وسوق الحرير، وسوق الغرابيل، ثم باحة صغيرة تضم عددا من الافران والمخابز التي تصنع الحلوى، وقد بدا خط الزيارة يتكسر، وخشيت ان تفقد الخريطة، فلجأت الى سؤال احد عابري السبيل عن جامع الناقة، وبدل ان يصف لك الطريق وجدته يتقدم امامك ويسألك ان تتبعه، متنقلا بكما من زقاق الى آخر، فمررتما قبل الوصول الى الجامع بالزاوية الكبيرة التي كان بعض روادها يرتدون الجلابيب الخضراء، وافهمت الحاكم العام انهم ينتمون لاحدى الطرق الصوفية التي تشتهر بها زوايا المدينة القديمة وتنظم لها موكبا شهيرا يطوف الشوارع ويحمل اعلام الطرق الصفوفية، تردد فيه الاذكار وقطع المالوف والموشحات، وعندما وقف الدليل مشيرا الى الجامع، ادركت انكما قد وصلتما الى نقطة تستطيع ان تستأنف منها خط الزيارة. كانت شجرة التين التي تظلل باب الجامع، تمد اعرفها في كل اتجاه داخل الجامع وخارجه، تعطي احساسا للزائر الذي جاء عبر هذه الازقةالمسقوفة بالاقواس والمبلطة بحجارة من صوان، انه وصل الى واحة الراحة والامان. كان هذا الوقت الذي يسبق موعد اذان الظهر، مخصصا لتدريس القرآن، وكان الطلبة الصغار يحملون الواحهم الخشبية، ويتحلقون حول الشيخ الذي ارتدى العباءة الليبية الصيفية، ومسك عصا طويلة مصنوعة من جريد النخيل. يقول التلميذ: - نعم ياسيدي " ونفس وما سواها " فيملي عليه الشيخ الجملة التالية من السورة: - " فالهمها فجورها وتقواها " . وقبل ان ينتهي من قول جملته، يكون صبي آخر قد اكمل كتابة جملته: - نعم ياسيدي " ربنا ولا تحملنا ما لاطاقة لنا به " وبسرعة يرد الشيخ: - " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا" كنت دائما تستغرب من هذه المقدرة للفقيه على استحضار أية جملة من القرآن واملائها على التلميذ دون تفكير، الى ان وجدت نفسك في زاية السني تقوم بالمهمة وتجد ان الله يسر لك الامر فصرت تفعل ما يفعله بقية الفقهاء بيسر وسهولة، فايقنت ان لمهنة تدريس القرأن بركة وتيسير من الله، تجعل الصعب سهلا. - اذن هذا هو اقدم جامع في البلاد، بل هو جامع و مدرسة قرآنية. قال بالبو ذلك وهو ما زال واقفا تحت الاقواس الخارجية لصحن الجامع يرقب مشهد الفقيه وتلاميذه من خلف الباب المفتوح، جالسون فوق الحصران، واضاف بصوت خافت لا يسمعه احد غيرك انه يشعر بالاسف لان الليـبـيـين يرفضون ارسال اطفالهم للمدارس الحديثه التي تبنيها لم ايطاليا، ولم تعلق بشيء لان الموقف لا يسمح بحديث طويل بالايطالية قد يلتقط طرفا منه احد الناس، فيثير من حولكما الشبهات، لانك تعرف لماذا يرفض الناس الذهاب لهذه المدارس، وما حدث في قريتك "اولاد الشيخ" حدث مثله في عشرات الاماكن الاخرى، فما ان تشرع الحكومة في افتتاح مدرسة ابتدائية وتبدأ في تسجيل الدارسين حتى تفاجأ بان لا احد يأتي، لانها تأبى الا ان تكون الدراسة بالايطالية، دون اعتبار للغة الناس او دينهم، وكان في ظنك ان الذي بنى الجامع هو عمرؤ بن العاص باعتباره قائد جيوش الفتح، وعندما اشرت لذك في حديثك، صحح بالبو معلوماتك قائلا بان الجامع الذي بناه الفاتح العربي، لم تبق منه غير انقاض ازالها احمد باشا، وبنى فوقها جامعه الشهير، اما جامع الناقة فقد بني في مرحلة متأخرة عن بداية الفتح، ومع ذلك فهو اقدم الجوامع الموجودة في ليبيا. - اجد ان لاماكن العبادة في كل مكان، رغم اختلاف الاديان، شيئا خاصا يميزها، وعبيرا يفوح منها، وتشمل زائرها باحساس مريح حتى وهو ينتمي الى دين آخر. قلت معلقا ومجاملا: - اليست كلها بيوت الله. كان بالبو يحمل معه خريطة للمدينة، كلما وجد نفسه بعيداعن الزحام، فتحها ليتذكر شيئا،او ليعرف الموقع الذي نحن فيه من بقية معالم المدينة، وكان ما اراد معرفته وانتما تغادران جامع الناقة، هو مبنى المحكمة القديمة الذي يقع في مكان ما بين الجامع وبين خان قديم اسمه الفنيدقه، يريد القاء نظرة عليه. لم يكن صعبا، الاهتداء اليه، بمساعدة الخريطة، وكان قد تحول الى مسكن لعدد كبير من العائلات، بابه مفتوح كأنه سوق شعبي، وصحن البيت يشبه باحة مدرسة مليئة بالنساء والاطفال، حيث يوجد محراب وسط البهو، اتخدته احدى النسا ء قاعدة لتقطيع حزم البقدونس. - كم عائلة تقول انها تسكن هذا البيت؟ - اعرف ان العائلات القادمة من الارياف التي تسكن مثل هذا المكان، فالعادة ان تكون لكل عائلة غرفة واحدة. - هذا البيت جدير بان تزوره الاشباح حقا لا القنصلية الانجليزية. - لماذا؟ - لانه لم يشهد أي مكان آخر في طرابلس وحشية كالتي شهدها هذا المكان. هل تعلم سبب وجود هذه القاعدة الحجرية التي تقطع عليه المرأة الخضار. هذه هي القاعدة التي تقطع عليها رؤوس المجرمين والعصاة والمتمردين من اعداء الحكومة اما الغرف فاغلبها غرف للتحقيق يتم فيها التعذيب الوحشي للمتهمين بالطرق المعروفة لدى الولاة العثمانيين مثل وضع الناس فوق الخوازيق. حديث المارشال عن مخازي العهد التركي، ليس جديدا على اذنيك، فهي نغمة سائدة في الاعلام الايطالي، للتأكيد على ان العهد الايطالي جاء انقاذا للبلاد من حكم ينتمي للعصور المظلمة. الاسم الايطالي الذي يكره بالبو ان يسمعه، كما يكره ان يأتي على ذكره، حسبما ذكرت صحيفة الرقيب العتيد في احد اعدادها، هو جرسياني، لانه يفسد هذه المقارنة بين بشاعة الاتراك، وبهاء الايطاليين. وشعرت بانه حان الوقت للزيارة التي ارادها بالبو لاحد بيوت الليبيين، اذ لم تشأ ان تجعله يزور العائلة قبل ان يتآلف قليلا مع اجواء المدينة القديمة ويتعرف على الوانها ونكهتها المحلية، كما انك لا تستطيع ان تؤجل هذه الزيارة اكثر من ذلك لكي لا يتوافق موعدها مع موعد الغذاء، بكل ما يحدثه ذلك من حرج للعائلة، وللضيف اذا قدم له الطعام. استأذنت المارشال في المرور بدكان بقالة لشراء علبة حلويات، واخبرته بما اخبرت به العائلة من ان االضيف سبق ان زار البلاد وتعرف على الحاج المهدي في دكانة صنع النعال، وقد اراد عيادته بعد ان عرف انه طريح الفراش. كان بالبو يبتسم لمثل هذه التلفيقات التي تهدف لتبرير زيارة حاكم مثله لبيت رجل فقير من رعاياه، لو عرف حقيقة الامر لما وسعت فرحته الارض، ولاضحت هذه الزيارة مصدر فخر له ولاسرته يتباهون بها جيلا بعد جيل. واعتذرت له منذ البداية عن المستوى المتواضع للبيت وانه ليس نمودجا لبيوت المدينة القديمة بردهاتها وشرفاتها وانما تعريف بالمستوى المعيشي لاسرة ليبية من عامة الناس، فهم اربعة اشخاص، الاب وزوجته وابنه الصبي الصغير، وابنته المتزوجة التي تنتظر عودة زوجها من الحرب. وطرقت الباب. كان الاستعداد واضحا للزيارة، فالسلم صار الان نظيفا لامعا، مغسولا بالماء والصابون، ورائحة البخور ذات العرف الطيب، تستقبل الزائر منذ ان يضع قدمه على اول العتبات، وعنما وصلتما اخر السلالم قادكما الصبي عبر ممر قصير الى غرفة ابيه، وكان بالممر ادراج منحوته في الحائط فيها جرار، وعلقت على الحائط سلال واطباق، وهناك خابية كبيرة للماء فوقها كوب لسحب الماء منها. كان الاب جالسا على سريره، وقد ارتدى طقما عربيا كاملا الصديري الازرق والطاقية الحمراء، والسلسلة ذات اللون الذهبي المربوطة في عروة الصديري تدل على وجود ساعة داخل الجيب، وبجوار السرير كرسيان لم ترهما من قبل، امامهما طاولة صغيرة يغطيها مفرش مطرز بالنجوم والاهلة، وعلى الجدار فوق السرير، لوحة تحمل سورة الكرسي، مكتوبة بلون ذهبي فوق ارضية زرقاء، وفوق الارض المغطاة بالحصران، كليم جديد، يغطي نصف ارضية الغرفة. كان واضحا ان العائلة استعارت من الجيران بعض هذه الاشياء، مثل الكرسيين والطاولة والكليم واللوحة، لتظهر بمظهر لائق امام الضيف الاجنبي، لانه لا يمكن ان تكون هذه الاشياء موجودة في حوزة العائلة ثم لا تظهر الا اليوم. كنت حريصا على ان تقرأ ملامح بالبو، لتعرف اذا ما كان راضيا او متأففا من زيارته لبيت الحاج المهدي، لان مستقبل هذه العائلة يتوقف على الانطباع الذي يخرج به من هذه الزيارة السريعة، وقد اسعدك ان تراه شديد الاهتمام بكل ما يراه، يجيل بصره في محتويات البيت، منذ اللحظة الاولى لدخوله، متأملا بكثير من الفضول مظاهر الحياة الشعبية البسيطة لدى هذه العائلة، بما في ذلك السحارة الكبيرة التي تغطي اخشابها طبقة مصنفرة من النحاس، وتحتل الجزء المواجه للسرير وقد علتها انواع من الاحذية النسائية ذات الزخارف والنقوش، واضح ان الحاج احضرها من دكانته لتبيعها زوجته لنساء الجيران، وسط هذا الجو الذي طالما الفته وانست به، ظهر في رأسك سؤال مزعج، ظهورا مفاجئا: - ماذا لو رآى الضيف ثريا واعجبه جمالها؟ وحاولت ان ترد على نفسك بان ثريا ليست امرأتك حتى تخشى وتتأسف على فقدانها الان، فانت فقدت ثريا فعلا منذ ان تزوجت وانتهى كل امل لك في وصالها، ثم ان المارشال لا تنقصه النساء الجميلات حتى يبحث عن امرأة متزوجة يسطو عليها، وتاريخه الحافل بالعلاقات النسائية لا يقول بان له سوابق في خطف النساء وارغامهن على حبه، لان مثل هذا السلوك لا يناسب رجلا يتباهى بان جميلات العالم يجرين وراءه ويتساقطن تحت اقدامه. ومع كل هذه التطمينات التي طمأنت بها نفسك، ظل هذا الخاطر يوخزك كالشوكة، ليقينك بان لثريا جمالا يختلف عن جمال اية امرأة يعرفها بالبو، ممن يملكن جمالا مثيرا، له صخب وضوضاء، ويصدر نداء عاجلا يقول انا هنا، بينما ينساب جمال ثريا انسيابا ويدخل القلب كضوء النهار الذي يدخل هذه الغرفة، ولم يتوقف هذا الوخز المؤلم، الا عندما جاءت ثريا وامها، ترتدي كل منهما رداء شعبيا، مسحوبا على الوجه، حتى ليكاد يغطيه كله، عدا منفذ صغير للنظر، فوضعت ثريا سفرة بها ثلاثة فناجين من القهوة، على الطاولة. فناجين انيقة، يتخلل خزفها الابيض اللماع حزام ذهبي، يتصاعد منها بخار له رائحة زكية، هي رائحة الهيل الممزوج بالقهوة، ووضعت امها طبقا من الكعك وصحنا من قطع الحلوى التي احضرتها انت منذ قليل، وسلمتا على الضيف باعتباره صديقا للوالد، وانصرفتا، في حين ظل الصبي واقفا، في حالة استعداد، لخدمة ضيف والده. وكان الحاج في كامل ليقاقته العقلية، مفعما بالحيوية رغم المرض الذي يمنعه من المشي، فصافح الضيف بحرارة وحماس كمن يصافح صديقا قديما، وظل يكرر عبارات الترحيب، وقد اطلت من من وجهه عينان تتقدان فضولا، تبحثان في ملامح الضيف عند ذلك الصديق المزعوم، واجاد بالبو تكرار الكلمات العربية الاربع اوالخمس التي يعرفها، في حين توليت انت تعبئة الخانات الكثيرة الفارغة في الحديث، كما حاولت ان تخفف من ازمة الحاج الذي مازال حائرا يدقق النظر في وجه الضيف باحثا دون جدوى عن اشارة او علامة تدل على تلك العلاقة القديمة التي يدعيها، فقلت له بان زمنا طويلا جدا مر على تلك الزيارة التي جاء فيها الضيف المغربي الى طرابلس، حيث كان فتى في مراحل الشباب الاولى، وقد تأثر بالحفاوة التي لقيها عندما زار دكانة الحاج المهدي، فلم ينسه، دون ان يعني ضرورة ان يتذكر الحاج ذلك الزائر الذي تغيرت ملامحه وقد ازال هذا الكلام شيئا من القلق الذي كان يرتسم على جبين الحاج، ووجد فيه تفسيرا لعجزه عن معرفة الضيف، وارتشف قهوته دون ان يعلق بصره بملامج المرشال، في حين اكملت انت ارتشاف قهوتك سريعا، لكي تبدأ في تناول قهوة الحاكم العام نيابة عنه، باذلا اقصى ما في وسعك لان تفعل ذلك دون ان يحس به صاحب البيت،الا انك وجدت بالبو يمد يده ويمسك فنجان القهوة ويرتشفه بهدوء واستمتاع. كان واضحا انه انس للبيت واهله، فتخلى عن حذره، وتجاهل الوصايا التي زوده بها ضباط امنه. رأيته يشير اليك اشارة عرفت منها انه يريد ان يمنح هدية مالية للحاج المهدي قبل انتهاء الزيارة، وكدت تضع يدك في جيبك وتخرج النقود التي تعلم ان لا احد يحتاجها في هذه المدينة اكثر من عائلة الحاج المهدي، الا انك تراجعت وانت تذكر ما حدث يوم ان احضرت جهاز الحاكي، واثقا من ان ذات الموقف سيتكرر، ليفسد بالتالي هذه الزيارة الناجحة. تجاهلت موضوع الهدية المالية، وابلغت الحاج ان الضيف وهو من كبار الاثرياء في المغرب، يتمنى عليك ان تطلب اية خدمة منه، فلم يزد على ان قال، انه صاحب عقيدة، في اهل المغرب وقوة ايمانهم وقربهم من الله، وما يريده هو ان يبارك هذا البيت واهله بتسابيحه واوراده وما تيسر من القرآن الكريم، وان يدعو معنا، ويلح في الدعاء، ان يرفع الله مقته وغضبه عنا، ويبعد عن بلادنا البلاء الذي ابتلاها به وهذا الاستعمار الفاجر الكافر اللعين. فاسرعت بالقول انه فعلا قرأ الفاتحة منذ ان وضع قدميه على عتبة البيت، وان صمته لم يكن الا تسبيحا ومباركة لهذا البيت وقاطنيه، داعيا لك بالشفاء العاجل باذن الله، انتالت كلما الشكر والثناء من الحاج، ومد يديه الاتنتين يقبض بهما على يد الضيف ثم ينحني يقبلهما، الا ان الحاكم العام سحب يده بسرعة ونهض واقفا استعدادا للخروج. اردت ان ترفع من معنويات الرجل المريض، فاشرت الى حيويته ونشاطه، مما يدل على ان زيارة الشيخ البلبال جاءت بنتائج طيبة، فوافق على كلامه قائلا ان مشكلته الوحيدة هي هذه السلالم التي يجد صعوبة في صعودها وهبوطها، ولولاها لاستطاع ان يمشي متكئا على الحائط حتى يصل دكانته ويواصل اداء مهنته بدل ان يبقى في جلسته العاطلة داخل البيت، وقال بانه يضع امله الان في زيارة الشيخ المغربي، واثق من انه سيرى نتائج قريبة لما قاله من دعاء وتسابيح وما انعم به من بركات على هذا البيت. سألك بالبو حال خروجكما، عما اذا كنت لم تفهم اشارته بمنح هدية مالية للشيخ المريض، فاخبرته بان رجلا مثله لن يقبل اطلاقا ان يأخذ مالا على سبيل الصدقة، رغم انه فعلا يمر بمحنة قاسية بسبب المرض، ويتألم لان وجوده في الطابق العلوي يحول بينه وبين الوصول الى الدكان، ليباشر عمله حتى وهو في هذه الحالة المرضية، بسبب العوز والحاجة. كنت تستطيع ان تلحظ المرافقين السريين من شرطة "الاوفرا" الذين يقفون في حالة تحفز واستعداد قريبا من بيت الحاج المهدي فيما لو صدرت لهم اية اشارة من داخله. كان المارشال قد رآى ما يكفي من المنطقة العربية فاقترح ان ننتقل مباشرة الى حارة اليهود، الا انه تذكر مبنى يريد ان يزوره قبل الانتقال الى الحارة، وهو مبنى القنصلية الامريكية، ونتيجة لانشائها متأخرا، أي منذ مائة عام فقط، فهي لا تقع في حي القنصليات الشهير وانما قريبا من الباب الجديد، ولا تحظى باية قيمة تاريخية او اثرية ولم تدم لغير سنوات قليلة لم تصنع خلالها تاريخا او ترتبط باحداث كبيرة، الا ان المارشال قرأ شهادة كتبتها زوجة اول قنصل جاء الى طرابلس هي مسز بورتر، وذكرت فيها ما كانت تشاهده من معالم المدينة وهي واقفة فوق سطح القنصلية، فاثار ذلك فضوله واحب ان يرى مدى مطابقة الصورة الان مع ما ذكرته السيدة، وما طرأ عليها من تغيير خلال قرن من الزمان. اخرج الحاكم العام الخريطة، واشار الى موقع القنصلية فوقها، فاذا بها في شارع يتفرع من شارع سيدي عمران. لم تصارحه باحتمال ان يكون المبنى قد تحول الى بيت من بيوت الدعارة، مثل اغلب المساكن التي هناك، وانما سرت صامتا، تقوده عبر الازقة الخلفية الخالية من الزحام والمتاجر والباعة المتجولين، حتى اوصلته امام باب القنصلية الامريكية. كان مبنى كبيرا يشبه القلعة، الا ان يد الزمن عبثت به وافقدته كثيرا من نبل وشموخ القلاع، اواوقعته في ايدى باعة المتعة ونسائهم وزبائنهم. كان الباب الكبيرة مفتوحا على فناء واسع وابواب داخلية كثيرة حيت تجمع عدد من الرجال امام كل باب. وكان مشهد نساء البيت اللاتي يتحركن بحرية داخل الفناء، وامام الرجال، وهن يرتدين ملابسهن الداخلية، يشير بما لا يدع مجالا للشك انه واحد من بيوت الدعارة، التي تحمل ترخيصا رسميا وتعمل تحت عناية ورعاية الحاكم العام، بل ان ممثل الحكومة في الحي، وهو شرطي الدورية، كان يقف بملابسه الرسمية قريبا من الباب الرئيسي. اردت ان تقول له ان وجودكما في مثل هذا الحي، وامام هذا البيت، قد يثير ريبة بعض الناس الذين سيندهشون لوجود شيخ مغربي مثله، في هذا المكان، الا ان نظرات الناس التي صارت تحاصركما كفتك مؤونة الكلام. وجاء قزم يعمل في خدمة بيت مجاور لهذا البيت، يتعلق باطراف الحاكم العام، ويجره باتجاه ذلك البيت، عارضا عليه مكانا آمنا يجلس فيه الشريف المغربي وصاحبه، بعيدا عن اعين المتطفلين، حيث سيجد في خدمته نساء مثل الحور العين. قال المارشال بعد ان ابعدت عنه القزم الملحاح، واشتريت ذهابه بشيء من النقود: - لاول مرة ادرك انني اجهل اشياء كثيرة عن هذه المدينة، ولن اجد احدا يصدقني اذا قلت انني لم اكن اعرف مطلقا ان بها منطقة للاضواء الحمراء. - سيدي عمران، معلم قديم من معالم القديمة. - لا يعقل ان يكون هذا الحي موجودا في عهد الاتراك، ولابد انه واحد من انجازات فولبي، لان دي بونو وبودوليو، لديهما من التزمت ما يجعلني اشك في انهما اعطيا ترخيصا باقامة هذا الحي. كان لابد ان يتخلى عن فكرة الصعود الى سطح البيت لمشاهدة المدينة من هناك، متقمصا شخصية السيدة بورتر، وتأسف كثيرا لما ال اليه البيت من اهمال. لا لانه تحول الى بيت للدعارة ولكن لانه كان بائدا، متهالكا، لا يجد من يعتني بصيانته من الانهيار فوق رؤوس ساكني وزائريه. كنت ترجو الله في سرك الا تظهر " نورية " فجأة وتمسك بخناقك، وتصنع لك فضيحة امام الحاكم العام، ومستعجلا الخروج من هذا المكان، قلت وانت تخطو باتجاه الزقاق الذي يقود الى خارج الحي: - ستكون كارثة لو حدث ذلك. كنت تقول ذلك لنفسك اكثر مما تقوله للمارشال، وكنت تعني لو اقتنصتك نورية في هذا المكان، ولكنك جعلتها تبدو كما لو كنت تقولها تعليقا على حديثه حول امكانية انهيار المنزل. - الناس هنا لا يعرفون شيئا اسمه صيانة ولا يدركون الخطر الذي يهدد حياتهم. قال ذلك غاضبا، ثم بسرعة انتقل الى الابتسام وهو يتذكر شيئا، لم يلبث وهو يراك تنظر اليه مندهشا ان افصح عنه: - هل تعلم ان تحويل القنصلية الامريكية الى بيت للدعارة، هو اعظم هدية تقدم الى ذكرى السيدة بورتر. كنت سعيدا وانت تراه رائق المزاج، وان ما حدث للقنصلية من تحولات لم يصدم ذوقه. سألته بسرعة: - لماذا سيدي؟ - لان مسز بورتر كانت امرأة في العشرين، وكان زوجها القنصل فوق الستين، ولهذا فقد كانت تستغل غياب زوجها، لتستقبل اكبر عدد من العشاق، كما اعترفت في يومياتها. وكأنما احس بان الحديث باعجاب عن الدعارة والداعرات، لا يليق بقائد فاشي كبير، فاردف قائلا: -ـ للعقيدة الفاشية موقفها المعروف، المناهض للمرأة التي تبيع جسدها، الا انها في ذات الوقت تعترف بحقائق الحياة، واحدى هذه الحقائق ان الدعارة هي اقدم مهنة في التاريخ، وليس غريبا ان تخصص روما احدى اجمل شوارعها لهذه المهنة. بدأ الوقت يقترب من منتصف النهار، ولابد قبل ان تقفل الدكاكين ابوابها خلال فترة القيلولة، من المرور سريعا على حارة اليهود وباب البحر كما في الخطة الاصلية، وعبر الحارة الصغيرة التي يسكنها عرب مع اليهود، وحواريها الصغيرة جدا، التي يتأزم فيها المرور عند عبور بائع خضار يجر عربته، وا بائع ماء يحمل على كتفيه لوحه الخشبي الذي تتدلى دلاء الماء من طرفيه، او صاحب حمار ينقل عليه احطابا اوغلالا، ذهبتما الى الحارة الكبيرة، وكان لابد لك وللحاكم العام، اثناء هذا المشوار، من ان تبحثا عن تجويف احد الابواب تقفان فيه تفاديا لمرور هذه العربة اوهذا الحمار، وكنتما كلما توغلتما في السير كلما اكتشفتما ان عدد الباعة المتجولين يكاد يفوق بقية البشر من متسكعين ومتبضعين، هذا يبيع الذرة المشوية، وآخر يبيع السحلب، وثالث يبيع التين الشوكي، ورابع يبيع الاقفال والمفاتيح، وخامس او سادس يبيع الخرز والعقيق والامشاط والمرايا، عدا اصحاب عربات الروبابيكيا الذين يشترون ويبيعون ما يشترنه في ذات الوقت، وكأن السوق هو الذي ياتي لقاطني هذه البيوت وليس العكس.
(يتبع)
|