الحلقة الأولى / الثانية / الثالثة / الرابعة / الخامسة / السادسة / السابعة / الثامنة / التاسعة /
للحارة الكبيرة رائحة لا يستطيع المرء تحديدها، لعها مصنوعة من انواع البخور والعطور التي تستخدمها نساء اليهود، والدهون التي يدهن بها شعورهن واجسادهن، ويظهرن بها في الشوارع، لانه بدءا من هنا بدأ وجه المرأة وشعرها يظهران، بعكس الشوارع العربية التى لا وجود للمرأة في شورارعها، اللهم الا في شكل شبح لا ملا مح له يرتدي ملحفة بيضاء تغطي كامل الجسم، او عجوز هدتها الاعوام، تبيع على الرصيف بعض الاعشاب الطبية. اما هنا فهي موجودة مثلها مثل الرجل، الا انها تختلف في شيء واحد، يؤكد انها اكثر اهمية منه، ففي حين كان الرجال يهملون مظهرهم، ويرتدي الفقراء منهم اسمالا بالية، ويتجولون صغارا وكبارا في هيئات مزرية، فان نساء هم كن بالعكس من ذلك، انيقات، نظيفات المظهر، يرتدين القلائد والعقود الجميلة و الاساور والخلاخيل الذهبية والفضية، والفساتين الحريرية المزركشة الطويلة، ولا تختلف البيوت في الحارة عن البيوت في الحارة عن بقية البيوت في المدينة القديمة، فهي ايضا مفتوحة اغلب الوقت، اما الدكاكين فهي اكثر تنوعا، وذات طابع تقني مهني، فهذا مشغل انوال يصنع الاردية الحريرية، بجوار دكان يصنع ويبيع صحون وقدور الفخار وثالث يصنع ويبيع قصاع وقدور القصدير، وآخر يصنع العطور وهذه رحى حديثه تدور رحاها الحجرية بالمحرك لطحن القمح والشعير، بجوارها مشغل لصنع وبيع الخمور، علاوة على دكاكين العطارة والجزارة والمخابز، وكان البناء الكبير الذي يحتل اكبر موقع في الحي، وله حيطان عالية و حزام من الرخام يغطي نصف الحائط، هو المعبد اليهودي، حيث وقفتما امامه، لان المارشال يريد القاء نظرة عليه من الداخل، الا ان وجود حارس، له هيئة المصارعين، يقف بالباب ويحمل عصا غليظة، جعل بالبو يصرف النظر على الدخول، خاصة انه صار يتابعكما بنظرة تهديد ووعيد، ولعل وجوده جاء بسبب ما يحدث من معاكسات للنساء اللاتي بترددن على القسم المخصص للنساء في المعبد من قبل بعض الشباب العربي.
وكان المنظر الذي لفت انتباه المارشال ن هو خروج شاب يهودي من المعبد، مرتديا القميص الاسود، فعلق بسرعة:
- الفاشيون يتسامحون مع اليهود باكثر مما يفعل النازيون، والدليل على ذلك قبولهم اعضاء في الحزب الفاشي.
واضاف بلهجة ساخرة:
- لا حاجة لاي أنسان بان يكون فاشيا ويهوديا في نفس الوقت، فواحدة منهما تغني عن الثانية.
وقبل ان تسأله مستفسرا عن السبب، سألك ان كنت تعرف مقهى نظيفا يصلح للجلوس والاستراحة قليلا قبل مواصلة المشي عبر الطريق الصاعد الى باب البحر. لم تعجبه المقاهي الصغيرة في حارة اليهود، وسرتما حتى لاحت في مفترق الطرق، بين الحارة وبين باب البحر، قهوة تظللها عريشة من العنب، وسط باحة قصر قديم، اعاد صاحبها اليوناني ترميم الحيطان المجاورة، ورصف المكان بالزليج، ووضع كراسي وطاولات خشبية انيقة، فبدا منظر المقهى نظيفا، جميلا، واطلق عليه اسمه " كوستا "، لكي يستفيد من حياد اليونانيين، فيقبل عليهم اليهود والعرب، وما ان جلستما حتى ظهرت لكما خلفية المقهى، وهو هذا القصر الذي اصبح الان خرابة يستخدمها بعض البحارة في تخزين قواربهم القديمة والمعطوبة، ولكن الحديقة المدمرة، بما فيها من احواض الماء التي جفت والنوافير التي صارت ركاما من الحجارة، ومجموعة نخلات عتيقة ظلت تناضل الاهمال والجفاف، توحي بما كان عليه هذا القصر من الفخامة والبهاء، وكان بالبو يريد الدخول لتفقد اطلال القصر، بعد ان استشار الخريطة وعرف انه قصر يوسف باشا القره مانلي، الا ان السنيور كوستا، حذره من شراسة الكلب الذي يحرس مخزن القوارب.
لاحظت ان عشرة اشخاص او اكثر، دخلوا المقهى بعد دخولكما، وجلسوا متفرقين غير بعيد منكما، ليشغلوا كل الكراسي الشاغرة، ولم تكن بحاجة الى التخمين عمن يكونوا، فهم بعض من رافقوكما منذ بداية الزيارة. كنت قد طلبت من صاحب المقهى شايا لنفسك وشايا لتشربه نيابة عن المارشال الذي مضى يشرح وجهة نظر، لماذا لا يحتاج اليهودي لان يكون فاشستيا:
- الفاشية ليست حركة كشفية، وليست ناديا رياضيا، انها اسلوب حياة قبل كل شيء آخر، يدخلها الشاب البريء، الجاهل بحقائق الحياة، فتفتح عينيه على هذه الحقائق، وتعينه على فهم قواعد الصراع التي تحكم المجتمعات، حيث لا حياة ولا بقاء الا للاقوى. تمنحه صلابة ومناعة وتضع فوق عوده الطري، طلاء من القسوة الضرورية لمواجهة الحياة. اليهودي، ونتيجة لميراث طويل من مواجهة القمع، يولد صلبا، واعيا منذ البداية بحقائق الصراع في الدنيا، ولن يكون بحاجة الى حزب مثل الحزب الفاشي يزرع في نفسه صلابة زرعتها فيه الطبيعة، لانه سيعاني عندئذ ما يعانيه لك من يأخذ جرعة زائدة عن الحاجة، او كمن تجرى له عملية ختان على طريقتكم الاسلامية اليهودية، مرتين.
تذكرت وهو يتحدث عن الحزب الفاشي، قصة انتسابك له، التي لم تكتمل، فقلت له ذلك، واضفت بانك بعد ان تلقيت الموافقة، حال العمل بينك وبين الذهاب لتلاوة القسم واستلام البطاقة.
- لاعضاء الحزب مكانة خاصة عندي، فالحزب هوالعائلة الكبيرة بالنسبة للفاشست، وكل عضو هو فرد من افراد هذه العائلة. يجب ان تكون فخور ا بهذا الانتساب.
اجبته مجاملا:
- نعم انني فخور بذلك.
- بدأت عهدي بانشاء الفرع الليبي للحزب لاثبت شيئا واحدا هو ازالة الفوارق بين الايطاليين والليبييين. وهذا ما يجب ان يعرفه كل ليبي.
ارتفعت اصوات المؤذنين من مآذن المدينة القديمة، تنادي لصلاة الظهر، وتعلن انتصاف النهار، كما ارتفعت من كنيسة قريبة دقات الناقوس مختلطة بالاذان، فنهضتما وسرتما باتجاه صاعد، تعبران باحات باب البحر، التي بدت اكثر رحابة واتساعا من بقية المناطق. انتهت رائحة الجاوي واعواد البخور، وبدأت روائح اخرى هي روائح الكمون والابزار التي تخلط بها اكلات السمك، فالوقت وقت تجهيز الغذاء، وطعام اهل هذا الحي، هو السمك، الذي يتفننون في طهيه، كما يبدو واضحا من المطاعم الصغيرة التي تنتشر على طريق الشط وتتخصص في وجبات السمك، وقد افترشت الكثير من العائلات اليونانية والمالطية الارض امام بيوتها وبالذات البيوت التي تقع وسط الباحات والميادين التي يتميز بها هذا الحي. ومررتما في طريقكما باقدم كنائس طرابلس الموجودة بباب البحر وهي كنيسة " سانتا ماريا دللي انجلي " التي قال انه حضر قداس راس العام بها ذات مساء ولم يكن متاحا له في تلك الزيارة ان يرى غيرها، ثم انحدرت بكما الطريق عبر الجزء المحادي للبحر من هضبة باب البحر، ووصلتما جزءا من بيوت هذا الحي، اضحت خرابات واكواما من الحجارة، نتيجة لما حدث في بداية الغزو الايطالي عندما دكت بوارج الاسطول هذا الجزء من المدينة، وقد ابدى المارشال اندهاشة لان يبقى هذا الجزء الجميل من المدينة وعلى مايقرب من ربع قر ن بهذه الصورة، وقد اضحت هذه الخرابات والاكوام ملجا لاكوام من البشر، جاءوا من الريف، ولم يجدوا مكانا يلجأون اليه، غير هذه الاطلال المهجورة. نساء يختفين في ملاحفهن البدوية، ورجال يتكئون منهكين فوق الحجارة، وصبيان اشبه بالهياكل العظمية يقفون امام هذه الخرابات في اسمالهم التي لا تكاد تستر عوراتهم، ينتظرون أي عابر سبيل يسألونه صدقة، وقد هرع بعضهم اليكما فاخرجت من العهدة التي معك، ليرات كثيرة وزعتها عليهم، وكانت النتيجة ان صاروا ينادون بعضهم بعضا، فوجدتما نفسيكما وسط زحام من الهياكل العظمية التي يغطيها الذباب، تصدر اصواتا كالانين، تطلب احسانا. رأيت من بعيد، كيف ان المصلين بدأوا يخرجون من جامع قرجي، فاتجهت مع صاحبك، متبوعين بزحام الشحاذين الصغار الى زحام المصلين، فدخلتما فيه. كانت فرصة ان يرى المارشال هذا المسجد، الذي يعتبر، رغم حداثة عهده، تحفة المساجد الليبية في معماره وبنائه. ليس فقط لقبابه الكثيرة، ومئذنته الطويلة ذات الثمانية اضلاع، وانما لزخارفه وفنون الارابيسك العربي الاسلامي في محرابه ومنبره. ترى ماذا سيحدث لو ان احدا عرف ان هذا الرجل المغربي الذي دخل الجامع، يتأمل النقوش، واقفا امام المنبر، ليس الا بالبو، الحاكم الايطالي. لم يكن ذلك الاحتمال واردا، ومع ذلك ظل الخوف يعتريك، ولم تشعر بارتياح الا عندما اتجه بالبو الى الباب، ووقف امامه يضع قدمه في الحذاء. انها المحطة الاخيرة في هذه الزيارة، وهاهي، حمدا لله، قد انتهت دو كوارث. وددت لو امهلك الحاكم العام دقيقتين تتوضأ وتصلي فيهما ركعتي شكر لله، وامتنانا له على انهاء المهمة بسلام، لكن الوقت لا يسعفك، وستصلي هاتين الركعتين فيما بعد، اما الان فسترتدي انت ايضا نعليك، وتمضي خلف الزائر الكبير. كنت قد احنيت جسمك اثناء ارتدائك الحذاء تربط شسعه، عندما احسست بيد كبيرة تضربك برفق على ظهرك، مصحوبة بصوت يلهج بالترحيب والتحية واللوم في وقت واحد، عرفت فيه على الفور عبد المولى الشحاذ. كان ينتصب باسماله وعكازه واقفا امام الجامع، يتسول. حاولت ان تهرب منه، ولكنه امسك بك، قائلا بانه عرف خبر استثنائك من الجيش، كما عرف به اهلك في اولاد الشيخ، وكلفوه بان يبحث عنك ويعرف عنوانك، وحاول خلال الايام الماضية العثور عليك دون جدوى، اما الان وقد التقى بك صدفة، فهو لن يتركك حتى يعرف مكان اقامتك، ويستفسر عن اخبارك، لينقل ذلك في رحلته القادمة للقرية لابيك وامك واخوتك. ولم تكن تدري ما الذي يدور في عقل بالبو وهو يراك محاصرا من قبل هذا الشحاذ، الا ان الامر اثار بالتأكيد استغرابه وضيقه، لانه وقف صامتا، ينتظر انتهاء هذا المشهد، واستئناف السير للقاء عربة الحنطور، واردت ان تقول كلمة للضيف، تعتذر بها عما يحدث، الا ان حالة الاشتباك التي فرضها عليك عبد المولى لم تسعفك حتى بوجود الكلمات المناسبة التي تقولها. توسلت للشحاذ ان يطلق سبيلك الان، لانك مشغول مع هذا التاجر المغربي، الذي لديه مواعيد عاجلة بانتظاره، وما ان عرف انك رفيق لهذا الشيخ المغربي، حتى تهللت اساريره وكاد يطلق صيحات الفرح والاعجاب، فهو ينتظر منذ سنوات ان يعثر على رجل من اهل فاس، قادر على كشف الكنوز والتعامل مع حراسها من اهل الجن، لانه يعرف كنزا لا يعرف احد غيره، مطمور وسط بئر جاهلي، قرب الكوخ الذي يسكنه الان، وما سبب بقائه مقيما في ذلك الكوخ وطوال عدة سنوات الا الحرص على ان يبقى قريبا من الكنز، لكي لا يسطو عليه احد. فنهرته قائلا بان هذه مجرد اوهام، وان الرجل تاجر ملابس لا علاقة له بفتح الكنوز، وان عليه ان يتركك الان تذهب مع الضيف، وستأتي للقائه غدا في مثل هذا الوقت، في نفس هذا المكان. الا انه ظل يلاحقك عندما تحركت باتجاه الكورنيش صحبة بالبو، قائلا بانه ليس هناك مغربي لا يفتح الكنوز، واذا احتاج الى صبي زنجي له عينان فيهما صورة خاتم النبي سليمان، لكي يذبحه على الكنز فسوف يستطيع تدبير مثل هذا الصبي، وان ما يقوله عن الكنز حقيقة وليس وهما، ومضي يتجه بحديثه للضيف، ظنا منه انه يفهم العربية، مؤكدا له ان ليبيا تحتوي في جوفها على اعظم كنوز الذهب، وهذا مايعرفه الايطاليون، الذين تشبتوا باحتلالها وقدموا التضحيات في سبيل المحافظة عليها، فهم ليسو مغفلين يفعلون ذلك من اجل صحراء الرمال، ولكن من اجل الكنوز، وهذه هي المهمة التي يقوم بها الحاكم بالبو، فهو يشرف بنفسه على نهب هذه الكنوز، ونقلها في سفن الى روما، مستعينا بسحرة يحضرهم من فاس وشنقيط وتنبكتو وكانو ووادي الذهب. عارضا عليك وعلى الضيف المغربي ان يتقاسم معكما الكنز قبل ان ياتي المارشال بالبو بمن معه من سحره ويستولى عليه. كان بالبو قد استغرب قليلا في المرتين اللتين ذكر فيهما اسمه، وبادلك النظرات دون ان يقول شيئا. وكان المشهد قد بدأ يستقطب عددا من الناس، بينهم لاشك بعض المخبرين السريين العرب، ممن سمعوا ما قاله الشحاذ عن ايطاليا والحاكم العام. مرة اخرى سألته بلهجة اكثر غضبا و حزما ان يتركك لشأنك، الا انه قفز على يد بالبو يقبلها، ويمسك بها متوسلا ان يأتي معه الى كوخيه ليريه الكنز. كان موقف العربة الحنطور مازال بعيدا، وكان لابد ان تفعل شيئا ازاء استفزازات عبد المولى، قبل ان يتطور الموقف الى مرحل اكثر تعقيدا. وكان بالبو قد بدأ يظهر اشمئزازه وحنقه من مضايقات وتنطعات هذا الشحاذ، فلم تجد بدا من عمل ما تجنبت عمله مع عبد\لمولى خلال هذه اللحظات الثقيلة. تراجعت خطوتين الى الخلف، ثم تقدمت وركلته بين ساقيه بكل ما لديك من قوة، ركلة جعلته يصرخ وهو يدور في مكانه، واستدرت لتواصل طريقك صحبة الضيف، ودون ان تدري اذا بالشحاذ يأتي من خلفك ويقفز فوق عنقك ويحيط رأسك بكلتا ذراعيه، وبقوة لا تدري كيف واتت شحاذا متهالكا مثله، اسقطك معه فوق الارض، حيث صرتما تتصارعان وتتمرغان فوق التراب وانتما تتبادلان اللكمات والركلات. جاء الناس يصنعون زحاما حولكما، وتدخل بعضهم لفك الاشتباك بينكما، وقمت تنفض التراب عن ملابسك، وتلتفت فتجد ان المارشال غادر المكان. حاولت ان تلحق به، دون جدوى لانك لم تر له على مرمى البصر، أي اثر.
لم يكن ممكنا ان تذهب وانت بهذه الهيئة المزرية المتربة، الى بيت حورية، لتتأكد من وصول المارشال الى هناك. انت على ثقة من ان رجاله قد احاطوا به وسحبوه بسرعة من مكان المعركة الناشبة بينك وبين الشحاذ، عائدين به الىعالمه الطبيعي وشخصيته الطبيعية، ولكن واجبك، مهما كنت واثقا من ذلك، ان تتفقده لدى حورية وتتأكد من وصوله سالما.
كنت حانقا اشد الحنق على عبد المولى الشحاذ وما اوقعه فيك من مأزق، ولذلك لم تأبه ليده الممدودة للصلح بعد ان انتهى العراك. تركته ومضيت وعندما يئست من وجود الحاكم العام، اقفلت عائدا باتجاه الفندق. ظل عبد المولى يتبعك ليعرف مكان اقامتك، حتى وصلت الفندق، ثم انتنى راجعا. وعلى عجل خلعت البذلة الجديدة التى تعفرت بالتراب والوحول، وارتديت بذلة العمل الرسمية، ثم انطلقت مسرعا الى بيت حورية. لم تنتظر ان تستأذن احدا. صعدت السلالم وطرقت الباب. كانت حورية، تقف في وسط البيت قبالة الباب، فرأيتها قبل ان ترى مرجان الذي فتح الباب وتدارى خلفه. كانت تقف في حالة استنفار وتوتر تسألك السؤال المرعب:
- لقد جئت بمفردك، فاين تركت المارشال؟
تجمدت في مكانك تنظر الى السقف، الذي تصورته وقد تدلت منه مشنقة وجاءت لتلتف حول عنقك. رأت حورية ما حدث لك من ذهول وخوف، فسالتك باسمة ان تجلس بانتظار القهوة التي امرت حواء باعدادها لك. فمن حقك ان ترتاح قليلا بعد هذا الجهد الذي بذلته، الذي اسفر عن نجاح الزيارة. شعرت بشي ء من الطمأنينة وانت ترى ابتسامتها وتسمع حديثها ولكن كيف تراها عرفت، والمارشال، من الواضح، انه لم يصل بعد. وعرفت منها ان المارشال وصل، ولكن ليس الىهذا المكان، وانما الى قصر اقامته الرسمي، وانه هاتفها، معبرا عن شديد امتنانه واعجابه بما رآه اثناء هذه الجولة، وان ما حدث عندما اعترض احد الشحاذين طريقكما، لم ينقص شيئا من استمتاعه بها. لم تقل لها ان الشحاذ لم يكن مجرد متسول يعبر الطريق، وانما صديق وقريب، جاء يأخذك بالاحضان ويقول ان بالبو افرغ البلاد من كنوز الذهب المطمورة تحت الارض مستخدما السحرة الذين قال انهم يذبحون الصبيان الزنوج،الذي ترتسم في اعينهم علامات تشبه خاتم سيدنا سليمان، لتسهيل استخراج هذه الكنوز، وسألت مرجان ان ياتي، فجاء الصبي، وامسكت بوجهه تبحث في عينيه عن علامة تشبه خاتم سليمان
لكي تنصحه بالهروب قبل ان يكتشف بالبو امره ويعطيه هدية لواحد من سحرة الكنوز. سألتك حورية باستغراب عما تبحث عنه في عيني مرجان فقلت لها انه مجرد خاطر لا معنى له المهم ان تخبرك عما قاله عنك المارشال، فقالت بانها تريد هي ان تعرف منك ما تقوله عن المارشال:
- هاانت قد رأيته وعرفته عن قرب، فما رايك حقا في شخصيته؟
- انه انسان نادر المثال.
كنت فعلا قد خرجت بانطباع ايجابي عن الرجل، ورأيت له صورة تختلف عن صورة الحاكم المتجبر، العابث، الذي ينظر باحتقار للاخرين، كما يصوره اعداؤه من الليبيين. لا تستطيع، بطبيعة الحال، ان تقول بانك تعرفه معرفة حقيقية، لانه جاء معك متنكرا، يرتدي شخصية مستعارة، وهذه الشخصية التي اختار لها ان تكون شخصية شريف مغربي، لابد ان يكون لها تأثيرها فيما رأيته وعرفته من سيادة المارشال. هناك شيء من التمثيل، اختلط بالحقيقة، و سيكون صعبا الاهتداء الى الخط الفاصل بينهما. ومع كل هذه التحفظات، فانك لا تملك الا ان تبدي اعجابك بالجوانب التي رأيتها، غزارة المعارف والمعلومات التي يعرفها، ومشاعر الدفء الانساني التي كانت واضحه في سلوكه وتصرفاته، ولحظات التواصل الحميم التي احسست بها تنشأ بينك وبينه، وتشعر بعميق الحزن من اجله وانت تتذكر نبوءة الشيخ البلبال التي تقول بانه سيموت على ايدي جنوده.
- ستكون هذه الزيارة علامة فارقة في حياتك.
- سأذكرها دائما بمشاعر الاكبار والتجله للحاكم والعام، والامتنان لك انت باعتبارك صاحبة الفضل في اختياري لهذه المهمة.
- سيكون لها تأثير كبير على مستقبل حياتك العملية.
- المستقبل بيد الله. آمل ذلك على كل حال.
تذكرت ان صاحب عربة الحنطور مازال ينتظر في المكان الذي حددته، وان كل ساعة تعني اجرا اضافيا، فطلبت الاذن من حورية لتلحق به وتطلق سراحه، وقبل ان تقوم رأيت ان تعيد اليها النقود التي اعطتها لك. انها لا تزال موجودة في المغلف الكبير كما هي، لانه لم تواجهكما اية نفقات، عدا بعض المصاريف البسيطة جدا.
- وهل تظن ان المارشال يقبل ان يأخذ منك هذه النقود مرة اخرى.
- لقد اخذتها منك انت، وها انا اردها اليك.
- ليس بيني وبينك حساب. ثم انك ستدفع اجرة عربة الحنطور.
- سادفع له عشر ليرات، لا عشرة الاف ليرة.
- انها حقك.
- ساقبل باخذها شرط ان تقبلي الهدية التي سأشتريها لك.
- الهدية ليست بقيمتها المادية، ولكن بقيمتها المعنوية، فلا تشتري شيئا غاليا، لان المارشال لا يتركني احتاج لشيء مطلقا.
لم تمض غير ثلاثة ايام او اربعة، حتى بدأت اشياء كثيرة تحدث في المدينة القديمة لها علاقة بزيارةالحاكم العام لها، وقرارات تتصل بما رآه هناك، وكان اول هذه القرارات تحويل كل البيوت التي تحمل تراخيص في حي البغاء الى المشروع الاسكاني الجديد الذي يقع خلف المعرض التجاري، وترميم بيوت المدينة القديمة التي اخليت وانشا ء جهاز لصيانتها وصيانة أي بناء يهدده الانهيار، وقرار آخر بازالة المدبغة من المبنى الذي تشغله داخل المدينة القديمة واعطاء قطعة ارض لصاحبها خارج السور وبعيدا عن الاحياء السكنية، مع قرض لانشاء مدبغة حديثه، وقرار آخر بتخصيص مساكن في مشروع الاسكان الشعبي بمنطقة باب تاجوراء، لساكنى الخرابات المحادية للبحر، واعطاء تلك الخرابات لجهاز تشجيع السياحة ليكون هذا الموقع جزءا من المدخل السياحي لطرابلس، وقرار خامس او سادس بتجديد قصر يوسف القرمانلي واعادته لصورته الاصلية ليكون متحفا خاصا بتراث المدينة القديمة. اما اخر القرارات، فهو الذي كنت طرفا في تنفيذه، وهو منح الحاج المهدي النعال، منزلا ارضيا بشارع ميزران، والترخيص له بفتح غرفة من غرف البيت على الشارع لتكون مشغلا ومتجرا للاحذية التقليدية، وتمكينه من استعادة ارضه المصادرة في تاجوراء بعد اثبات انها لم تكن ارضا مهجورة، لان قرار المصادرة يشمل فقط الاراضي المهجورة التي لا يتعيش منها اصحابها، كما قضى القرار بان يعالج الحاج المهدي مجانا في المستشفى العسكري. كنت انت الذي استلم القرار، وذهب مع احد الجنود لمعاينة البيت الجديد واخذ مفتاحه مع شهادة التمليك، ثم ذهبت بمفردك الى بيت الحاج المهدي، حيث كان الاستقبال باردا، والكدر يغطي الوجوه، بما في ذلك وجه ثريا. وسألك الاب مغضبا:
- من هذا الضيف الذي جئت به الى بيتي؟
- لم احضره الا لانه اخبرني بانه صاحب قديم لك.
- كيف يكون صاحبي وانا لم اره في حياتي، الا عندما جئت به الى هنا.
- ولماذا اذن يقول انه يعرفك ويأتي متلهفا لزيارتك؟
وشاركت الام في المساءلة قائلة:
- هذه امور جوابها عندك انت.
واضاف الحاج:
- نريد ان نعرف منك ماهي حقيقة هذا الرجل؟ ولماذا جاء؟ وكيف يدعي معرفتي ثم لا يفتح الله عليه بكلمة واحدة يقولها عن كيف ومتى حصلت هذه المعرفة؟
فاجأك هذا التحقيق، ولم تعرف سببا لاثارة هذه الشكوك، لان الزيارة مرت علىخير مايرام، دون ان تسمع من الاب غير كلمات الشكر والامتنان والترحيب بالضيف المغربي. ومعنى ذلك ان شيئا حدث بعد الزيارة، اثار هذه الشبهات، فسألت الاب:
- هل حدث لا سمح الله أي شيء ازعجكم؟
وجاءت كلمات ثريا، هذه المرة، تضع حدا لحيرتك:
- الشائعات تملا المدينة عن ساحر مغربي يبحث عن كنز، ووالدي، كما تعرفه، رجل من اهل التقوي، يكره ان تكون له صلة بالسحر والسحرة.
وباستنكار عقبت الام:
- ولماذا يأتي الساحر الى بيتنا، استغفر الله
وحانقا اشار اليك الاب:
- هاهو صاحبه امامك فاسأليه؟
- تسأل ماذا ياحاج؟ هل تظن حقا انني اقود ساحرا يبحث عن كنز؟ وهذا الذي يبحث عن الكنز هل يأتي ليشرب القهوة ويمضي؟ الا يختلق الذرائع لتفتيش البيت، وحفر اركانه وعتباته، وقراءة الاوراد لاستحضار الجن، وذبح الذبائح، وما الى ذلك من خزعبلات. فهل رأيت شيئا من هذا يحدث في بيتك؟
ظل الوجوم يغطي الوجوه، لان كلماتك حتى وان كانت صادقة، فانها لن تمحو الفكرة التي ترسخت في ذهن الحاج بانه وقع ضحية خداع واستغفال، عندما اخبرته بان الرجل صديق قديم، فهو الان واثق من انه لم ير الرجل من قبل. ولانك تعرف ان اعتقاده صحيح، فانت ايضا صرت محرجا، ومرتبكا، لان دورك في الخديعة اضحى مكشوفا لصاحب البيت واسرته. لا يعزيك الا شيء واحد وهو انك تسعى لخير هؤلاء الذين خدعتهم، ثم ان القرار الذي في جيبك، ومفتاح البيت الجديد الذي تحمله معك، كفيلان بان يمنحانك القوة والقدرة على تجاوز هذه الازمة.
- ارجوك لا تصدق الشائعات ياحاج، فالرجل صاحب كرامات، سترونها الان امام اعينكم.
ها انت ذا تتورط في الكذب مرة اخرى، ولكنه كذب يجر وراءه خيرا لهذه العائلة. اخرجت القرار، واخرجت المفتاح وسألت ثريا وامها واخيها ان يقتربوا منك:
- هل رأيتم هذا القرار؟ انه قرار الحاكم العام لليبيا المارشال ايتالو بالبو، بتخصيص بيت صحي جديد في الطابق الارضي بمشروع الاسكان المتميز بحي جنائن النوار لكم، ليسهل على الحاج الخروج منه الى الشارع، ومباشرة عمله في الدكان الملحق بالبيت، وهذا المفتاح هو مفتاح البيت الجديد.
نظروا الى بعضهم البعض غير مصدقين. فاخرجت ورقة ثانية.
- وهذا تصريح من المستشفي الايطالي العسكري بالعلاج المجاني للحاج بقسم العظام حتى يشفى، لان هناك الة جديدة لمعالجة برد العظام، لا يملكها الا هذا المستشفى، تستخدم الكهرباء في العلاج ولها نتائج تشبه المعجزات.
كان رد الفعل المبدئي هو عدم التصديق، لانه " من اين للحكومة بمعرفة احوالنا، وحاجتنا الى مثل هذا البيت، ومثل هذا العلاج، ونحن لم نكتب استرحاما اليها ولم نطلب عونا من احد" كما قال الاب ورددت كلامه زوجته وابنته. ودون ان تعبأ انت بتشككهم في صدق ما تقول، ابلغتهم بالمكرمة الثالثة لتضيف مزيدا من الوقود الى نيران الشك والحيرة والفضول والاندهاش:
- هل تذكر الارض التي صادروها لك في تاجوراء ياحاج، سيتم اعادتها لك، او تعويضك عنها، فالخيار لك، وسيحدث ذلك فور احضار المستند الذي يثبت ملكيتك للارض وانتفاعك بها.
كان صعبا تصديق كل هذا الخير الذي جاء دفعة واحدة، ولم يكن ثمة شيء يعالج حالة الذهول التي اصابت العائلة، او لعله سيزيدها سوءا، غير عربة حنطور تقل كل افرادها، بمن فيهم الاب المريض، الى حي جنائن النوار، ليفتحوا البيت بانفسهم، ويشاهدوا اتساعه واتساع حجراته و مطبخه المجهز بتقنيات حديثه مثل مواسير الغاز الذي يقوم بتشغيل الموقد وسخانة الماء، وحنفيات الماء، ومصابيح الكهرباء الموجودة في كل غرفة، والحديقة الخلفية للبيت، والغرفة التي ستكون حانوتا يفتح على الشارع، وهم يطوفون بالبيت ويعلقون ابصارهم بالاسقف العالية غير مصدقين ان هذا البيت العصري الحديث سيكون حقا ملكا لهم:
- ولماذا يفعل لنا الطليان كل هذا، ولا يفعلون مثله للاخرين؟
- ولماذا تشعشع انوار الحظ في ليلة القدر لاناس وتحتجب عن غيرهم؟ وببساطة اقول لكم، لان الاخرين لم يزرهم شيخ صالح مثل الذي زاركم من عدة ايام.
وكأنما اثار الحديث عن الضيف المغربي شكوك الاب من جديد فقال بصوت يشوبه الارتياب:
- وهل يريدون اخذ البيت الذي نسكنه الان؟
ادركت مقصده، فربما يكون هذا البيت الجديد، وسيلة لاخراجه من بيته القديم الذي يحتوي الكنز. كان يتكيء عليك، ويضع يدا اخرى على الجدار وهو يتفقد غرف البيت الذي مازال جديدا تفوح منه رائحة الطلاء. ورأيت، ان لابد بعد ان تأكدوا من صدق ما قلته لهم، ان تجعلهم على علم بصاحب الفضل، الذي لولاه ما تغيرت اقدارهم بهذا الشكل الذي يشبه الاحلام. انتظرت حتى انتهوا من تفقد غرف البيت ومرافقه وحان وقع الخروج الى الحديقة الصغيرة التي نمت فيها الاعشاب حديثا، كما غرست في زواياها عدة شتلات لاشجار لم ترتفع عن سطح الارض الا عدة اشبار. قلت ترد على سؤال الاب وتتجه بالكلام الى كل افراد الاسرة:
- تعلم ياحاج مهدي مدى ولائي وحبي لك، ولاسرتك التي اعتبرها اسرتي. ولم يكن ممكنا وانا ارى المحنة التي تعيشها الاسرة نتيجة مرضك، ان اقف متفرجا لا افعل شيئا. سعيت منذ اول يوم رايتك فيه مريضا، لايجاد حل للمحنة التي تعيشونها، ومضيت اطرق الابواب، حتى استطعت بتوفيق من الله، الوصول بقضيتك الى اعلى سلطة في البلاد، الى الحاكم العام نفسه، الذي اثبتت له التحريات صدق ما قلته عنك، فامر لك بالبيت والعلاج واسترداد الارض، فهل تظن ان حاكما مثله، يحتاج الى دكانك او بيتك القديم، انهما لك تفعل بهما ما تشاء.
رأيت دموع الرجل تهطل غزيرة، غزيرة، فهي دموع فرح بالتأكيد تخالطها عبرات اسف لانه تعامل معك اليوم بمنطق الشك والريبة واخضعك للمساءلة والتحقيق كانك متهم، وكانت الدموع اكثر افصاحا وتعبيرا عن أي كلام يمكن ان يقوله ردا على ما اخبرته به.
بعد ان اعدتهم الى بيتهم القديم، اخرجت مبلغ الف ليرة اعطيتها للاب، قائلا له، بان هذا ليس هدية، وانما سلفة يواجه بها مصاريف تأتيت البيت الجديد ونفقات فتح الدكان، تستردها منه عنما تتيسر الاحوال باذن الله.
اكتشفت وانت تواصل حياتك في الفندق وتقضي حوائجك من دكاكين المدينة القديمة، وتذهب للصلاة في مساجدها، ان قصة الساحر المغربي الذي زار المدينة، يبحث عن الكنوز، قد اضحت قصة شائعة يرددها الناس بانبهار واعجاب، ويتحدثون عما حدث للمدبغة التي زارها، وخرابات باب البحر وسكانها الفقراء وماحدث لهم، وجلوسه في المقهى المحادي لقصر يوسف باشا القرمانلي وما يشهده الان من تجديد، وزيارته لصديقه القديم الحاج المهدي، وما ناله اهل ذلك البيت من خيرات. فهو صاحب كرامات واسرار روحية، وعلاقات باهل الخفاء المسخرين لخدمته وتنفيذ اوامره، وكان عدد من هؤلاء الناس يعرفون انك انت الذي كنت ترافقه اثناء جولاته، واصطحابه للصلاة في المساجد، فكانوا يأتون اليك في فندق الكبران، يريدونك ان توصلهم به، للاستفادة باسراره والحصول على بركاته وطلب مساعدته في حل مشاكلهم، دون ان تجد جوابا يرضيهم، فالقول بانه عاد الى بلاده، يجعلهم متوترين، غير مستعدين لتصديقك، فتضيف قائلا، بانه سيعود في وقت قريب باذن الله، لكي يذهبوا وهم راضون عنك. وكان عبد المولى الشحاذ قد جاء لزيارتك في الفندق عندما لم تكن موجودا، وعرف بانك اشتريت حاكيا، فاضاف هذا وقودا للهوس الذي يسيطر عليه عن الساحر المغربي الذي يفتح الكنوز، فوجود هذا الحاكي، هو خير دليل على ان مصاحبة الساحر المغربي قد اثمرت، وان نصيبك من الجرة الذهبية قد وصل اليك لا محالة.
لم تستطع ان تستعيد الحاكي من الكبران، الذي يريد شراءه بنصف الثمن، فلم تقبل منه هذا العرض، واتفقت معه على ان يستعيره فترة من الوقت، حتى يعثر على جهاز مستعمل، او يتدبر ثمن جهاز جديد.
كان صوت الاغاني الشرقية، يخترق جدار الفندق، ويصل الى الشارع، عندما دخلت واتجهت الىغرفة الكبران، انقص من صوت الجهاز قائلا:
- جاء صاحبك الشحاذ يسأل عنك، ويأمل في الحصول على بعض الليرات الذهبية من الجرة التي تقاسمتها مع الساحر المغربي.
- لم اكن اظن ان الحماقة تصل به الى هذا الحد، وهل تصدق انت ايضا هذا الكلام يا عمنا الكبران؟
- واصدقه واصدق المثل الذي يقول ان نخلة الحوش ترمي ثمرها خارجه.
- لم افهم.
- هل يجوز ان تصطحب الساحر المغربي الى مختلف الاماكن العامة و الخاصة، في المدينة القديمة وخارجها، ويستفيد من زيارته كل الناس، الا الفندق الذي يأويك.
- الرجل ليس ساحرا، وانما تاجر اراد ان يرى بعض معالم المدينة ويلتقي ببعض تجارها.
- هذا ما كان يعتقده الناس، الا ان ما حدث من غرائب وعجائب بعد زيارته، هو الذي كشف حقيقة من يكون.
- مجرد مصادفات.
- ليتك جئت به الى هذا المكان، ومرحبا بالمصادفات التي تأتي بعد زيارته.
ضحك رفاق الجلسة، وواصل هو حديثه على خلفية الموشح الذي يقول " قدك المياس يا عمري، ايقظ الاحساس في صدري،انت احلى الناس ياعمري":
- هذا المغربي ايقظ في صدري شيئا اكبر من الاحساس، لانني لا اريد سوى ربع جرة ذهبية، لاصنع عالما جديدا، محل العالم القديم الذي تعرفونه، ليت اخانا عثمان يقتنع بهذا الكلام، ويحضر لي هذا الساحر.
- لقد سافر للاسف الشديد.
- هل تعرف شيئا؟ هل تعرف جزيرة اطلنتيس، التي يبحث عنها العالم منذ مئات السنين، والتي غرقت بما فيها من كنوز ومآثر فنية. هناك انسان وحيد في هذا العالم يعرف مكانها. هذا الانسان هو العبد الذي امامك. اطلنتيس موجودة على بعد عدة اميال من هذا المكان. غواص الماني غرقت غواصته اثناء الحرب، ومات بين يدي، بعد ان رأيناه طافحا على سطح البحر وحاولنا انقاذه. هو الذي اخبرني اثناء احتضاره بانه رآى جزيرة اطلنطيس في قاع البحر. كلمني باللغة الايطالية التي اجيدها، واشار الى المكان الذي رآها فيه وعلامات الانبهار على وجهه رغم حشرجة الموت. انني احلم باليوم الذي اقود فيه حملة لاستعادة كنوز اطلنطيس وسترى ما سأفعله بالعالم.
ثم يضرب كفا بكف:
- ليتك جئتني بهذا الساحر.
تركته غارقا في احلامه ببناء عالم جديد، وذهبت عائدا الى غرفتك وذهنك عاجز عن تفسير هذا الخيال الشعبي الذي قفز على اشاعة الساحر المغربي، واحالها الى قوة خرافية قادرة على تغيير مصائر البشر. كانت اصداءالزيارة تأتيك من مصادرها الشعبية مغلفة بالخيال، فقد اضافوا الى قصة الحاج المهدي الذي حصل على بيت جديد، سببا آخر للثراء المفاجيء الذي هبط عليه، وهو انه تقاسم مع الساحر المغربي كنزا من الذهب وجدوه مدفونا في عتبة بيته، واخترعوا قصصا لشخصيات وهمية ولا وجود لها في الواقع وقالوا انه حدثث لها احداث تشبه ما حدث للحاج المهدي، واصابها الثراء المفاجيء بعد التقائها بهذا الساحر، بائع متجول في كوشة الصفار، وعتال في سوق الترك،وصاحب عربة حنطور من ساكني باب البحر، عدا الاعتناء الخاص الذي اولاه الساحر لحي البغايا، كانه عثر فيه على امه التائهة عنه، كما يقولون، فقد استجاب لطلبات نساء الحي، وابدل لهن تلك الخرابات، بافخر البيوت في افخر احياء المدينة، ويضيفون كتفسير لما حدث بان لامثاله من المتعاملين بالسحر الاسود، علاقة وثيقة بعالم الرذيلة، كما ان الجن الذين يستخدمهم هؤلاء السحرة، غالبا ما يكونوا من الزنادقة والملحدين الذين لا يأنفون من خدمة العاهرات.
ثم سرت اشاعة اخرى، ذات طابع شرير هذه المرة، استندت فيما يبدو على الكلمات الحمقاء التي رمى بها عبد المولى الشحاذ عن الصبي الزنجي الذي يبدي استعداده لاحضاره وذبحه قربانا للجن الذين يحرسون الكنز، تقول الاشاعة بان هناك طفلا اسود البشرة، دون العاشرة، اختفى من احدى الكتاتيب، ويتهمون الساحر المغربي الذين رأوه يطوف الكتاتيب هو وصاحبه، بخطف الطفل. هذا ما سمعته من الزنجي العجوز صاحب المغسلة التي اخذت اليها بذلتك الجديدة التي اتسخت بسبب عراكك مع الشحاذ، واضاف بانه سمع رجلا يقول بانه رآى الساحر وصاحبه يحاولان استدراج طفل اسود من تلاميذ جامع الناقة، الا انه فاجأهما بظهوره امامهما،فاختفيا دون ان يتمكنا من اخذ الطفل، ولابد انهما نجحا في مكان آخر. لم تقل شيئا تصحح به افكار الرجل عن الساحر وصاحبه، او تخبره بانك انت الصاحب الذي يعرف كذب هذه الروايات، ضحكت هازئا مما يقوله، موقنا ان مزيدا من الروايات سوف يتم تأليفها لتكون وسيلة للتسلية نملأ بها الناس فراغ ايامهم.
وتأثرا بما سمعته من حورية عن انبهار الحاكم بالمدينة القديمة، والاوصاف الجميلة التي يسبغها على ما شاهده فيها من معالم، ومااحس به من مشاعر وهو يسير في شوارعها التي تحمل بصمات الزمن وتعبق باريج تاريخ عريق ونكهة خاصة بهذه المدينة دون غيرها، صممت ان تقوم بجولة اخرى عبر نفس الاحياء، لتراها في ضوء هذا الفهم الذي كان غائبا عنك. زيارة تقوم بها لصالحك، وارضاء لمزاجك انت، لا لصالح الحاكم العام واو ارضاء لمزاجه. ذهبت تجوس عبر الازقة والحواري، وتنساب بينها انسيابا طبيعيا وعفويا كانسياب الماء بغير خطة او هدف، سوى الرغبة القوية في الاقتراب من روح هذه المدينة والتعرف على ملامح هذه الفرادة والخصوصية التي راها الحاكم العام ولم تستطع انت رؤيتها بسبب الالفة من جهة وربما الجهل بقيمة هذه المعالم والمظاهر التي بهرت المارشال. منحت نفسك لها، لهذه الشبكة العنكبوتية من الازقة والشوارع الصغيرة التي يصب بعضها في بعض ودكاكين العطرية والبقالات الصغيرة التي تختلف في شكلها ومعمارها وديكورها عن بقية المتاجر في الجزء الحديث من المدينة ولعلك تستطيع ان تشهد تجانسا وتناسقا بين الدكاكين والبيوت وشكل الازقة والسقوف والحيطان وما فيها من شرفات صغيرة وشبابيك عالية يغطيها خشب ازرق معشق في بعضه البعض يمكن لمن بداخله ان يتلصص من تقوبه التي تسمي عين الزرزور على الخارج، متيقنا بان احدا من الخارج لا يستطيع ان اراه، بحيث تبدو وكانها بنيت بخريطة واحدة تحت اشراف مهندس واحد، مع انها في الحقيقة تحمل تراكمات اعصر واجيال، حافظت رغم تعاقب الاحقاب على طرازها وشخصيتها. ذهبت تدور مع زواريبها التي يدور بعضها احيانا على بعض وينتهي بعضها بجدار، يجعل الطريق مسدودا، دون اشارة تدل على ذلك، بل هو احيانا يقول العكس يرحابته واتساعه، كان الذي بناه اراد ان يراوغك ويلعب معك لعبة النهايات المسدودة. لا شك ان الذي هندسها بهذه الصورة لم يفعل ذلك عبثا، وانما ارادها ان تكون متاهة لمن يأتي اليها من غير اهلها. تقنية من تقنيات الدفاع عن النفس، يستخدمها قوم طالما روعهم الغزاة الذين يرمي بهم البحر، او ترمي بهم الصحراء، فارادوا ان تكون مدينتهم متاهة لهم، عصية على الاستيعاب والفهم.
انتبهت وانت تحاول اكتشاف الجمال النائم تحت الحجارة التي يخيم عليها خنى السنين، ان هناك عيونا ترصدك بشيء من الريبة والحذر، ولم تشك اطلاقا في ان الشائعا ت التي ربطت بينك وبين الرجل المغربي هي السبب في هذه النظرات، فكثير من الناس،اهتدى الى شخصيتك، بل رأيت من يدس رأسه في رأس صاحبه، ليهمس له بحقيقة من تكون، وتأسفت لانك قد تحتاج انت الآخر الى ان ترتدي ملابس تنكرية تدخل بها هذه الاحياء، كما فعل الحاكم الايطالي.
ووجدت عندما ذهبت بعد هذه الجولة لمقر عملك ببيت حورية، انك انت الآخر، اصبحت من جماعة المنتفعين باسرار وكرامات الساحر المغربي، وان في انتظارك دعوة لحضور حفل كبير سيقام غدا بمقر الفرع الليبي للحزب الفاشيستي، بمبنى المعرض التجاري، بمناسبة تدشينك عضوا جديدا بالحزب. وسيكون الحفل تحت رعاية صاحب الفخامة، الحاكم العام المارشال ايتالو بالبو، عضو القيادة العليا للحزب الفاشيستي.
اعتبرت حورية عندما اخطرتها بالدعوة انها خطوة جديدة على سلم المجد الذي ينتظرك، وان حضور المارشال لهذا الحفل يجعله مناسبة خاصة ومتميزة، فهو لا يحضر دائما مثل هذه الحفلات، وانها شخصيا ستكون اول الحاضرين اعتزازا منها بهذه المناسبة التي تستلم فيها عضوية الحزب الحاكم. كانت رسالة الدعوة تنص على ضرورة ان تذهب صباحا الى مقر الحزب لاستلام الملابس الفاشية، لان حضور الحفل مساء سيكون بهذه الملابس. اكتشفت عندما حان موعد الاحتفال، ان هناك اكثر من عشرين منتسبا جديدا من الليبين، سيحوزون على شرف استلام عضويتهم من الحاكم العام، يماثلونك في العمر، ويرتدون مثلك القمصان السوداء. لم يضايقك وجود هذا العدد الكبير من المحتفى بهم، بل اسعدك انك لا تمضي وحدك في هذا الطريق، وان هناك كثيرين من ابناء جلدتك، يسعون بهمة ونشاط، كما تفعل انت، لنيل الرضا والاعتراف من السلطة الفاشية الحاكمة، املا في تأمين معيشتهم و تحصين مستقبلهم العملي، ودخل بالبو الى قاعة الاحتفال محفوفا بضباطه ومستشاريه، يرتدي بذلة مارشال الجو، وواضعا كل الاوسمة والنياشين التي نالها على صدره، وجلس يستمع الى القسم الفاشي يلقيه هؤلاء المستجدون بنصيه الايطالي والعربي، وبعد ان جاء دورك واديت يمين الولاء لايطاليا وزعيمها موسيليني اتجهت الى المنصة كما فعل من سبقك لاداء اليمين، لتلقي بطاقة الحزب من الحاكم العام، كما رشق في صدرك شعارا كتب فوقه الاحرف الاولى من رابطة الشباب الفاشي الليبي، واستبقاك لدقيقتين اواكثر ابلغك فيهما انه راجع ملفك العسكري واصدر قرارا بترقيتك الى رتبة شاويش، وهو قرار لن يعلنه هنا، باعتبارك حاضرا هنا بصفتك المدنية، لكنه سيكون موجودا ضمن التعميمات العسكرية. صفق لك جمهور الحاضرين من الضباط والوجهاء واعضاء الحزب القدامي وبينهم عدد كبير من الليبيين، ومن وسط الضيوف الجالسين في الصف الامامي، نهضت حورية، تمد يدها لك بالتحية والتهنئة.
كنت قد ارتديت ملابس الحزب، القميص الاسود، والبنطلون الابيض، قبل ساعة من موعد الحفل، ومنذ خروجك من الفندق ووصولك الى مقر الحزب وانت تشعر بعبء هذا الزي، وتلحظ الى أي مدى ينظر اليك الليبيون بحقد واشمئزاز، مما جعلك تستعجل الساعة التي تتخلص فيها منه، وتتجنب الشوارع المأهولة بالناس، اثناء عودتك الى الفندق، لكي لا تتعرض لما تعرضت له في طريق الذهاب الى الحفل. لم يستطع التصفيق الذي حظيت به اثناء استلام البطاقة، ولا الترقية التي ستزيد قليلا من مرتبك، ولا تهنئة حورية لك، ان تزيل سحابة الهم التي حطت في قلبك نتيجة هذا الازدراء الذي رأيته في اعين الناس. وقبل لحظات من وصولك الى الفندق، استرعى انتباهك وجود حشد بشري يسد بابه. ظننته نشأ بسبب بطاقات العمل في الميناء التي يوزعها احيانا الكبران على العتالين، الا انك تبينت، رغم العتمة التي بدأت تحاصر الدنيا، وجود نساء يرتدين الفراشية بين الرجال، مما يؤكد ان الزحام ليس بسبب العمل في الميناء، وانما بسبب آخر لن تعرفه الا عند وصولك الى الفندق. كنت مازلت تشعر بالخجل، من اضطرارك الى شق هذا الزحام ودخول الفندق وانت ترتدي هذه الملابس التي تثير حنق الناس وتجلب احتقارهم. وفوجئت، بانك عندما اقتربت من الفندق، ان هذا الزحام ليس من اجل احد آخر غيرك انت، وما ان ظهرت حتى هرعوا كلهم نحوك، الى درجة ان فكرت في التراجع والهروب خشية ان تكون مظاهرة من هؤلاء الناس الذين اثارهم انتماؤك الفاشي، فجاءوا للانتقام منك. وتمنيت لو انك استطعت الاحتفاظ بالمسدس الذي كان معك قبل ان تترك المعسكر، لكي تخيف به هؤلاء الناس وتبعدهم عنك. الا انك بقيت واقفا عاجزا عن فعل أي شيء في مواجهة الزحام الزاحف نحوك، خاصة وانك احسست انه زحام مسالم، لايحمل أي تهديد لك، بل جاء يسعى اليك بمسكنة ومذلة، يكاد بعض افراده يتقدم وهو في حالة انحناء، والاخر الذي وصل قريبا منك يريد ان يأخذ يدك يقبلها، والظاهرة المشتركة بينهم انهم جميعا كانوا يحملون اوراق العرائض في ايديهم، ويتوسلون خاشعين ان تنظر بعين الرحمة الى طلباتهم وشكاواهم. بعضهم كانت عيونه تسح بالعبرات، وبعض النساء كن ينخرطن في بكاء حارق، مما اعطاك انطباعا ان في الامر خطأ ما، لعله ناتح عن هذه الملابس الفاشية التي جعلت بعضهم يظن انك احد الحكام، ونظرت في الاوراق التي وضعوها بين يديك فاذا بها موجهة الى الحاكم العام، تطلب عملا اوحلا لمشكلة ما او عونا ومساعدة، ولم تستطع ان تفهم، او تعرف لماذا يقصدك الناس بهذه العرائض، فوقفت حائرا لا تدري ماذا تقول لهولاء الناس ولا كيف تنفذ من حصارهم، الى ان جاء الكبران بجسمه الضخم، يدفع عنك الزحام، ويشق لك طريقا بينهم تدخل منه الى الفندق، ويسألهم الانتظام والوقوف في طابور امام مكتبه. ثم ادخلك المكتب واضاء فنار الغاز، وبدلا من الكلام اخرج صحيفة" الرقيب العتيد" واشار الى خبر في الصفحة الاولى، جاء فيه ان صحيفة الكورييري الصادرة في روما، نشرت خبرا لمراسلها في طرابلس، قال فيه، بان الحاكم العام، وبسبب حرصه على تفقد احوال المواطنين، تنكر في ثياب تاجر مغربي وزار المدينة القديمة، وشاهد معالمها الاثرية والدينية، صحبة احد العاملين الليبيين بادارته، واصدر اثر هذه الزيارة مجموعة قرارات تستهدف تطوير المدينة القديمة وتلبية احتياجات اهلها.
جاء الخبر الذي يرفع الغطاء عن حقيقة الزيارة التي قام بها الحاكم العام، ليقتل اسطورة الساحر المغربي القادر على اجتراح المعجزات، وينفخ الروح في اسطورة جديدة هي انت. فقد استطاع الناس الذين ربطوا بينك وبين الساحر، ان يربطوا الان بينك وبين بالبو، باعتبارك كنت دليله ومرافقه في الرحلة التي هبط فيها من مكانه العالي بين الشهب والافلاك الدائرة في السماء، الى اروقة المدينة القديمة وحواريها، وما هذا الحشد من طالبي المصالح والهبات، الا الفوج الاول الذي ستتبعه افواج جديدة، كما اخبرك الكبران، الذي صار يتأسف لك لانه لم يعرف المكانة الرفيعة التي تتمتع بها لدى صاحب الامر والنهي في البلاد، ولم يفهم ان وجودك في فندقه المتواضع كان من اجل مهمة كلفك بها وهي رصد احوال الرعية التي جاء بعد ذلك بنفسه يتفقد شئونها. ثم خرج من مكتبه يأخذ بقية العرائص والالتماسات من جمهور الحاضرين ويعدهم بان الحاكم العام سينظر في امرها، وانه لن يمضي اسبوع واحد حتى تكون كل حاجاتهم قد قضيت وكل مشاكلهم المرفوعة اليه قد حلت باذن الله وبمساعي صديقه الموجود في هذا الفندق.
استطاع ان يصرفهم ويعود اليك سعيدا لانه انقذك مؤقتا من زحام هؤلاء الفقراء، ويبدي استعداده لان يكون في خدمتك ويدير لك اعمالك اذا اردت فهو ماهر في التعامل مع الحشود الكبيرة من الناس بسبب خبرته في العمل رئيس عمال بالميناء. شرحت له الحقائق التي غابت عنه، فانت مجرد سائق، يتبع الحكومة، وانه لا علاقة لك بالحاكم والعام ومكتبه، وان الصدفة وحدها جعلتك ترافقه اثناء الزيارة، لانه احتاج دليل من عامة الناس، يعرف شوارع المدينة القديمة.
وسواء صدق الكبران ما قلته او لم يصدق، فقد افهمته حقيقة من تكون، وخرجت.
في الصباح صحوت على صوت بكاء امام دارك، وفتحت الباب فوجدت اثنان يجهشان بالبكاء، هما عبد المولى الشحاذ ونورية، التي لم ترها منذ ان نشب عراك بينك وبينها منذ اكثر من شهر ونصف. اجلست نورية فوق السرير، وسألتها ان تتوقف عن البكاء، لتستطيع ان تتبادل معها الحديث وتعرف السبب الذي ابكاها، اما الشحاذ فقد ظل يتوسل ان تنقذه من الاعدام، لان ما قام به من مضايقات للحاكم العام، وما قاله له من كلام عن نهبه لكنوز البلاد، سيعرضه لا محالة للاعدام، وهويسألك بحق القرابة التي بينكما ان تتدخل لانقاذه من حبل المشنقة، فهو لم يفعل ما فعله الا من اجل ان يجلب الخير لك ولنفسه عندما ظنه حقا شريفا مغربيا يفتح الكنوز، بينما شاء حظه التعس ان يكون المارشال بالبو ولا احد غيره. ولكي تنتقم من كل المضايقات التي سببها لك نتيجة جهله وحماقته، قلت له بلهجة جادة:
- في الحقيقة فانك سوف تعدم مرتين، الاولى من اجل اتهامك للحاكم العام بالنهب زورا وكذبا، والثاني لانك اعترفت امامه بالصبي الزنجي الذي ستشرع في ذبحه. ونصيحة من صديق هي ان تقرأ الفاتحة على روحك من الأن.
وعندما رايته يصدق ما قلته له، ويمعن في نحيبه وتوسلاته، افهمته ان ما تقوله مجرد مزاح، وان عليه ان يكف عن البكاء ويمتنع عن قول هذه الترهات، لان الحاكم العام لديه اشياء اكثر اهمية و خطورة ينشغل بها غير حماقات رجل مثله.
لم تكن نورية تعرف انك ما زالت في البلاد، الا عندما التقت البارحة بالشحاذ واخبرها انك انت صاحب الساحر المغربي، الذي يتحدث عنه الناس، ثم اتضح فيما بعد انه ليس الا الحاكم العام المارشال بالبو نفسه، وانك انت من كان وراء نقل بنات سيدي عمران، الى الاحياء الجديدة الراقية، ولذلك فهي فخورة بك، سعيدة بانك لم تذهب الى الحرب، وانه اصبحت لك هذه المكانة الكبيرة في اعين الناس، وما دموعها الا دموع الفرح لانها اخيرا عثرت عليك، واهتدت الى مكانك بعد ان ظنتك تعيش في المخاطر والاهوال وانت تحارب الحبشان، وهي تعرف انها اخطأت في حقك عندما طلبت منك ان تبقى معها، لانها تدرك الان ان مقامك ليس مقامها، وانك تنتمي الى طبقة راقية ليس من حقها ان تتطلع اليها، فالعين لا تعلو على الحاجب مهما كان مقدار حبها لك، وهي تريدك ان تطمئن بانها لن تعود الى مثل هذا الطلب، راضية ان تقضي بقية حياتها مع مغنيات الاعراس، وان تكون دائما رهن اشارتك متى اردت قضاء وقت معها، كل ما تطلبه منك ان تعطف عليها كما عطفت على بقية نساء سيدي عمران، فهي الاولى منهن جميعا بمثل هذه الخدمة باعتبارها صديقة قديمة لك، وتنقل اليك تحيات شريفة التي تقوم بادارة البيت وبقية زميلاتها اللاتي يتوسلن اليك الا تبخل عليهن بهذه الخدمة، كما انها تحب عندما تزورها ان تكون زيارتك لها في مكان انيق، جميل، يليق بمقام رجل مثلك، صار الناس يعتبرونه الرجل الثاني في البلاد.
انفجرت ضاحكا
واصلت الضحك بقوة
الرجل الثاني في البلاد
ولما لا؟
الامر لن يحتاج الى مرسوم يصدر من الملك فيتوريو ايمانويل الثاني، مع توقيع مشترك لزعيم الحزب الحاكم الدوتشي بينيتو موسيليني لكي تكون النائب للحاكم العام لليبيا
يكفي ان تقول ذلك امرأة من سيدات سيدي عمران اسمها نورية، وشحاذ مثل عبد المولى.
الم يكن الكبران ليلة البارحة يضعك في مثل هذا المقام العالي، الذي وضعتك فيه حشود من المراجعين واصحاب الشكاوى قبله، وانت تستنكر وتنفي عن نفسك هذا الشرف.
فلماذا تخلع عن نفسك رداء القوة والسلطة الذي يريد ان يلبسك اياه هؤلاء البؤساء؟
لماذا لا تتركهم يستمتعون بوضعك في أي موقع يشاءون، وانت تستمتع مثلهم بالنتائج؟
انك انت نائب المارشال بالبو. وستكون كذلك في اعين هؤلاء الناس، طالما استجبت لما يقولون دون احتجاج او غضب اومقاومة. وستجني فوائد المكان العالي الذي يضعونك فيه، دون ان تتحمل تبعاته.
ضحكت كثيرا وسط دهشة نورية وعبد المولى، لانهما لا يعرفان سبب هذا الانفجار الضاحك الذي اصابك، ثم سرت اليهما العدوى، فتحولا هما ايضا من النشيج والانين والبكاء الى الضحك.
ها انت ذا تجني اولى ثمار هذا المقام العالي، عندما تنازلت المرأة التي اوقعت في قلبك الرعب بسبب تهديدها لك بالملاحقة، عن كل ما تدعيه من حقوق في امتلاكك، وجاءت دليلة، مطيعة، راضية بنصيبها وحياتها بعيدا عنك، واقصى امالها زيارة منك، في بيت نظيف يليق بمقامك، بعد ان راتك من خلال اوهام القوة والسلطة.
لم تشأ ان تخيب ظنها فيك، او تنكر امامها انك حقا الرجل الثاني في البلاد، بل عززت هذا الظن، بمبلغ كبير من المال اخرجته من الظرف الذي معك، واهديته لها، كما نفحت الشحاذ مبلغا مماثلا، وسألته الا يأتي لزيارتك، الا اذا نزع عنه هذه الاسمال العفنة، وارتدى ملابس نظيفه.
اخرجت نورية من تحت لحافها عريضة تحمل بصمات رفيقاتها في البيت، يطلبن باسم الفن، ان يتعطف الحاكم العام باعطائهن بيتا آخر ينتقلن اليه بدل البيت الذي يقمن فيه الان والذي لم يعد صالحا للسكن، يتهدده الانهيار في أي وقت. وعندما سالتك وهي توصيك خيرا بالعريضة الا تتاخر في زيارتها، ابديت خوفك من مثل هذه الزيارة، قائلا بان حالة البيت كما تقول العريضة، ترسل الرعب في قلب رجل مثلك لا يملك شجاعة نساء اهل الفن ممن يقمن في هذا البيـت، فقالت ضاحكة:
- وهل صدقت حقا ان البيت يوشك على السقوط، انه امتن من قصر بالبو نفسه، ولكنه كلام عرائض.
ومتأبطا الملف الذي احتوى كل ما استلمته من عرائض وشكاوى والتماسات ذهبت الى حورية، تضع امامها حصيلة يوم واحد من هذه الاوراق، وتسأل عما اذا ما كان الخبر الذي نشرته الصحيفة الليبية، عن صحيفة ايطالية، قد نشر بمعرفة الحاكم والعام ورضاه حقا، لانه حسب علمك كان حريصا على ابقاء الزيارة في اطارها السري، قبل وبعد حدوثها، وكان جوابها هو نعم ولا، و تفسير ذلك انه من عادة الحاكم العام ان يحيط نفسه بعدد كبير من الصحفيين، ولن يكون غريبا اذا سقطت كلمة حول الزيارة في اذن احدهم، وتولى نشرها، باعتباره مادة صحفية مثيرة، وخدمة اعلامية يقدمها لصديقه المارشال، فالخبر لم ينشر بمعرفته، الا انه لا يستدعي الغضب وعدم الرضا، فابلغتها بان هذا النشر ترتبت عليه نتائح وتوابع من بينها ان الناس صاروا يقصدونك بتظلماتهم وعرائضهم يريدون منك رفعها اليه باعتبارك المرافق الذي شاهدوه معه اثناء الزيارة.
كانت حورية ترتدي قميصا قطنيا سماوي اللون، باكمام قصيرة، وتنورة بيضاء قصيرة، محبوكة حول جسمها، تبرز ضمور خصرها وجمال استدارتها الخلفية، وتكشف عن جمال ساقيها، بمثل ما احتوى القميص النصف الاعلى من جسمها واظهر جمال واستدارة نهديها وكشفت عن جمال ذراعيها، اللذان ينسابان في عريهما كجدولين يترقرقان ببهجو الحياة وفرحتها. جلست وظلت تقلب العرائض وتنظر اليها بفضول، دون ان تستطيع قراءة حروفها العربية، فسألتك ان تقرأ عليها نماذج منها، فافهمتها بانك قراتها جميع اكثر من مرة، وتستطيع ان تعطيها فكرة عن محتوياتها، فهناك ارملة مازالت تنتظر المستحقات المالية لزوجها الذي مات في الحرب مجندا مع الطليان منذ اعوام، وامرأة اخرى حكمت لها المحكمة بتعويض لم تستلمه، بعد ان فقدت زوجها اثناء العمل في توسيع وتعميق الميناء، وعامل يشكو صاحب مزرعة ايطالية طرده من العمل دون ان يصرف له حقوقه، ووالد يلتمس من الحاكم العام ان يطلق سراح ابنه السجين دون ذنب عدا انه حاول ان ينشيء حمعية لعمال الميناء.
- لماذا تبدو محرجا مما حدث؟
- اخشى ان يظن احد الناس انني اغتصب دوره، او انني ابحث عن دور ليس لي. ولهذا جئت مسرعا ابلغك بما حدث واسالك عن الجهة التي ابلغهم بالذهاب اليها.
- عادة ما يذهب الناس بمثل هذه الطلبات الى شيوخ القبائل والمحلات، او الى الكومندان بشير الغرياني، وتأخذ دورة طويلة قبل ان تصل الى علم الحاكم العام.
- اذن فاحساسي بالحرج له مايبرره طالما هناك اناس موكول لهم هذا العمل.
- سنحاول ان نرفع عنك هذا الحرج.
قالت حورية كلمتها واتجهت الى جهاز الهاتف في آخر الصالة، حيث تبادلت بعض الكلمات مع من كان على الطرف الثاني. ما ظهر من فتنتها وهي واقفة او جالسة، صارالان اعصارا والجسم كله يترجرجر ويتلألأ وتنفث دوائره الانثوية اغراء جنسيا مهلكا اثناء سيرها السريع الى مكان الهاتف وعودتها منه.
- لا ادري كيف اعبر لك عن اسفي.
ظللت تتأمل البراهين الحية للاعجاز الالهي متمثلا في جمال هذه المراة السامقة التي تتحرك برشاقة واناقة امامك، دون ان تنتبه الى فحوى الجملة التي قالتها. اقتضاك الامر بضع لحظات تعود فيها من توهانك، لتقول:
- لماذا الاسف لا سمح الله.
- لانك في هذه الدقيقة فقدت وظيفتك كسائق معي.
نهضت واقفا، يعتريك شعور بالغضب والمهانة:
- هل ما فعلته كان جريمة استحق عليها الفصل من العمل؟
- اجلس لاشرح لك لان ما قلته كان نصف الحقيقة. يقول المارشال، انه يوافق على الوظيفة التي اختارها لك الناس.
وبكل ما تجمع لديك من مشاعر الاحباط، سألت وانت تعود الى الجلوس، مهيئا نفسك لسماع ما هو اسوأ من الفصل:
- واية وظيفة هذه؟
- لقد اصبحت من الآن الموظف المسئول عن مكتب شكاوى المواطنين، وستباشر منذ الغد عملك في قصر الحكومة. مبروك.
-ـ هل هو مزاح؟
-ـ وهل هناك مزاح في تولي مثل هذه المسئوليات الخطيرة والكبيرة. قف لتتقبل تهنئتي.
انتصبت واقفا كما وقفت هي، واحاطتك بذراعيها العاريتين، فشعرت كانك داخل طوق من نار، وزادت النار استعارا عندما ادنت وجهها من وجهك تقبلك على وجنتيك، فاخذت رأسها تقبله وتقبل جبينها، ثم اخذت يديها تقبلهما امتنانا وعرفانا بالجميل.
-ـ ان هذا اكثر مما استحق.
- انك تستحق اكثر منه وستناله باذن الله. عندما اقترحت تعيينك في هذه الوظيفة كان لي مصلحة انا ايضا، لانني لا اريد عند ارتباطي بك ان ارتبط بسائق وانما برجل يحتل وظيفة اكبر كثيرا من ذلك.
- نعم.
- اريد لاولادي ان يفخروا بان والدهم صاحب وظيفة سامية في الدولة.
- باذن الله.
- الامور هكذا تأخذ وضعها السليم.
- اكثر ما اسعدني في هذه الوظيفة هو احظانك وقبلاتك، واكثر ما يحزنني فيها انها ستحرمني من متعة الدوام امام عتبات بيتك.
- لا اريدك ان تتخلف عن المجيء الى هذا البيت يوما واحدا. ليس هذا ما اقوله انا وحدي، بل الحاكم العام نفسه يأمر بذلك. لانك قد لا تستطيع ان تراه او تلتقي به هناك، وستجد موظفا اداريا يرأسك ويستلم منك الشغل دون ان تعرف النتيجة. ولذلك فسأتولى مساعدتك بطريقة غير رسمية، خاصة مع الحالة التي تحتاج الى تدخل الحاكم العام.
- هذا شيء بديع.
- انها علاقة عمل، وسيتوقف الامر عليك فيما بعد، اذا اردتني ان استمر او لا استمر.
- ماذا تقولين؟ كيف يمكن ان اسألك التوقف عن مساعدتي في حل مشاكل الناس.
- اعني بعد ارتباطنا. لانني لن افعل شيئا لا تريده انت، ولن اقوم بعمل لا يكون موضع رضاك.
مرة اخرى تترك موضوع الارتباط الذي تريد حورية معلقا، دون أي تعليق، لا سلبا ولا ايجابا، لا تقول لها نعم واضحة، صريحة، ولا تقول لها لا اريد ارتباطا كهذا الارتباط بمثل ما فعلت مع نورية، وستتركه معلقا الىاقصى وقت تستطيعه. لم يكن امرا مفاجئا ما قالته عن الارتباط شرعيا بك، فهذا ما لمحت له كثيرا قبل هذا اليوم. التطور المفاجيء حقا هو هذا العمل الجديد الذي لم تكن تتوقعه حتى في الاحلام. موظف في بلاط السلطان. انك لم تدخل في حياتك قصر الحكومة، بل تتهيب مجرد المرور بجواره، بشكله المهيمن على الميدان الرئيسي في المدينة وهو ميدان ايطاليا، كبيرا مهولا، يمثل قلعة جديدة كبيرة اضافها اباطرة العهد الايطالي بليبيا، الى القلعة القديمة التي بناها اباطرة التاريخ، وجاء بالبو يفتح القلعتين بعضهما على بعض، بجسر يقيمه بينهما، ليربط الماضي بالحاضر، وتراث الامس بانجازات العصر، ليجمع المجد من طرفيه التليد والحديث، فما الذي ستفعله حقا في مثل هذا المكان؟ احسست بالخوف من خطورة المسئولية. لابد ان حورية بالغت كثيرا في وصف مهاراتك للحاكم العام، من اجل ترفيعك من خانة السائق الى خانة الموظف الحكومي، لانها وهي تفكر في الارتباط بك، لا تريد ان ترى زميلاتها السابقات في مستشفى كانيفا يتهامسن بانها تزوجت من سائق. لن يمضي وقت طويل قبل ان يكتشفوا حقيقة مستواك العلمي، وانك لا تملك شهادة ولا تحصيلا عدا الاعوام التي قضيتها في الكتاب، وان حصيلتك من اللغة الايطالية لا تزال ضيئلة جدا خاصة في مضمار القراءة والكتابة، والاولى بك ان تتفادي الفضيحة منذ الان، وترفض الانتقال من العمل الذي تقوم به، فانت سعيد بعملك سائقا مع حورية ولا تريد عملا سواه، ولن تجد راحتك في موقع غيره، قلت لحورية هذا الكلام، ورجوتها ان تصرف النظر عن تعييينك في الوظيفة الجديدة، والابقاء عليك في خدمتها، وقريبا منها، سائقا يلبي كل ما تأمره به. وحورية لا تعطيك جوابا غير الضحك والسخرية مما تقول، لانها لا تصدق ان هناك انسانا يرفض تحسين مستواه المعيشي والوظيفي والانتقال الى مراتب اعلى في الحياة والمجتمع. انها تريدك ان تكون انسان قويا، طموحا، قادرا على ركوب الموجة العالية دون خوف. ولم تكن تخفي، وهي تقول لك هذا الكلام، افتخارها بانها هي التي اضاءت انجم السعد في سمائك، وانها ستظل دائما ترعى مسيرتك وتفتح امامك ابوابا جديدة من ابواب السعادة والنجاح.
ولم تكن تعلم ان زيارة بالبو التي فتحت امامها هذا الباب للنجاح والارتقاء الوظيفي، يمكن ان تفتح امامك ايضا بابا للشر والالم عندما كنت عائدا اثناء الليل الى الفندق،وفوجئت وانت تمر امام زنقة القزدارة والحدادين، التي اقفلت حوانيتها وصارت شديدة الاظلام، ليس فقط بسبب غياب النور وانما بسبب جدرانها السوداء وارضها الاشد سوادا من اثر الدخان والرماد والسخام، بيد تشدك الى الزقاق، وثلاثة رجال لم تستطع ان تتبين في الظلام ملامحهم، يحيطون بك، وقبل ان تتمكن من سؤالهم عما يردون، امسكوا بك والصقوك على الحائط، وتناوبوا على تسديد الصفعات واللكمات اليك ناعتين اياك بالفاشستي الحقير، قائلين ان هذا جزاء من ياتي بالحاكم الايطالي الى المدينة القديمة، ويدخله الى حرم جامع الناقة، وحرم جامع قرجي، ليدنس هذه البقاع المقدسة، وتوافق وانت تطلق صرخات الالم، مرور سيارة شرطة من الطريق الرئيسي، فخاف المهاجمون. تركوك صريعا فوق الارض الموحلة، واختفوا في الظلام.
لم تقف السيار، ولم تبذل انت أي مجهود لملاحقتها بالصراخ حتى تقف، تحاملت على نفسك ووقفت تسند ظهرك الى الحائط، تئن وتتلوى من شدة الالم وقد تلوثت ملابسك بالوحل والرماد. فضلت ان تبقى فترة اطول، فلا تعود الى الفندق الا بعد ان تهدأ الحركة ويمضي جميع اهل الفندق الى النوم، بما في ذلك الكبران وندماؤه.
لم يترك الهجوم آثارا ظاهرة في جسمك عدا تورم بسيط جدا تحت العين اليسرى، ولكنك صحوت في اليوم التال منهكا، تحس بالام الرضوض والكدمات طوال اليوم. ابقيت الباب مغلقا لكي تعطي انطباعا لمن يسأل عنك بانك خارج الفندق، وقضيت نهارا كاملا مع نفسك، ممددا على السرير، غاطسا في سحب الهواجس والاوهام. لن تقيم اعتبارا لهذا الحادث الذي تعرضت له البارحة، لن تبحث عن الفاعلين، او تشكوهم الى الحكومة، لان ذلك سيكون تشهيرا بك، ودعاية تقدمها للمتطرفين الذين ارادوا ايذاءك. لقد رأوا في الزيارة التي قام بها بالبو للمدينة القديمة اعتداء على حرماتهم ومقدساتهم، بينما لم تكن في الحقيقة غير باب من ابواب الرحمة، منحه الله لعدد من البؤساء لكي تنتشلهم تلك الزيارة من بؤسهم، فماالذي اغاضهم واوقد مراجل الغضب في قلوبهم ضدك. من كان غيورا حقا على الوطن، واراد ان يسجل اعتراضه ورفضه، فليعترض ويرفض المبدأ نفسه، مبدأ وجود حاكم اجنبي، وحكومة استعمارية في البلاد، هذا هو الرفض الذي تستطيع ان تفهمه، والذي دفع الناس في زمن مضى لمحاربة الطليان حربا استنزفت قواهم، وقضت على الاخضر واليابس من املاكهم، فالقوا بعد ذلك السلاح يائسين، مستسلمين لمشيئة الاقدار، فاذا ما رآى فصيل من الناس، بعد مضي هذه السنين، انهم استعادوا قوتهم،وصاروا قادرين على استئناف الكفاح، فليكن كفاحا حقيقيا، كالذي شهدته سهول وجبال وسواحل هذا الوطن، على مدى عشرين عاما، يقوم بها رجال يحملون السلاح، ويمتطون صهوات الخيول، ويغيرون على مراكز جيش الغزو ومعسكراته، اما الاغارة على مواطن ليبي لا يملك من امره شيئا، في زقاق مظلم من ازقة المدينة القديمة، واعتبار ذلك جهادا، فهذا هو العته بعينه. والخطأ طبعا خطأك انت، عندما لم تطالب الابقاء على مسدسك معك، بعد ان كلفت بالعمل في مهمة مدنية، لان اطلاقة واحد في الهواء، كانت كفيلة بانزال الرعب في قلوب اولئك الجبناء الاوغاد.
صوت الحاكي يتناهى اليك من الطابق الارضي، كجزء من ضجيج العالم الخارجي الذي تآلفت معه الاذن، فصار مجرد غلاف لهذه الهواجس التي تسيطر على الذهن وتحتل مركز استقطابه واهتمامه، الا ان اغنية واحدة اخترقت حاجز الروتين، واستحوذت على اهتمامك
- عشان ما نعلى ونعلى ونعلى
لازم نطاطي، نطاطي، نطاطي
هناك خطأ في البناء اللغوي للاغنية، فلا يصح ان يكون عدد كلمات نطأطيء موازيا لعدد كلما " نعلى" لانه لا وجود في الحياة لمثل هذا التكافؤ والتكامل بين الركوع والارتفاع، فلكي نعلو مرة، لابد ان ننحني الف مرة. لم تستطع ان تقول شيئا لحورية عن الزواج الذي تتحدث عنه باعتباره من المسلمات، احنيت رأسك وبقيت صامتا في حين كان لديك كلام كثير، وددت ان تقوله لها من منطلق الحب والاحترام، لانك لن تجرؤ اطلاقا على ايذاء مشاعر امرأة عاملتك بكل هذا العطف والحدب والرقة والنعومة، كلام لا يؤذيها وفي ذات الوقت يجنبك التورط في شيء لا تريده ولا ترضاه، وهو ان حياتها تسير في مسار جميل لا يحتاج لاي تعديل ولا تغيير، وما بينها وبين عشيقها الحاكم من ترتيب جميل، لا يجب افساده باية ترتيبات اخرى بديلة، لن تضيف اية سعادة للسعادة المشتركة التي يعبشانها. تقول انها تريد طفلا، الاطفال في تقاليد المجتمع الليبي لا يأتون الا عن طريق الزواج، ولكي تحصل على الطفل، فلابد ان تحصل على الزوج اولا. ليكن ما تريده مشروعا ومعقولا، افلا يمكنها تأجيل الموضوع، طالما هي سعيدة في كنف السيد الحاكم العام لبضعة اعوام، قبل ان تفتح هذا الباب الذي يمكن ان يعصف بكل الاسس التي بنت عليها حياتها في الوقت الراهن، دون ان تعرف ما يأتي به المجهول.
قد توافق انت على عرض الزواج او لا توافق، ليست هذه هي القضية الان، القضية قضيتها هي والحاكم العام، فلنقل انها وجدت رجلا مثلك ينتمي الا دينها ويلبي شروط الشرعية التي تبحث عنها، واتفقت معه على الزواج، فماذا سيكون شأن المارشال؟ هل سيذهب بعيدا ويتركها تتدبر حياتها مع الزوج؟ الن تذهب بذهابه الحياة المترفة التي تعيشها والتي لن يستطيع الزوج تعويضها؟ اذن كيف يمكن ضبط هذه المعادلة؟ لا يمكن ضبطها الا بحل واحد، هو ان يتم الزواج بالرجل الذي يؤمن لها طفلا شرعيا مطابقا للمواصفات التي يريدها المجتمع، دون حاجة الى غياب المارشال، فهو سيبقى حاضرا، وستبقى معه الحياة اللذيذة، هذا هو الحل الامثل الذي يوافق السنيورة حورية، وهو ما يجب ان يقبل به الذي اصطفته للمهمة الجليلة. وهكذا تكون لعبة التوازنات قد حققت غايتها، وجلال الامومة، سيمحو بالتأكيد صورة المرأة التي تحيا رذيلة الحب المحرم، والعلاقة الشرعية مع الزوج، ستكون بالتأكيد غطاء جميلا للعلاقة غير الشرعية مع المارشال.
- عشان ما نعلى ونعلى ونعلى
لازم نطاطي نطاطي نطاطي
هذه الشراكة بين المارشال والزوج في بساتين ثريا الالهية، العامرة باشهي الغلال ذات النكهة الفردوسية، سيترتب عليها بالتأكيد صداقة بين الاثنين، وسيجني من ورائها الزوج مكاسب وصلاحيات وثروات، وسيصدق عليك، لو قبلت بان تكون هذا الزوج، ما تقوله نورية وغيرها من بسطاء الناس، هو انك الرجل الثاني بعد الحاكم العام، على الاقل الرجل الثاني في عالم حورية المضمخ بعبير الفتنة والجمال.
توقف الحاكي عن الغناء، علامة على ان الليل وصل الى منتصفه، ومضى آخر الساهرين الى مضجعه، وبقى المجال لموج البحر وحده، يأتي هديره قويا كأنك تسمعه لاول مرة، مع انه كان دائما موجود، الليلة وفي كل الليالي، بمفرده او مندغما في الاصوات الاخرى، ربما لم تكن تسمعه بهذه القوة والوضوح لانك لا تأتي هنا عادة الا لكي تنام، اما هذه الليلة فقد اختلط فيها الليل بالنهار واختلطت اوقات النوم باوقات اليقظة، ووجدت نفسك في هذه الساعات التي تعقب منتصف الليل، صاحيا تستقبل هذا الهدير الذي انتقل بكل عنفه وقوته من البحر الى رأسك، ومن لغة الموج الصاخب الغامضة، الى لغة تجيد التعبير عن قوة المشاعر في تلاحمها واصطدامها ببعض البعض، ارتفاعا وهبوطا، تسائل نفسها والعالم الذي حولها، وتعيد مناقشة المفاهيم التي طال اجترارها عن الشرف والخسة، الشهامة والنذالة، الخيانة والوطنية، الكذب والصدق، الحق والباطل، المكسب والخسارة، القوة والضعف، والشياطين والملائكة.