إيلاف: الشركة / التحرير | إجعلنا صفحتك الرئيسية | المواضيع الأكثر زيارة | دليل إيلاف | إتصل بنا | Advertise | RSS Feeds
 العدد 3109 الأربعاء 25 نوفمبر 2009 آخر تحديث  GMT 10:28:00 AM

  Facebook
  Delicious
  Stumbleupon
  Digg
  Reddit
إيلاف>> ثقافات>> الفن السابع   
    

خبز المدينة الحلقة الأخيرة (12)

GMT 15:00:00 2006 الإثنين 30 أكتوبر

أحمد إبراهيم الفقيه


الحلقة  الأولى   /   الثانية   /  الثالثة  /  الرابعة /   الخامسة /   السادسة   /   السابعة  /    الثامنة  /   التاسعة  /  العاشرة    /   الحادية عشرة


 احضر ابطال العرض الريف المصري بمشاكله ونماذجه وبيوته الى طرابلس، ووضعوه امامكم فوق خشبة مسرح الهامبرا، حيث ينقسم المجتمع هناك الى باشاوات يملكون الارض والرقاب، وفلاحين معدمين فقراء، يخدمون هؤلاء الاسياد. وداخل هذه الهوة التي يصنعها التفاوت الطبقي، نشأت قصة الحب المستحيل الذي تتحدث عنه المسرحية بين ابن الباشا وفتاة تنتمي الى طبقة الخدم. وكان لابد للقوانين الظالمة الجائرة التي تحكم المجتمع ان تنتصر وتحقق انتقامها من مثل هذا الحب. لقد اثمرت العلاقة الغرامية بين ابن الباشا والخادمة جنينا بدأ يتحرك في بطن العاشقة المسكينة، ولانه من المستحيل ان تترك اسرة الباشا ابنها يتزوج من هذه الخادمة، فكان لابد، درءا للفضيحة من البحث عن ضحية من ابناء الفلاحين المعدمين يرغمونه على الزواج منها. وصكت اذنيك جملة كانت تتكرر في الحوار اثناء رسم المؤامرة والباس الفضيحة
للفتى الفقير هي:
- هذا ما يريده الباشا الكبير.
 وتذكرت تسمية مختار العساس للمارشال بالبو، بالباشا الكبير، ولم يكن صعبا ان ترى بالبو في صو رة هذا الباشا الذي يرسم المؤمرات ويصدر الاوامر فلا يجد الا الطاعة والتسليم بما يقول، وان ترى نفسك في دور هذا الفتى الفقير الذي يريدون امتهان كرامته وتزويجه المرأة التي قام احد ابناء الباشا بثلويتها وانتهاك انسانيتها ويريد ان يبقيها في دور العشيقة بعد ان تتزوج الفلاح التعيس. ووجدت نفسك فجأة تشعر برعشة تهز جسمك هزا عنيفا. لا. لن تكون هذا الفلاح المخدوع، المقموع، ولن تقف موقفه الدليل الحقير. احسست بالغثيان. كانت امعاؤك تتحرك بقوة في جوفك، وتصل الى حلقك، وجاء اللعاب الحامض المر يملأ فمك. تركت الصالة فجأة و خرجت تعدو الى الشارع. اتجهت الى ركن مظلم، ترمي فيه بالقيء الذي يملأ فمك وحلقك ويكتم على انفاسك. احسست بالارتياح وانت تقف قريبا من دار العرض تستعيد انفاسك، وتملأ رئتيك بالهواء شهيقا وزفيرا. اتجهت راجعا الى دار العرض، ودلفت من الباب الرئيسي الى حيث السلالم الموصلة الى الطابق العلوي، لكي تستأنف مشاهدة المسرحية، الا انك بعد ان وضعت قدمك فوق اول العتبات توقفت، واستدرت عائدا. تركت دار العرض وواجهاتها المضيئة، كما تركت ميدان ايطاليا وضجيج دكاكينه وعرباته وسياراته وعدت الى الشوارع المعتمة، الخاوية، والى فندق الكبران، وصعدت الى غرفتك، ودون ان تضيء النور، ارتميت بكامل ملابسك فوق السرير، وطفقت تبكي.
 كنت تعرف ان تلك هي نهاية العلاقة مع حورية.
 وانك قد لا تراها مرة اخرى.
 كنت تتمنى وانت تلتقي بها منذ ساعات قليلة مضت، بعد اسبوعين من الغياب، ان تكون قد تراجعت عن فكرة عقد هذه الصفقة معك، الا انك وجدتها اكثر اصرارا وتصميما، وترى ان العشرة ايام القادمة هي المدى الاقصى الذي يجب ان تتم خلاله الصفقة، ورأت في مجيئك الى بيتها علامة على ان كل شيء بينكما يمضي وفق الخطة المرسومة. كنت وانت تركب معها السيارة تدرك ان الاشياء تصل الى خواتيمها، لانه لم يعدهناك مجال للارجاء والمماطلة، ولم تكن تحتاج الا لذلك الموقف المسرحي، الذي جسد بلغة الدراما ومفرداتها القوية وحمولتها العاطفية البالغة التأثير، حالة تشبه حالتك، تجسيدا حيا، بالممثلين والحوار والديكور، لتعرف ان العلاقة قد وصلت الى نهايتها. لم يكن ممكنا ان تستمر في لعب دور الفتى الساذج الذي لا يفهم ما يدبر له وما يدور حوله، او الحائر الذي يحتاج الى بعض الوقت كي يصل الى اليقين. كنت منذ البداية تعرف ان هذه المهمة ليست لك، وانت لست لها. الا ان ولعك بحورية هو الذي جعلك تمد حبل المماطلة والتسويف الى حده الاقصى، وها قد وصل الحبل الى نهايته، وحانت اللحظة التي تخافها وتخشاها.
 علاقتك بحورية كانت اجمل شيء طرأ على حياتك منذ ان جئت الى هذا الوجود، وما حدث لهذه العلاقة من تطور اوصلها الى تلك اللحظة الحميمة التي منحتك فيها نفسها، كانت ابدع هدية وهبتها لك ملائكة النور والفرح. لقد ارادت حورية ان تذيقك طعم تلك الفراديس، لكي لا تتحرر من سحرها ابدا، وها انت مسحورا بها ماتزال، مفتونا بجمالها السماوي، تفارقها، بينما كل خلية في جسمك، تهتف باسمها، وتتحرق شوقا للالتقاء بذلك الاريج المسكر الذي لم تفارقه الا منذ لحظات مضت، مدركا انك ستحرم منه مدى الدهر.
 واصلت بلا روح ولا حماس، العمل في قسم الشكاوى، الذي بدا واضحا، وخلال فترة غياب الحاكم العام، ان لا احد من اعضاء ادارته، يريد هذا المكتب، او يتحمس لحل مشاكل هؤلاء البؤساء الذين يقصدونه.
 كنت تعرف ان فكرة انشاء المكتب، نبتت في رأس حورية التي وضعتها في رأس المارشال، واذا كانت قد رأت فيها وسيلة لرفع المعاناة عن بعض المواطنين، فان ذلك لم يكن وحده الهدف، لان الهدف الاول والاساسي لديها، كما افهمتك، هو ان تجد لك وظيفة في قصر الحكومة، تسهم في تأهيلك للاقتران بها، ها قد تقوضت هذه الركيزة الرئيسية التي شيد فوقها مكتب الشكاوى، ولم يبق الا ان يتقوض المكتب نفسه، تبعا لذلك، فانسحابك من صالة المسرح، لا يعطي الا تفسيرا واحدا، هو انسحابك من البرنامج الذي عرضته عليك، ورفضك له، الا ان التعبير عن هذا الرفض، جاء تعبيرا سمجا، سقيما، لا يليق استخدامه مع امرأة مثل حورية، لا تعامل الناس جميعا الا بارقى ما يتيحه السلوك الحضاري من ذوق ورقة وتهذيب، ولذلك رأيت ان تكتب لها رسالة اعتذار، الا ان الرسالة، بعد ان فكرت قليلا، وجدتها لا تفيد، لان حورية لن تتمكن من قراءتها، ولن تستطيع في ذات الوقت ان تدع احدا يقرأها لها، خشية افشاء سرها. ربما كان الهاتف هو افضل وسيلة لابلاغها اعتذارك، الا ان الهاتف يحتاج الى قلب شجاع يستطيع ان يواجه حورية ويصارحها بموقفه، وهو قلب لا تملكه، لانك مازلت ضعيفا حيالها، لا يأتي ذكرها، اويمر في خيالك طيفها، الا روادتك رغبة حارقة في البكاء.
 تركت الامور تمضي في روتينها اليومي، دون ان تفعل شيئا سوى قراءة سورة الاخلاص الف مرة، لتحارب بها غول "التابعة" الذي يلاحقك ويفسك عليك حياتك. وتضاءلت الحشود التي جاءت مع بداية فتح المكتب، بسبب وجود الحاكم العام في اجازة، فهم يريدون شكاواهم، ان تصل الى المارشال ليبث فيها، ولم تشأ انت ايضا ان تكون اقل ثقة من الجمهور في سيادته، فاهملت النظر في كل ما يأتيك من اوراق، الى حين عودته سالما من ايطاليا.
 انكفأت على نفسك فلم تتواصل مع احد، ولم تجد لديك رغبة في زيارة من وعدتهم بالزيارة، مثل نورية في سيدي عمران، او الحاج المهدي واسرته في بيتهم الجديد، ولا حتى الذهاب الى وكالة الشوشان لتسقط اخبار الاهل في اولاد الشيخ. اكتفيت بالمشوار الروتيني الى المكتب، دون ان تطيل البقاء فيه، واستقبال بعض من يقصدك من اصحاب الشكاوى في المكتب والفندق، والاستماع الى افكار الكبران الخيالية التي لا يستهدف من ورائها الا تصحيح واصلاح الاوضاع المائلة في حياة الجنس البشري، واقتراحه القديم الذي يقضي بضرورة انقاذ كنوز اطلنطيس، الذي يمثل هاجسا بالنسبة اليه، ما يفتأ يعود اليه بين الفينة والاخرى، وقد اغاظه كثيرا ما قوبل به من اهمال من قبل السلطات العليا، الا ان هذا الاهمال لم يمنعه من تقديم اقتراح جديد، يراه اكثر عملية وجدوى لاهل البلاد، يريد ان يعرضه على حاكم البلاد، لكي يبدأ في تنفيذه فورا ودون اضاعة مزيد من الوقت، وهو تعمير الصحراء واعادتها الى سابق عهدها عندما كانت حقولا وغابات وثروات حيوانية ومائية وارضا صالحة للزراعة والاستثمار. ولكي تريح المخ من مواضيع اخرى تضغط عليه سألته ضاحكا:
- وكيف يتحقق ذلك ان شاء الله.
- المسألة بسيطة جدا، جدا، جدا. وما عليك الا تقديمي لسيادة المارشال بالبو لاشرح له بنفس كيف يبدأ في تحيق هذا الحلم الذي يراود قلوب البشر، جيلا بعد جيل.
- احتاج الامر الى اكثر من عشرين الف عام، لتصبح الصحراء صحرا، فماذا ستفعل لتعيدها الى سابق عهدها في وقت قصير؟
- لن يحتاج الامر الا الى عدد من الات الحفر العملاقة، التي يصنعها الايطاليون في معاملهم، تباشر حفر قنوات من البحر الى عواصم الصحراء، لاستخدامها شبكة مواصلات بحرية، هل رأيت. سنعيد بها تجارة القواقل بشكل عصري حضاري، يوفر السرعة ويضاعف حجم التجارة مئات المرات، ونربط بها اطراف البلاد، ومن ناحية ثانية فان هذه المياه الكثيرة التي تعبر الصحراء سوف تبدأ في تغيير المناخ عندما تمتليء الصحراء بالابخرة التي تصنعها المطر، وفي غضون سنوات قليلة سنشهد جميعا كيف تصير الصحراء جنة باذن الله.
 واثناء ذلك يمكن ان نقيم احواضا في الصحراء لتربية السمك تقضي على المجاعات التي يعاني منها اهل البادية، وإنشاء المراعي التي تروي بمياه البحر لتربية مواشيهم.
- تريد ان تنشئ المراعي والحقول بماء البحر.
ـ ولما لا. قد لا تعلم انه يوجد غابات في اعماق البحر اكبر واعظم من كل الغابات التي تسمع عنها، وبها من الاشجار والنباتات والاعشاب ما يفوق ماهو موجود منها فوق الارض، فهل هذه الغابات تعيش على مياه الامطار، الا تتغذي هي ايضا من مياه البحر، فكيف لا يمكن ا ستنبات مثلها فوق الارض.
- تعرف ان مستوى سطح الارض يرتفع كثيرا عن مستوى سطح البحر، فما العمل؟
- وهل هذه مشكلة؟ مجموعة من طواحين الهواء، مائة،الف، خمسن الف ان شئت، فهي لا تستهلك وقودا ولا تكلف نقودا، ترفع الماء الى مستوى احدى الهضاب المطلة على البحر، لينطلق منها بطريقة انسيابية فلا ترده الا جبال النيجر خارج الحدود.
 كان قد صادر منك الحاكي لاستخدامه في الفندق، مقابل ان يعفيك من دفع اجرة الغرفة لمدة عام، وهو ما يوازي ثمن الحاكي، جديدا. صفقة رابحة بالنسبة لك، خاصة وانت تمر بهذه المرحلة القلقة التي لا يبدو فيها شيئا واضحا ولا توحي بالثقة فيما ستحمله لك الايام، فلا اقل من ان تضمن لنفسك منذ الان، هذه الغرفة، التي تريحك عاما كاملا من هم التفكير في تدبير اجرتها.
 يراك الكبران شاردا، لا تتابع افكاره التي يعتقد اعتقادا جازما بانها تؤسس لواقع جديد سعيد للبشرية جمعاء، فيقول معاتبا:
- ما اقوله كلام علمي، ولكن عقول الليبيين للاسف الشديد تكره العلم والتفكير العلمي، بمن فيهم انت، لانني لا اري حماسا منك لمشروعي الذي سيغير وجه الحياة فوق الارض.
- ومن ادراك اننا نريد تغيير وجه الحياة فوق الارض او تحتها.
- انني لا امزح و اقول لك جادا ان الله خلق الانسان واعطاه العقل، وجعل لهذا العقل ثلاث مناطق في المخ، منطقة في الجزء الخلفي من الرأس مسئولة عن الابتكار وانتاج الافكار، ومنطقة في وسط الرأس مسئولة عن التخطيط الذي يضع الاسس والخطوات اللازمة لتنفيذ هذه الافكار، ومنطقة في مقدمة الرأس مسئولة عن التنفيذ ومباشرة الحياة اليومية. الا ان الله اراح الليبيين من مطقتين عقليتين من هذه المناطق الثلاث، اراحهم من العقل الذي ينتج الافكار، والثاني المعني بالتخطيط، ولم يترك لهم الا ذلك الجزء الذي يباشر الامور عند وقوعها ولا يقوى على فعل شيء سوى ردود الافعال، ولذلك فان الامل ضعيف في ان يصبحوا بشرا كبقية البشر.
- الست انت ايضا احد هؤلاء الليبيين.
- اليك مقياس لا يخيب في اختبار ليبية الليبي، اذا قال لك فكرة جديدة فتأكد ان في تكوينه عنصرا اجنبيا، وانا لست استثناء من هذه القاعدة، الا انني لا ادري الى اي عنصر اجنبي انتمي.
-ـ انت تهاجم الليبيين لانهم لا يؤمنون بافكارك الخيالية.
- رغم احترامي للخيال الا ان ما اقوله ليس خيالا وانما مشاريع مكتملة تنتظر التنفيذ.
 وبدأ اعضاء شلته يهلون واحدا بعد الاخر. قال الذي جاء اولهم وسمع جزءا من الحوار:
- لا نريد هذه الافكار مهما كانت عظيمة لانه لن يستفيد من تعمير الصحراء الا الطليان.
 وطالب صديق ثان بسماع صوت الحاكي، فهو وحده الذي يقول كلاما اجمل من كل ما نقوله من كلام، ثم بادر الى وضع الاسطوانة في الجهاز، فانطلق صوت الانسة ام كلثوم ينشر المرح وايشذو بجمال الموسيقى والغناء:
- على وطني المحبوب وديني.
 فارتفعت اصوات الحاضرين تردد مع المطربة مقاطع الغناء، بينما عدت انت الى التهويم في عوالمك الخاصة، تمارس لعبة الترقب والتوجس لما ستأتي به الايام، مستفيدا من هذه الميزة التي وهبها الله لكائناته من الليبيين، كما يقول الكبران، عندما اراحهم من عناء التخطيط وابتداع الافكار، وجعلهم يتصرفون وفق ما تأتي به الاحداث والايام، مدركا بطبيعة الحال ان الاحداث لن تمضي في مسارها المألوف، وان هناك وقائع جديدة مرشحة للظهور في حياتك عليك ان تهيء نفسك لاستقبالها.
 ولم تتأخر هذه الوقائع كثيرا، فبعد ايام قليلة من عودة الحاكم من اجازته، واثناء وجودك في المكتب، تباشر اعداد التقارير عن الحالات التي سترفع اليه، وقف امام بابك رجل ضخم الجسم، يرتدي البذلة العربية الكاملة، بالصديري والعباءة البيضاء والطاقية الحمراء التي يتدلى منها زر الحرير الزرق، وفوق العباءة وضع برنسا فاخرا، زيتي اللون، رغم ان الطقس لم يكن يستدعي وجودالبرنس، الا انه لزوم الوجاهة والابهة، وفي يده عصا من الخشب البني اللامع وسبحة من الكهرمان وخاتم بفص كبير يلمع في احد اصابع يده، وقد ظهرت له لحية اختلط بياضها بسوادها، زادته مهابة ووقارا، وقبل ان تقف لاستقباله وسؤاله عن الخدمة التي يريدها منك، انطلق رجل ضئيل الحجم، مسحوب الوجه كالجرد، يرتدي بذلة افرنجية شهباء كثيرة التجاعيد، يسبقه لدخول المكتب، قائلا بصوت اشبه بالصراخ:
- الكومندان بشير بيك الغرياني.
 دخل الرجل المهيب الى المكتب مختالا، ووقف يدير بصره في جدرانه الاربعة، ودون ان يلقي التحية خاطبك بلهجة تحمل معاني الدونية والازدراء:
- هل انت من يسمونه عثمان الشويخ؟
 لم تدر كيف تجيبه، فآثرت السكوت. لم يكن اسم الرجل غريبا على مسامعك، فهو احد كبار الاعيان ممن تربطهم بالادارة الايطالية علاقة شديدة الخصوصية.
- ما الذي تفعله هنا؟
 القى في وجهك بهذا السؤال الذي كان من حقك انت ان تتوجه به اليه، الا انك كتمت غيظك، واضعا في الاعتبار فارق السن بينك وبينه.
- اعمل هنا في مكتب شكاوى المواطنين.
- منذ متى تعمل في هذا المكتب؟
- منذ شهر وبضعة ايام.
- واين كانت الشكاوى واين كان المواطنون قبل هذا الشهر؟ هل ظهروا فجأة من تحت الارض، ام ان هناك قصرا هو قصري في الشارع الغربي،
ظل على مدى الاعوام يستقبلهم ويحل مشاكلهم.
 ودون أي اثر للانفعال، وبلهجة هادئة، باردة، قلت له:
-ـ سيادتكم تعلمون جيدا بانني لم اقم بتعيين نفسي في هذا المكان، ولم افتح قصر الحكومة عنوة وافتح فيه مكتبا اديره لحسابي الخاص، وان هناك مسئولا في هذا القصر يمكن لمن لا يعجبه الحال ان يتفاهم معه.
 فقال مغضبا:
- لقد تفاهمت معه وانتهى الامر. سيتولى فوزي الجلوس في هذا المكتب واحالة ما يرد من شكاوى وعرائض لي، لاتولى النظر فيها، لانني ادرى بشئون الاهالي من الحاكم العام نفسه. ورأفة بك سابقيك تعمل بالمكتب، شرط ان تلتزم بالتعليمات التي يصدرها لك فوزي.
- انني لا اتلقى اوامري منك ولا من تابعك فوزي، وانما من المسئولين في هذا القصر.
 كنت تريد ان تطرده من المكتب هو الجرد الصغير الذي معه، الا انك تعلم على وجه اليقين ان الرجل مدفوع من جهة ما لكي يتصرف بهذا الاسلوب، ويقول هذا الكلام، فهو لا يتكلم من فراغ، ولاشك ان اية معركة تفتحها معه ستخرج منها خاسرا، فلا ضرورة لاعطائه نصرا رخيصا. تركت له المكتب وذهبت الى رئيس القلم الاداري، تقتحم عليه مكتبه، وتسأله في لهجة حانقة ان يحميك من تسلط رجل جاهل لا يعرف الاصول ولا يحترم قرارات الحاكم العام ولا يعطي لهذا المكان حرمته، اسمه بشير الغرياني.
 خرج الرجل من رواء مكتبه، يحذف جسمه نحو الشمال ثم اليمين، يسأك ان تهدأ، وتريح اعصابك، وامسك بيدك يقودك للجلوس على المقعد، ويطلب لك مشروبا باردا:
- ليبيا كلها تعرف عصبية بشير بيك. الا انه رجل ابيض القلب، فلا تغضب منه، واعتبر كلامه لك، كلام اب يخاطب ابنه. فهو ساخط ثائر، لان الحاكم العام انشأ مكتبا للشكاوى دون علمه، وهو الذي كان يتولى، وبشكل غير رسمي، استقبال شكاوى المواطنين الليبيين، ولكي لا يجعل الموضوع قضية خلافية، اقترح عليه الحاكم العام ان يزورك ويتفاهم معك على كيفية ادارة المكتب تحت اشرافه. هذا كل شيء. فاترك الامر معى لمدة يومين فقط، وسأعرف خلالهما، كيف ارتب الامور، بحيت تستمر انت في عملك بالمكتب، دون تدخل من أحد، واتولى انا احالة الشكاوى التي تحتاج الى رأي بشير بيك، اليه في قصره.
 تركت المكتب والشكاوى والبيك والتابع الجرد وقصر الحكومة والكاتب الاعرج وخرجت الى الشارع يلاحقك الوجه الممسوخ لوحش " التابعة"بعينيه الحاقدتين الناريتين. ما حدث ليس معزولا عن سياقه العام، والوعد الذي اعطاه لك رئيس القلم، باستمرارك في عمل المكتب، مجرد تهدئة لخاطرك، فالطريق صار مسدودا امامك نحو القصر الحكومي، بمثل ما اضحى مسدودا امامك نحو بيت حورية، وما هذا الا الاعصار الذي سيعصف بكل ما اسست عليه حياتك في هذه المدينة. لقد حقق غول " التابعة " انتصاره عليك، واطبق حصاره حولك رغم كل ما قرأته من سورة الاخلاص، لان غول التابعة لا يعمل وحده، وانما له جيش من الانصار والمريدين، يتشرون في اصقاع الدنيا، ويسدون امامك كل المنافذ والطرقات. لم تعد تدري الى اين تتجه، وماذا تفعل بنفسك، او تتصرف بوقتك، فلم يبق لك الا الغرفة الرطبة في فندق الكبران، تعود اليها دون ان تدري ماذا يمكن ان تفعل بداخلها، وتتركها فلا تدري ماذا تفعل خارجها، ورأيت بعد مرور يومين من الدوران في الفراغ، ان تذهب الى السنيور كالفي في القلم الاداري، تسأله عما حدث، فوجدته يطلب مهلة اخرى، ويطمئنك بان مرتبك سيصرف كاملا، كما لو كنت منتظما في العمل. كتبت له ورقة باخذ اجازة طارئة لمدة اسبوع واحد، لكي لا يعتبر الكومندان غيابك امتناعا عن العمل، ويستصدر من الحاكم العام قرارا بطردك. استمر اصحاب الشكاوى يترددون على الفندق بشكاواهم، ولم تجد بدا من استلامها منهم والابقاء عليها في غرفتك، دون ان تعبأ بقراءتها او اجراء مقابلات مع اصحابها، كما كنت تفعل سابقا. وبعد يومين انصرفوا جميعا عنك، فقد جاء من طرف الكومندان من يبلغهم بان علاقتك بمكتب الشكاوى قد انتهت. وعندما رآك الكبران تتأخر في مغادرة الفندق صباحا، وتتخذ، عندما تغادره، اتجاها غير طريق العمل احيانا، وعرف انك في اجازة من مكتب الشكاوي، تقضيها متسكعا على الشاطيء، ربط بين هذه الاجازة وبين مشروع الشاطيء السياحي لمدينة طرابلس الذي تتحدث عنه الصحف ويتناقل الناس اخباره، وبشكل خاص الجزء الواقع غرب الميناء الذي مازال مهملا مهجورا رغم جماله، والذي رآك الكبران اكثر من مرة تتجه اليه، فذهب في يقينه ان الحاكم العام، بما يعرفه عنك من اهتمام وارتباط بهذه المنطقة، قد عهد اليك اختيار الاماكن التي ستقام عليها المنشآت السياحية الجديدة، ولديه فكرة، ستجعل من مشروع الشاطيء السياحي لطرابلس، اسطورة من اساطير العصر الحديث، وهي انشاء فندق في قلب البحر، والامر، كما يقول الكبران، لا يكلف كثيرا، لان برج ابو ليلة الذي ينتصب فوق هضبة داخل البحر موجود، والجسر الصخري الذي يقود اليه جاهز من صنع الطبيعة، كل ما يحتاجه الامر هو وضع خطة هندسية لتطوير ذلك البناء وتحديثه واضافة طوابق جديدة فوقه وتشييد مرافق تابعة له، داخل الماء، أي بناء مقهى ومنتدي على شكل غواصة لها نوافذ زجاجية، حيث يجلس الزبائن، بين الاسماك والشعب المرجانية والاحياء المائية، وسيكون لهذا الفندق جاذبية سياحية اكثر من الريفييرا الايطالية.
قلت ضاحكا مرددا مطلع الا غنية التي سمعتها من الحاكي:
- يبدو انك وقعت تحت تاثير هذا الحاكي وبالذات الاغنية التي تقول " في البحر لم فتكم، في البر فتوني ".
- لا وانت الصادق، المقطع الاهم هو الذي يقول " بالتبر لم بعتكم، بالتبن بعتوني " لان هذا مصير ما اقوله لكم من افكار تساوي ثمنها ذهبا. قل لي بذمتك، اليست هذه فكرة عظيمة، لا تحتاج الا الى رجل عظيم مثل بالبو لكي ينفذها.
 رجل طيب هذا الكبران، الذي لم يفقد ثقته فيك حتى وهو يراك مشردا، تتسكع قرب برج ابو ليلة ومقبرة اليهود المهجورة. هل تنهزم وتترك ميدان المعركة هاربا امام هذا الكومندان، الذي لا تدري من أي ثقب في الارض خرج لك كما تخرج الثعابين. ام تذهب، وتصارع وتحاول ان تأخذ حقك وتستعيد موقعك، حتى وان لم تحقق نتيجة لنفسك، فيكفي ان تكون مصدر قلق وازعاج له، واذا كان المثل الليبي يقول بان الذبابة لا تقتل وانما تثير القرف والتقزز، فمهمتك ان تقوم بدور هذه الذبابة التي لا تقتل الكومندان وانما تخلق له من القرف والازعاج ما يجعله يكره اليوم الذي فكر فيه ان يقتحم ذلك المكتب هو وجربوعه فوزي.
 تذكرت بان لديك ارتباطا باقوى مؤسسة في الادارة الاستعمارية، هي الحزب الفاشي. هذا الحزب الذي استلمت بطاقة عضويته من الحاكم العام نفسه، والذي لم تذهب اليه منذ ذلك اليوم ولم تنتظم في حضور برامجه ولم تحصل على شيء من امتيازته غير البطاقة والقميص الاسود. يجب ان تذهب اليه حالا، وتبحث لديه عن العون الذي تحتاجه في معركتك مع الكومندان، والتعبير الذي يقول بان من يعضك يفكرك باسنانك، ينطبق على حالتك تماما، اذ ما الذي فعله الكومندان ان لم يكن عضا ونشبا لانيابه في لحمك، وما الذي يمثله الحزب الفاشي ان يلم يكن اسنانا قادرة على ان تبادل العض بعض اكثر قوة والما، وما فائدة هذه البطاقة ان لم تأت لعونك في هذه الايام العصيبة.
 تهيأت للذهاب الى المقر الرئيسي للحزب بان حلقت رأسك لدى حلاق ايطالي، حلاقة حديثة، استخدم فيها اداة لكي الشعر وتصفيفه حسب الموضة، وحلقت وجهك ووضعت فوقه نوعا فاخرا من ماء الكولونيا له عبير الياسمين، وارتديت القميص الاسود، والبنطلون الابيض، ووضعت في يدك صحيفة " الكورييري ديلا سيرا" الايطالية التي تزين صفحتها الاولى صورة الدوتشي، لكي تبدو في صورة العضو المتابع للاحداث، ومع الساعة السادسة كنت في المعرض التجاري حيث مقر الحزب. وجدت انهم اعفوك فعلا من برنامج التدريب العسكري واللياقة البدنية، باعتبارك عسكريا محترفا، عدا ذلك، فانت مطالب بمباشرة كل المهام التي يباشرها بقية الاعضاء، واهمها حضور برامج التوعية السياسية، واعمال المناوبة الدورية في المكتب، والحراسات التي لا تزيد عن يوم واحد في الشهر، وكانوا على وشك الدخول لحصة الدرس السياسي، فوجدت نفسك مجبرا على الحضور، حيث دخلت مع حشد كبير من لابسي القمصان السوداء، الى صالة واسعة وجلستم قبالة شاشة كبيرة اعدت لعرض الافلام، وادرت بصرك شمالا ويمينا، فتطلعت الى هذا التنافر الشديد بين القمصان ولابسيها، فاغلبهم ليبيون من ذوي البشرة السمراء، واحيانا الداكنة الى حد السواد، ممن لا يناسبهم ارتداء هذا اللون، وهو ما يؤكد ان مؤسسي هذا الحزب، لم يكونوا يضعون في حسابهم واعتبارهم ان بشرا سمر الوجدوه سوف يرتدون قميصهم الذي اعدوه على مقاسهم ومقاس بني جنسهم من اصحاب الوجوه الحمراء. اطفئت الاضواء، ليبقى فقط شعاع الضوء الصادر عن آلة العرض، الموجودة في وسط الصالة والتي تصدر ازيزا كريها مزعجا، وقد سلطت ضوءها على الشاشة فظهر الدوتشي وهو يقف في شرفة عالية وامامه حشد جماهيري كبير، يهتف باسمه بشكل هستيري، قبل ان يبدأ في القاء خطبته، وقد اختلط صوته بازبز الة العرض، فجاء مشوها ممسوخا، وهو يهدد القوى المعادية للزحف الفاشي، قائلا، بان القوة الكاسحة لايطاليا ستهزم شرادم العصاة وتجار الرقيق في اثيوبيا، كما ستساهم في صناعة النصر على القوات الجمهورية العميلة في اسبانيا، من اجل قيم العمل والنظام والاتحاد في شبه جزيرة ايبيريا وتطهيرها من البلاشفة والمخربين. واشارة الى ليبيا اشارة عابرة، ذاكرا قصة الانتصار الكاسح للفاشية فوق هذه الارض التي تنعم بخيرات الاستعمار الايطالي.
 استمر الخطاب اكثر من ساعتين، تم خلالها تغيير خمس بكرات من الاشرطة، وكان قد اصابك الملل منذ البكرة الاولى، وقاومت النوم طوال الوقت خوف ان يلحظ نومك احد الفاشست المتحمسين للدوتشي ويشي بك للادارة، وانت لست بحاجة الى مزيد من التعقيد، وما ان انتهى الخطاب واضيئت انوار الصالة، وبدأ الناس يخرجون، حتى وضعت جسمك بين المتزاحمين على الابواب وخرجت.
 جئت الى مقر الحزب، هاربا من احساسك بالضيق والغبن، تبحث لديه عن نجدة ترفع عنك الحصار، فاذا بك لا تزداد الا حصارا وضيقا، ويتوافق مجيئك مع خطاب الدوتشي، لتجد ان الزعيم الايطالي نفسه، ينضم الى غيلان التابعة التي تلاحقك، ويجثم ببدنه العريض المديد، على صدرك حتى يصيبك الاختناق، ولا تصدق، عندما ينتهي الفلم وتضاء الصالة، انك نجوت من كوابيسه الكريهة، فتركض هاربا الى الشارع، موقناان الحزب ليس لديه ما يقدمه لك، غير مزيد من الاذلال، خاصة بعد ان عرفت من قراءة احدى الاوراق ان عدد الاعضاء وصل الىعشرة الاف عضو، يزدادون كل يوم، في طول البلاد وعرضها، بحيث لن يمضي عام واحد، حتى يصل عددهم الى عشرين الفا، فاي موقع متميز يمكن ان تصل اليه، او يصل اليك، وسط هذا الزحام من اصحاب القمصان السوداء، والوجوه الاكثر سوادا، الطامعين مثلك في الجاه والسلطان. ولا تدري لماذا وانت تجر معك حصاد الخيبة من هذه الزيارة لحزب السلطة، تذكرت نورية. ماذا لو ذهبت اليها الان؟ لقد تأخر الليل قليلا، فالساعة توشك على بلوغ العاشرة، الا انك واثق من انها سترحب بك في كل الاوقات، بل ستجد في حضورك، وانت بهذه الملابس السلطوية فرصة للتباهي بك امام صاحباتها. خوضت عبر الحواري المظلمة، حتى وصلت الى بيتها. الحي الصاخب الذي يسهر حتى منتصف الليل، صار صامتا، مظلما، بعد انتقال بيوت الدعارة الرسمية الى منطقة المعرض التجاري وشوارع دانتي وفرجيل وداننزيو وماتزيني وغيرهم من شعراء الحب الذين سيطربون لصحبة هذه الباقة من بنات الهوى.
 كان البيت غارقا في الصمت والظلام. طرقت الباب فلم يفتح احد. وطرقته مرة ثانية وثالثة ورابعة، باكثر قوة والحاح، دون جدوى. لعل زبونا غاضبا، لم ياخذ من حظه ما يرضيه، وشى بنساء هذا البيت الى الشرطة، فجاءت تأخذهن الى السجن بتهمة ممارسة الدعارة دون ترخيص. فالاعتراض ليس على المبدأ ولكن على الاسلوب، لان الحكومة لا تحب ان يشتغل الناس من وراء ظهرها حتى في مجال بيع الجنس. كما لا تحب لمن يجني نقودا ان يستفرد بها، فلا يدفع لها حصتها ضرائبا ورسوما.
 تأبي الظروف هذا المساء الا ان تناكفك. حتى سيدة الاوقات الطيبة، التي تعودت ان تشتري منها ساعة للترفيه والتسلية، اوصدت بابها دونك. لم يبق امامك الا العودة المؤسفة الى الغرفة التي تسبح في العتمة والرطوبة واملاح البحر. وتذكرت بعد ان مشيت بضع خطوات في اتجاه الفندق، الملهى الشرقي بسوق المشير الذي يبقى ساهرا حتى ساعة متأخرة من الليل، والذي يمكن ان تجد لدى مطربيه وموسيقييه ما يبدد احاسيس الكدر والضيق. الا ان هناك مشكلة تواجهك هي هذه الملابس التي ترتديها، والتي لا تدري ان كان مسموحا بارتيادها في مثل هذه الاماكن، ومن ناحية اخرى، فان الطريق الى الملهي يمر بمناطق كوشة الصفار وقوس الصرارعي، وقد يثير منظرك بهذه الملابس مشاعر المتعصبين من شباب هذه الاحياء فيتعرضون لك بالاذى، ولذلك قررت العدول عن الذهاب الى الملهى والعودة الى الفندق عبر حارة اليهود التي بدأ اهلها يقفلون دكاكينهم ويأوون الى بيوتهم. تجاوزت الحارة، وسلكت سبيلا امنا، هادئا، يصعد الى هضبة باب البحر، حيث وقفت هناك ترقب موج البحر، وتستنشق انسامه المشبعة برائحة نفاذة لها نكهة رحيق الشيح، تلك النبة التي يتطبب بها اهلك في اولاد الشيخ ويتبركون بزيتها. رائحة لا تجدها الا في هذا الجزء من البحر، المحادي للمدينة القديمة، ربما لانها منطقة جبلية، غنية بالاعشاب والنباتات البحرية والخلجان التي تنبت فيها الاشجار كالادغال، والتي منها جاءت لاشك هذه الرائحة الزكية التي يستقبلها جسمك كله بنشوة بالغة، لانها تذكره بنكهة البراري والارياف التي ينتمي اليها. كانت الانسام تضرب وجهك باردة منعشة، وفي البعيد ظهرت اضواء سفن بعيدة، تغطيها غلالة شفافة من الابخرة التي يصنعها البحر، وفوقها بدر اكثر شحوبا وشاعرية، بينما كانت الامواج التي تصطدم بصخور الشاطيء تصنع صخبا لذيذا وتسهم في صياغة هذه المعزوفة التي تعزفها كائنات الليل والبحر.
 اخذت طريقك هابطا الى الشاطيء، الى ان وصلت تل الصخور الذي يواجه برج ابو ليلة، فجلست هناك، امامك البحر، وفوق رأسك النجوم، ومن حولك الكون ينعم بلحظة سلام وسكينة لا يجرحها الا صوت الموج عند ارتطامه بالشاطيء، صانعا اشجارا من الماء، يصلك منها رذاذ خفيف منعش.
 تضاءلت معارك النهار واحباطاته وتبددت سحب الضيق التي كانت تملأ صدرك، واحسست بجو السلام والسكون والامان الذي حولك يتسلل الى وجدانك، فقررت ان تبقى حيث انت، لكي تنعم ولاطول فترة ممكنة بهذا الجو الذي ينعش الروح ويغسل القلب من ادرانه، ويمنح الانسان احساسا بالراحة والهناء والاكتفاء، كانه استوفي كل احتياجاته من الحياة فلا يريد من احد شيئا. بقيت جالسا حتى شعشع ضوء الفجر، فانطلقت الىجامع قرجي، الذي تفضله عن كل اماكن العبادة الاخرى في طرابلس، وكان قريبا، فتوضأت وصليت الفجر دون انتظار الجماعة كي لا ترى احدا ينظر بازدراء لملابس الحزب الفاشي التي ترتديها. وعدت الى غرفتك لتنام، وقد امتلأت بفكرة انك لا تريد من الناس شيئا، ولا يملك احدهم لك ضرا ولا نفعا، ولا تطلب من احدهم خدمة ولا فضلا، فالله وحده واهب الملك، يعطي من يشاء بغير حساب، ويحجب فضله ونعمته عمن يشاء.
 ورأيت ان الانسان الوحيد الجدير بان تزوره، وتنعم ببركاته هو الشيخ البلبال، رجل يتعامل مع عالم الروح، لا مع دنيا المنافع والمطامع، والاغراءات المادية، التي وقعت اسيرا لها، وركضت وراء سرابها فكنت كالقابض على الريح، فالى هذا الشيخ يجب ان تتجه، ان رمت تطهرا وتوبة وعلاجا لاسقام الروح وخلاصا من اعباء الماضي.
 وما ان صحوت واغتسلت وتناولت افطارك من خبز وشاي وجبن، حتى توكلت على الله متجها الى بيت الشيخ البلبال في زنقة شايب العين، قريبا من ميدان الساعة. هبطت السلالم ويممت صوب باب الفندق فاذا الشيخ البلبال يجتاز العتبة داخلا، فلم تزد على ان قلت لحظة ان رأيته، والدهشة كادت ان تعقد لسانك لهذه المصادفة الغريبة:
- كنت في الطريق الى زيارتك يا مولانا.
- جئت الى هنا، لاعفيك من عناء مشوار لا طائل من ورائه.
- لماذا تحرمني من عونك يا مولانا.
- لانك لن تجد العون لدى احد غيرك انت.
- الا تتكرم وتتلطف وتجود علي بكلمة انتفع بها.
- كم مضى من الوقت لم تزر والديك، الا تعلم ان رضاهما من رضوان الله.
 اعطاك الكلمة التي طالبته بان يجود بها عليك، واختفى، في حين رجعت انت صاعدا الدرج الى غرفتك، ودون ابطاء وضعت في شنطة الكتان ما تحتاجه اثناء السفر الى القرية من اغراض، وانطلقت الى وكالة الشوشان، تبحث عن سيارة متجهة الى اولاد الشيخ.
 كانت اخبار الحظوة التي تتمتع بها لدى الحاكم الايطالي قد جعلت منك واحدا من اصحاب الجاه والسلطان في اعين ابناء البلدة، وما ان سمعوا بوصولك حتى توافدوا على بيت والدك حيث اقمت، لاستقبالك وتهنئتك بما وصلت اليه، ولم يتوان والدك في تأكيد هذه الوجاهة، فنحر كبشا على شرف قدومك، يطعم به هؤلاء الضيوف، وكان خلال الايام الماضية قد استثمر هذه السمعة، فصنع لنفسه مكانة بين اكابر القرية، حتى اصبح بيته مكانا يقصده هؤلاء الاكابر لمشاركته في تصريف امور البلدة والاستعانة به في اجراء الاتصالات مع الحكومة، وهو الذي كان قبل ذلك مجرد رجل بسيط من عامة الناس، يقبع في دكانته يبيع العلك للاطفال والشموع والقناديل لزائري القبور، لا صلة له باكابر القرية وشيوخها ولا يدرون بوجوده في الدنيا.
 وجاء منذ اللحظة الاولى لوصولك، من يحمل لك العرائض والشكاوى، يريد حلا على يديك، وكنت تريد ان تشرح لهم انه لم يعد لك صلة بالمكتب الذي يتولى هذه الامور، لانك تركته لمشرفين آخرين، وعدت عسكريا في جيش الطليان. الا ان والدك، منعك من الخروج اليهم، ومصارحتهم بمثل هذا الكلام الذي يراه سابقا لاوانه، فانت مازلت لم تترك رسميا مكتب الشكاوى، ولو تركته فان هذا لن يلغي صلتك الوثيقة بالحاكم العام التي يعرفها اهل القرية ويفخرون بها، وعندما ترفض استلام شكاواهم، فانت بذلك ترفض خدمتهم، وتكسر خاطرهم، وتجلب السمعة لنفسك واهل بيتك. وهكذا كان هو الذي يخرج اليهم ويستلم منهم شكاواهم وعرائضهم، ولا يتردد في وعدهم بالنتائج السريعة التي سيوافيهم بها ابنه وما سيبذله من سعي لتحقيق مطالبهم، كما جاء الشيوخ والمدراء برسائلهم ومذكراتهم الرسمية المرفوعة الى الحاكم العام، يطلبون فيها ان يشمل قريتهم بعين الرعاية والرضا وان يساعدهم في التغلب على الفقر والبطالة بالموافقة على عدد من المشاريع التي تاخر تنفيذها مثل تعبيد الطريق الموصل لعاصمة الاقليم وبناء المستوصف الجديد وحفر بئر جديدة للشرب تنقذ اهل البلاد من شرب المياه الجيرية الموجودة في البئر القديمة، فاخذها منهم الاب مع التأكيد على استعداد ابنه لاقناع صديقه الحاكم العام بتلبية هذه المطالب، فلا خير في صاحب المسئولية والنفوذ اذا لم يذهب خيره لاهل بلدته قبل كل الناس.
 جئت الى اولاد الشيخ هاربا من المدينة، تنشد فيها السكينة والسلام، بعيدا عن الاجواء التي اصابتك بتعب البدن والروح، فاذا بتلك الاجواء تسبقك اليها، وتقضي على ما كنت تجده من الفة وعفوية عند لقائك مع اهلك وذويك في هذه البئية الريفية القروية الخالية من تعقيدات المدينة وعلاقاتها القائمة على المنفعة وتبادل المصالح، فاذا بك تجد هذه المصالح تدخل في اكثر العلاقات حميمية وخصوصية مثل علاقتك بوالدك، الذي سد اذنيه واقفل قلبه وعقله عن سماع ما كنت تقوله له، بان هذه الاخبار السارية عن علاقتك بالحاكم العام، مجرد شائعات لا اساس لها، وان العمل في مكتب الشكاوى تولاه اناس آخرون، وان ذلك لا يغير من حقيقة انك بخير وعافية، ولك رتبة في الجيش تضمن لك راتبا يكفي حاجاتك ويفيض بما يمكن ان يساعد به اخوته من حين لاخر، فما ضرورة الادعاء بامتلاك ما ليس لنا، الا انه ظل متشبتا بهذه الاوهام التي جعل منها بديلا للواقع، فلم يعد قادرا على مواجهة الحقيقة. ذهبت تنقل بعض همومك الى امك، قائلا لها، بلغة بسيطة تناسب مداركها كل ما قلته لابيك، مضيفا اليه انك لا تدري كيف تعالح الامر مع والدك، الذي صار الان يقدم الفتوى لاهل القرية ويمني اصحاب الشكاوى بالاماني الجميلة، وينسب لك قوة ونفوذا لا اساس لهما في الواقع. فلم ترد عليك الا بالبكاء، لان كل ما لديها هو الدموع، تعبر بها عن حالات الفرح والحزن، والرفض والاستجابة، والاحتجاج والرضا، والوداع والاستقبال، وعندما سألتها لماذا كل هذه الدموع، قالت بانها دموع الفرح للمكانة العالية التي وصلها ابنها في الحكومة، والتي جعلته كبيرا في اعين اهل البلدة، وانك مهما اسرفت في الانتقاص من قيمتك تواضعا ونكرانا للذات، فان الناس الذين يعرفون قدرك، ورأوا عن قرب ما بلغته من مكانة عالية بين اهل المدينة، لا يستطيعون انكار شهادتهم، فقد جاءوا يبشرون اهل القرية ويهنئون اسرتك، وكان اول المبشرين والمهنئين قريب العائلة المقيم في المدينة عبد المولى، الذي يلهج دائما بالثناء عليك لما اصابه من خير على يديك، وما قدمته من احسان للبؤساء والمساكين في طرابلس وما بلغته من شأن عظيم في الحكومة، وصداقة مع الحاكم العام، وكلام كثير آخر لا يعني الا انها لا تصدق كلمة واحدة مما قلته لها، فالحقيقة ليس ما تقوله انت عن نفسك، وانما ما يقوله الاخرون من شائعات عنك، وهي تريدك الان وبعد ما اسديته من خدمات للاغراب، ان تلتفت لاخوتك، فهم اولى بالمعروف من سواهم، وان تساعدهم في الحصول على منح وهبات من الحكومة ومرتبات حتى وهم دون سن العمل والوظيفة، ولم تجد فائدة من تكرار الحديث عن مكانتك المتواضعة التي لا تسمح بهذا الترف الذي تطلبه، فقد بدا لك ان المنبت المتواضع الفقير لاسرتك، سواء من ناحية الاب او الام، هو الذي ساعد على تشبت افراد العائلة بهذا الوهم، لانهم ما ان لمحوا كوة في سقف عالم الفقر الذي يعيشون تحته، حتى احسوا بان السماء اخيرا انتبهت الى وجودهم، وقررت فتح خزائنها لمنحم شيئا من حقوقهم، التي حرمتهم منها وحجبتها عنهم لدهور طويلة، ولم يكن سهلا اقناعهم ان تلك الكوة لم تكن الا كذبا، وان جدران الفقر والعوز ستظل تحاصرهم وتطبق على صدورهم دون هواده ولا هدنه، وان انصاف السماء وعدالتها، سوف يتأخران لبضعة اجيال اخرى. اكتفيت بان قلت لها بان اخوتك من امك او من ابيك مازالوا صغارا لم يبلغوا سن العمل والوظيفة، وان المساعدة الوحيدة التي يحتاجونها، ليست في يدك وانما في ايدي الاسرة باولاد الشيخ التي يجب الا تمنعهم من الالتحاق بالمدرسة الايطالية، باعتبار ان التعليم هو افضل ضمانة للمستقبل، وقلت نفس الكلام لابيك عندما جاء هو الاخر على ذكر اخوتك ومستقبلهم، كما فعلت امك، وكأنهما رغم انفصالهما، الذي مر عليه عقد ونصف من السنين، يتمتعان بتواصل الافكار وتماثلها.
 كنت متلهفا للهروب من هذه الاجواء الخيالية التي احاطك بها الاهل، عائدا للاحتماء بغرفتك في فندق الكبران، قبل ان يأتي من يعري الاكذوبة ويكشف للناس حقيقة امرك، الا ان الاسرة الكبيرة التي تضم اسرة ابيك واسرة امك، اتفق رجالها الكبار، على اقامة وليمة يحضرها كل الاهل، فرضخت لما طلبوه منك، وجلست بين الاعمام والعمات، والاخوال والخالات، تسمع الى منطق الاهل الذين يتحدثون عن زواجك القادم، الذي خططوا له دون علمك، ووصل الامر الى اختيار العروس، ولم يبق الا كتب الكتاب وتعلية الجواب:
- لابد ان تعرف ان قبيلة المساعيد، هي اكبر قبائل القبلة، وشيخها الحاج اسعد هو اكبر شيوخ المنطقة واكثرةهم قوة وثروة وعزوة، والتصاهر مع هذه القبيلة سيضمن لاهلك في اولاد الشيخ سندا قويا يحتاجون اليه في اوقات الشدة والحاج اسعد يرحب ويتمني ان يجد لابنته شهلة، عريسا مثلك ……
 وقبل ان يكملوا كلامهم، اعتذرت لان موعد سفرك قد حان، وان لديك مشاغل ومهمات تمنعك من الزواج الان واخذت حقيبتك وغادرت البيت.
 لم تكن على علم بوجود سيارة في طريقها الى طرابلس، الا انك اردت مغادرة البلدة باي وسيلة، فاندفعت ماشيا عبر الطريق الرئيسي المؤدي الى المدينة، برجاء مرور اية سيارة شحن تنقلك فوق بضائعها، وجاء بعض افراد الاسرة يركضون وراءك، يرجون عودتك، فلم تعرهم انتباها. مشيت مسافة ميلين او ثلاثة اميال، قبل ان تأتي سيارة تفتيش عسكرية، عائدة من احدى نقاط المراقبة الصحراوية، فاوقفت سائقها واريته بطاقتك العسكرية، وركبت بجواره عائدا الى طرابلس، تبحث في ذهنك عن السر وراء نصيحة الشيخ البلبال في ان تزور اهلك هذه الايام.
 اخبرك الكبران، وانت تصل ليلا الى الفندق، ان نورية ترددت عليك اكثر من مرة خلال اليومين الماضيين، وانتظرت عودتك هذا المساء، وعندما تأخرت، ذهبت برجاء ان تعود غدا، ثم اضاف:
- انها تلح الحاحا شديدا في رؤيتك، وكان حظنا طيبا انها لم تجدك، لان ذلك اتاح لنا فرصة ان نستمع الى غنائها الجميل.
- من؟ نورية مغنية؟ هل هذا مزاح؟
- لا تقل انك لا تعرف ذلك، لانك تعرف ولم تشأ ان تقول لنا، كما تعرف ايضا ان لها دراية كبيرة بالغناء الشعبي.
- كل ما اعرفه انها تقيم في بيت " الزمزامات".
- ربما لانك احضرت لنا الحاكي الذي يقدم الاغاني المحفوظة، شئت ان تحتفظ بهذا النوع من الطرب الحي، لنفسك.
- ولكن ما الفائدة، فها قد وصلتم اليها، واخشى ما اخشاه ان تصادروها كما صادرتم الحاكي.
- ان لها صوتا مثل الكروان.
- غناء الكروان في فندق الكبران، سيكون اعلانا يجذب الجمهور لو قررت ان تقيم لها حفلا فنيا في الفندق.
 ودون ان يعير الكبران اهتماما لاقتراح صاحبه واصل الكبران حديثه الحماسي عن نورية:
- ليتك كنت هنا عشية الامس، فقد اجتذب صوتها البديع كل زبائن الفندق الذين التموا حولها وهي تغني اغنيتها الجديدة عن بالبو.
 ثم صار يدق ايقاع الاغنية على الطاولة التي امامه مرددا مطلعها:
-ـ حبيتك اعظم حب
 ياللي قلبك من ذهب
 بالبو يا حاكم دولتنا
 ياسيد اسياد حكومتنا
 انعيشوا معاك فرح وطرب
 استغربت من اين لنورية ان تعرف بالبو، حتى تغني له هذا الغناء، وتحبه كل هذا الحب، الا اذا كانت اجهزة الاوفرا قررت ان تتدخل في شغل الزمزامات وتقرر عليهم هذه الاغاني التي تحض على حب الحاكم العام، ولكن منذ متى صارت نورية من اهل الطرب، مع ان عمل الاعراس لم يكن غير غطاء للمهنة الاخرى التي تدر ربحا كثيرا، وتحظى باهمية اعظم عبر العصور باعتبارها اقدم مهنة في التاريخ.
 اعطاك الكبران مجموعة من الالتماسات والعرائض، كان اصحابها، ممن لم يعرفوا خبر طردك من مكتب الشكاوى قد تركوها معه، فاخذتها معك الى غرفتك والقيت بها، في كيس يمتلىء باوراق استلمتها من اصحابها قبل سفرك الى اولاد الشيخ واخرى جئت بها من هناك، ونمت فلم تعبأ بمغادرة سريرك صباحا. استمتعت بيوم بطالة لا يتخلله أي جهد. فكرت في القيام بمشوار صغير الى رئيس القلم الاداري لمعرفة آخر التطورات، ثم عدلت عنه. انه يعرف عنوانك ويستطيع ان يرسل اليك احد السعاة لو اراد، فلتنعم اذن بهذه البطالة التي فرضت عليك فرضا. ولتبق ان شئت في سريرك حتى ينقضي النهار، خاصة وان لديك شيئا تنتظره بلهفة، هو مجيء نورية، ليس فقط لانها قوتا جنسيا يأتي في وموعده، وانما ايضا لكي ترضي فضولك وتفهم سر هذه التحولات الكبيرة في حياتها التي نقلتها من امرأة تبحث عن رخصة للعمل في بيوت الدعارة الرسمية، الى مغنية البلاط الملكي في طرابلس، لصاحبه الملك غير المتوج،ايتالو بالبو.
 لا تدري لماذا يكون للجنس في لحظات التوتر والعصبية هذا التأثير الشافي الذي يحرر الجسم من توتره، بل اكثر من ذلك بالنسبة لك، اذ تجد له هذا المذاق الحراق وهذه النشوة التي تفوق نشوة الممارسة الجنسية في ايام الامان والاستقرار. انه الكهف السري، الذي تلجأ اليه من ملاحقة غيلان " التابعة "، وتهنأ فيه بضع لحظات بعيدا عنها. والمرهم الذي تمسح به جراح القلب فيفلح في تسكين اواجاع هذه الجروح ولو لفترة ودجيزة. وتحس بان له تأثير حبة الحلوى في الريق المر، عارفا ان الريق سيعود في فمك مرا بعد ان تمضي لحظات الحلاوة هذه، او هذا ما احسست به عندما جاءت حورية، فاتحا ذراعيك لاحتواء هذا الجسد الفارع، تحاول طيه طيا وسط مساحة السرير الصغيرة، وقبل ان تسألها عن أي شيء آخر، تلقفتها ودخلت بها الفراش، فالاولوية، مع امرأة مثل نورية، للجنس قبل أي شيء آخر، الجنس الذي تمارسه وتستمتع به، لوجه الجنس وحده، لا تخالطه هموم ولا اوهام ولا وساوس تتصل باداء الواجب، ولا هدف الانجاب واستمرار الحياة الزوجية كما في العلاقات الشرعية، ولا تلونه تلوينات اخرى كما هي العلاقة بين العشاق. الجنس، النقي، المصفي، الذي لا هدف له خارج نفسه، فهو جنس من اجل الجنس، بريء ونظيف من اية شائبة من غير عنصره.
 وكنت مشوقا بعد ان اخذ حيوان الغريزة علفه وسد حاجته، ان تسمع منها اسباب ترددها على الفندق يوما وراء الاخر، وبهذا الالحاح وهذه المثابرة، وجاء ما قالته مفاجأة لم تكن تتوقعها، لانها لم تفعل ذلك الا بتحريض قوي من زميلاتها وعلى رأسهن شريفة سيدة البيت، التي ارسلت لك معها كنزة ثمينة من الصوف، هدية لك، اخرجتها من لفافتها ونشرتها امامك، بامل ان تحميك من برد الشتاء، لقاء ما فعلته معها ونساء بيتها، عندما ضمنت لهن الدفء مدى الحياة، واسديت لهن معروفا سيذكرنه لك طوال العمر. لم تستطع فهم ما تقوله نورية، او معرفة الدافع وراء الهدية، الا بعد ان شرحت لك، ان العريضة التي قدمتها لك عند اول اشتغالك بمكتب الشكاوى، وجدت استجابة سريعة من الحاكم العام، وجاء من طرف اللجنة المكلفة باعادة تسكين اهل ذلك الحي، من قام بمعاينة البيت، ووجده معلما من المعالم الاثرية التي تحتاج للصيانة والترميم، فصدر الامر بنقل ساكنيه الى المشاريع الجديدة بمدينة الحدائق، ولان للمارشال بالبو اهتماما خاصا بالفن واهله، فقد امر بتشجيع هذه الفرقة من مطربات الاعراس، وتخصيص حصة يقدمنها في الاذاعة العربية المحلية تعنى بالغناء الشعبي الطرابلسي وارسل لهن من كتب الاغالني التي تمجد ايطاليا والوجود الايطالي في ليبيا، التي كانت من بينها اغنية في حب بالبو، غنتها لصاحب الفندق وزبائنة، تحت الحاحهم، واغان كثيرة غيرها يتدربن على ادائها وتقديمها في الحصة الاذاعية، وقد اخذن جزءا من ثمن هذه الاغاني مقدما، وسيتفرغن تفرغا كاملا لهذا العمل الذي بدأ يدر عليهن دخلا كبيرا، ويتركن الاشتغال باية مهنة اخرى.
 هاهو بالبو، يرتفع الى مستوى سمعته الدولية التي جعلت اسمه يتحول الى بابوللو، تشبيها له باله العالم القديم ابوللو الذي يرعى الفنون والموسيقى، والذي سبق ان عثر على بقايا معبده في المدينة القديمة، فاراد ان يحتفي باتباعه في هذه البلاد التي احبها واعطاها اسمها وجعلها مكانه المفضل في العالمين، وفي حين تتخلى عنك ربات الحظ السعيد، ينشطن في استخدامك انت بالذات، لتكون قدم خير وسعد، لبشر آخرين مثل نورية وشريفة ورفيقاتهما وكل نساء الحي العتيق من بائعات الاوقات السعيدة، ويتحقق لشريفة وبناتها هذا المكسب الكبير من خلال ورقة لا معنى لها، كان يمكن ان يكون مصيرها مثل هذه الاوراق التي تتكوم في ركن الغرفة، والتي ستبقى هناك الى ان يذوب حبرها، ليصبحن حلمهن في بيت جديد حقيقة في يوم وليلة، وفوقه العمل الكريم الذي يدر رزقا وفيرا، اكثر مما يدره بيع الاجساد لزبائن المتعة، وتضيء انجم السعد سماءهن، بينما تنطفيء نجومك انت واحدة بعد الاخرى، فالاقدار كما يبدو، مغرمة بلعبة التوازنات، وعندما تهبط كفة الميزان في مكان ما، فلا بد ان تعلو كفته في مكان آخر، فالحمد الله الذي لايحمد على مكروه سواه، ولكن من اين للحاكم العام، هذا الوقت الاضافي الذي يصرفه في الاهتمام بشكوى نساء "الزمزامات" ويعتني بالبحث عمن يكتب لهن الاغاني ويستلهم من اجلهن الالحان الشعبية ويجلب الاجواق الموسيقية التي تعزف لهن هذه الالحان ويفتح امامهن باب الاذاعة، ويخصص لهن، وبهذه السرعة، بيتا في ارقى وافخم احيا ء المدينة. لابد ان يكون وراء ذلك سببا، وخطر في بالك ان يكون هذا السبب امرأة. احدى نساء البيت، رآها بالبو في مكان ما واغوته، ففتح لها مغارة الكنز، الا ان ذلك امر مستبعد لانك تعرف البيت ونساءه اللاتي لا تعرف منهن من تملك مؤهلات انثوية تقود الى قلب صياد ماهر للجمال مثل بالبو، وما ان اقصيت هذا الدافع حتى ظهر امامك الدافع الحقيقي واضحا جليا، الى حد انك تعجبت من نفسك كيف لم تهتد اليه منذ اللحظة الاولى، فقد شاعت في الايام الاخيرة بعض الاغاني التي يقوم بتسجيلها عرب المهجر من الفنانين الليبيين، مثل المغني الشعبي بشير فهمي، المقيم بين تونس وباريس، الذي اثاره قانون الجنسية الذي ايده قبل صدوره عدد من شيوخ البلاد من بينهم مفتي الديار الليبية، فاطلق هذا الفنان عددا من الاغاني الشعبية الهجائية، التي تهاجم هذا القانون، وتهاجم الادارة الاستعمارية الايطالية، ورموزها مثل الحاكم العام، واعوانه من الليبيين مثل مفتي الديار، وكانت آخر هذه الاغاني، تلك التي يقول مطلعها:
- مبروك عليكم يا ناس
 قاضيكم اصبح بيباص
 وبسبب سهولة الحانها وبساطة اللغة التي كتبت بها، بالاضافة الى مضمونها السياسي الذي يوافق هوى الناس، فقد انتشرت هذه الاغاني بين كل طبقات الليبيين، وصاروا يرددونها جهارا، بما في ذلك الاطفال اثناء لعبهم في الشارع، مما اثار غضب رجال السلطة في طرابلس، فوضعوا بشير فهمي واغانيه بما في ذلك العاطفية والفكاهية في القائمة السوداء، واصدر الرقيب الايطالي قرارا بمعاقبة كل من يغني اويسمع اغانيه او يقتني او يبيع او يشتري اسطواناته، او أي اسطوانة من انتاج شركته " فهمي فون"، وتوافقت العريضة التي قدمتها نورية وصاحباتها، مع هذه الاجواء الفنية المعادية للايطاليين، فاراد الحاكم العام ان يستخدم مغنيات الاعراس في حملة مضادة، يجند لها الملحنين والمؤلفين، لابطال مفعول الاغاني المعادية واغراق السوق بموجة جديدة من اغاني الدعاية للايطاليين.
- مبروك الاغنية الجديدة عن صاحب القلب الذهبي.
- هذا كلام للاذاعة فقط، اما خارج الاذاعة، فساغنيها لك انت، وساضع اسمك انت بدلا من بالبو، ما رأيك؟
- لا اريد ان ادخل في منافسة مع سيد البلاد، فهنيئا له بهذا الغناء،كل مافي الامر ان اسم نورية لا يصلح اسما للشهرة، ولابد من اختيار اسم يليق بالكوكب الجديد الذي يسطع في سماء الفن
- طبعا،لانه لا احد في العالم كله يدخل الفن باسمه الحقيقي.
- وما هو هذا الاسم اذي سيعرفك به الجمهور.
- سنغني غناء جماعيا باسم فرقة الفن الطرابلسي.
- وهل هناك اغان اخرى
- طبعا ما رأيك في هذه الاغنية الحوارية بين رجل ايطالي وامراة ليبية يحبان بعضهما:
 - نظرة عينك ياطلياني
 خلتني في عالم ثاني
 - نظرة عينك يا ليبي-ة
 دربتني في النار الحية

 اليست اغنية جميلة؟
- نعم خاصة وانها تخدم قضية السلام الاجتماعي بين الليبيين والطليان عن طريق الحب.
- انه كلام للتسلية.
- هناك سياسة وراء هذه التسلية يانورية. انها اغنية تصلح للغناء الفردي بين مطرب ومطربة.
- الغناء الجماعي هو ما يريده اصاب الاذاعة، اتعرف لماذا؟
- لانه اكثر تعبيرا عن روح الجمهور.
- من فضلك لا تسخر مني، فانا اعرف انني لست فنانة ولا مطربة، ولكنه نصيب من عند الله، والغناء الجماعي اكثر قدرة على اخفاء حقيقة الاصوات التي تغني، فهم يعرفون قدراتنا، ويريدون قالبا مناسبا يقدمون فيه هذه الاغاني، هذا هو الواقع.
- صدقيني اذا قلت لك انني شديد الفرح لهذه الاخبار السعيدة، واشكري لي كل رفيقاتك على هذه الهدية الجميلة.
- هذا لا ينفع، لابد ان تأتي بنفسك للقائهن، وحضور الحفل الذي سيقمنه بمناسبة العتبة الجديدة.
- ومتى سيكون هذا الحفل؟
- انت ضيف الشرف، وعليك ان تختار اليوم الذي يناسبك.
- اذن فلا حاجة للاستعجال.
- هناك سبب وجيه للاستعجال، لان الخروف موجود داخل البيت، ولا احد يستطيع ان ينام بسبب صياحه المتواصل ليلا ونهارا.
- هل نقول غدا؟
- نعم، غدا ليلا، ليحلو السهر والغناء، وسندعو جيراننا الايطاليين، لكي لايحتج احد منهم على الصخب الذي سنحدثه، ولا بأس، اذا شئت، من احضار صديق او زميل.
- الكبران، علي سبيل المثال.
- ولما لا؟
- انه شديد الاعجاب بغنائك.
- الرجل الليبي مستعد لمديح اية انثى تغني حتى لو كانت بعوضه، لان الهدف ليس الغناء، وانما شيء آخر.
- الم يكن صادقا في اعجابه؟
- نعم، كان صادقا، الا انه انتقل سريعا من الاعجاب بجمال الغناء، الى الاعجاب بجمال المغنية، ودعاني صراحة الى قضاء الليل بصحبته، وطبعا رفضت، لانني ما جئت لهذا الفندق الا من اجلك.
- ياله من رجل نذل.
- ثم ان شكله ارعبني وقلت في نفسي لو اعتلاني هذا البرميل لكتم انفاسي. الا انك لا تتردد في دعوته اذا اردت، لان ما فعله معي، هو ما كان سيفعله أي رجل آخر، فلا تحفل به.

 طبعا، كنت ستدعوه، لانك لا تريد ان تكون الفحل الوحيد بين سيدات الطرب الشعبي، ومركز الاستقطاب الرجولي لاعين ونظرات هذا العدد من النساء، كما ان حضوره سيضفي كثيرا من روح الدعابة، على اجواء السهرة، بما لديه من افكار خيالية، ستزداد استثارة وتوقدا بسبب وجوده في هذا الوسط النسائي، الا ان التطورات التي جاء بها النهار حالت دون قيام السهرة الموعودة، فقد جاء، في منتصف النهار، اثنان من افراد الشرطة السرية " الاوفرا" الى غرفتك، يطلبان منك الانتقال معهما الى ادارة الامن للتحقيق. كنت قد رأيتهما منذ بدايات النهار، يرصدان حركاتك ويمشيان وراءك عندما خرجت مع نورية الى حانوت الحلواني لتساعدها في شراء انواع من الحلويات الشرقية لحفل الليلة، وتكتري لها عربة حنطور تقلها الى مدينة الحدائق، ورأيتهما بعد ذلك يتبعانك حتى عدت الى الفندق، وتصورت ان هناك محاولة ممن استولوا على مكتب الشكاوى، لمعرفة الاتصالات التي تقوم بها، والمساعي التي تبدلها من اجل رد اعتبارك، ليستطيعوا بالتالي ابطال مفعولها، فاذا بك تفاجأ بالرجلين يصعدان وراءك الى الغرفة، ويخبرانك بانهما من عناصر" الاوفرا" قبل ان يباشرا تفتيش الغرفة، التي لم يكن تفتيشها يكلف وقتا ولا جهدا، لصغر مساحتها وضآلة محتوياتها. اخذا معهما كل ما وجداه في الغرفة من اوراق، وسارا بك الى مقر الشرطة السرية في شارع ميلانو، وامام ضابط التحقيق عرفت ان هناك شكوى مقدمة من الكومندان بشير بيك الغرياني، يتهمك بانك استحوذت على اوراق خاصة بالدولة، بما في ذلك رسائل موجهة الى دوائر حكومية، منعتها من الوصول الى هذه الدوائر، كما انك انتحلت شخصية ليست لك وواصلت الادعاء بانك مسئول حكومي، وقمت باجراء اتصالات مع المواطنين بهذه الصفة المزورة، فابلغته بانك لم تقم بتزوير وانتحال اية صفة، ولم تفعل أي شيء يخالف القانون، لانك فعلا مازلت رسميا الموظف المسئول عن تلك الشكاوى، وان أي اوراق تلقيتها او اتصالات اجريت معك انما تمت على هذا الاساس، فاخرج لك ضابط التحقيق قرارا من درج مكتبه، لم تره الا هذه اللحظة، ولم يبلغك به احد من قبل، يحمل تاريخ اسبوع مضى، وتوقيع الحاكم العام، يكلف فيه الكومندان بشير بيك الغرياني، بالاشراف على مكتب شكاوى المواطنين ويعهد الى تابعه فور مباشرة العمل اليومي هناك بدلا منك. افهمته انك لم تتلق اية رسالة تبليغ بهذا القرار، الا انه لم يجد في هذا الدفاع مبررا يعفيك من المسئولية، اوينفي عنك التهمة التي تثبتها الاوراق المضبوطة في غرفتك ولذلك امر بحبسك على ذمة التحقيق.
 لم تجد فيما جرى لك شيئا يدعو الى الدهشة، وبرغم انك لم تتوقع ان يصل الامر الى حد الافتراء عليك بهذه الصورة المفضوحة، والصاق مثل هذه التهمة الباطلة بك، وسوقك بسببها الى السجن كاي مجرم، الا انك كنت مستعدا لتلقي نوع من العقاب، ولا تجد غرابة فيه، حتى لو جاء، كما هو الان، اكثر قسوة مما كنت تنتظر، ولم تشعر وانت تسمع كلم السجن، بذلك الرعب الذي تصورت انه سيجتاحك لذي القائها في وجهك. تقبلت كل شيء بهدوء اعصاب، ودون ادنى درجة من الغضب، او الاحساس بالمرارة والصدمة، بل العكس ربما كان صحيحا، اذ كنت تنظر الى الجانب الساخر فيما حدث، لان والدك الذي ورفض ان يسمع كلامك عندما اردت ان تقول الحقيقة لاهل القرية، فمضى يواصل لعبة خداع الذات وخداع الاخرين، سيعرف الان، وبعد ان تصله اخبار سجنك بتهمة الكذب وانتحال شخصية مزيفة، خطأ مافعل عندما رفض الانصات اليك، ودعك من امك فتأتيرها لا يصل الى دوائر ابعد من بيتها، مثل والدك، ولو انها هي ايضا يجب ان تتعض بمثل هذا الدرس.
 وضعوا في يديك الحديد، وامروك ان تصعد الى صندوق السيارة، حيث جلست وبجوارك شرطي الحراسة، ياخذك الى حيث مضت بكما السيارة، حتى بوابة الحصان الاسود، او السجن الذي اعطاه الناس هذا الاسم بمنطقة بورتا بينيتو، لوجود تمثال برونزي مطلي بالاسود، لحصان يتوسط ساحة السجن.
 اقفلوا عليك باب الزنزانة التي لم يكن بها احد سواك.
 صدمتك على الفور الرائحة التي تشبه رائحة قطة ميتة. احسست انهم وضعوك داخل علبة صفيح نتنة واحكموا اغلاقها عليك. هناك كوة في حجم راحة اليد، معلقة آخر الجدار، قريبا من السقف، تعجز عن ادخال أي ضوء او هواء.
 فتشت بعد ان الفت عيناك العتمة، علك تجد هذه القطة الميتة
فلم تجد شيئا. كان واضحا انها رائحة بول، امتزجت برائح اخرى تراكمت على مدى الازمنة، وصنعت هذا الخليط من الروائح الكريهة. لم يكن هناك غير مرتبة من القش وبطانية بالية. كانت عفونة الغرفة قد كتمت على انفاسك وتحولت من شيء تميزه بحاسة الشم، الى التأثير في حاسة الذوق، فتشعر بمذاقه كالعلقم في حلقك وعلى طرف لسانك. تريد ان تتقيأ فلا تستطيع. الان فقط بدأت تستوعب حقيقة ما حدث لك، وفهم معنى السجن الذي لم تستطع استيعابه في بداية القبض عليك، وقابلته بشيء من الاستهزاء، لجهلك ببشاعة ما هو السجن. الان فقط تدرك حقيقة هذا السجن، دون ان تستطيع فهم لماذا انت هنا، واي ذنب عظيم جنيته، واستحق ان يكون عقابه هذه الزنزانة التي لا تليق الا بقطة مية، لا بانسان حاول قدر جهده ان يخدم اسياد البلاد، ويضع نفسه تحت تصرفهم. فما الذي تراك فعلته للحاكم العام، حتى تسقط هذا السقوط المريع من سحابة الرضا التي جلست فوقها تغني وتدلدل ساقيك، ظنا منك انك بلغت اقصى مراتب الامان، ثم اذا بالسحابة تذوب وتتلاشى في غمضة عين، وإذا بك تتأرجح في الهواء وتسقط في هذه الحفرة النتنة.
 تعرف انك رفضت عرضا جاءك من حورية للاقتران بها، وهو عرض كنت دائما تراه اقرب الى الدعابة منه الى ارتباط جاد وحقيقي تسعى اليه حورية، ليكون بديلا عن علاقة المصيرالتي ربطتها بالمارشال والتي تحقق لها ما تريد من اكتفاء على كل المستويات المادية والمعنوية، والروحية والجسدية، وتعلم انك تعاملت بشيء من الرعونة مع الكومندان بشير بيك الغرياني الذي لم تتفوه بكلمة واحدة تسيء اليه، رغم ما بدر من استفزاز ومهانة منه، فهل يستحق ما فعلته ان تجد نفسك مرميا في سجن الحصان الاسود، وفي اكثر زنازينه قذارة وبشاعة، لانك لا تتصور ان تكون هناك زنزانة اخرى اكثر ضيقا وعفونة. لابد ان هناك اسبابا اخرى لا تعرفها وتستطيع الان ان تتبين كل ابعادها، استوجبت الحاق هذا النوع من العقاب لك، فقد كان اقصى ما تتوقعه العزل من وظيفتك، او تجميد مرتبك، او شيء آخر غير تلفيق التهم والالقاء بك في السجن.
 تنبهت الى وجود اصوات بشرية قادمة من الزنازين الاخرى، وصرخات اناس يتم تعذيبهم في جزء بعيد من السجن، لان صراخهم يأتي خافتا، مكتوبا، كانه يخرج من انفاق تحت الارض. وهناك قرقعة سلاح في مكان ما، كانها فرقة اعدام تستعد لاطلاق نيرانها على ضحاياها. ضاعفت هذه الصرخات وقرقعة السلاح من الخوف الذي بدأت تشعر به. حاولت ان تتمشى داخل الغرفة بدلا من الوقوف ملاصقا للباب متوهما ان احدا سيفتح الباب يدعوك للخروج، رافضا ان تصدق ان هذه الغرفة هي الان مقر اقامتك بمثل ماكانت قبل اليوم غرفتك في فندق الكبران. لقد اقفل الباب وسدت منافذ الضوء والهواء، وعليك ان تواجه سجنا يعلم الله وحده الى اين امد يطول. الا ان المجال داخل الغرفة لم يكن يتسع لاكثر من خطوتين في كل اتجاه، ثم تجد نفسك تصطدم بالحائط، وعلى كل حائط من الحيطان الاربعة، نقشت كتابات وخربشات وخطوط، حاولت من خلال ما تسمح به عتمة المكان تبينها، الا انها كانت عصية على القراءة، تحتاج لتركيز وتمعن،بعضها اسماء اناس، لعلهم نزلاء هذه الغرفة سجلوا بها اسماءهم للذكرى، واكثرها كلمات امل ورجاء " اشتدي ازمة تنفرجي"،" كل من دخل خرج، ما بعد الضيق الا الفرج"، " السجن للرجال والابطال " واحدهم وجد صلة نسب بين هذه الزنزانة ومعتقل العقيلة، فرسم على الحائط من مقاطع قصيدة سيدي رجب بوحويش " مابي مرض غير دار العقيلة، وحبس القبيلة، وبعد الجبا عن بلاد الوصيلة "، اما الكتابات الاخرى فهي ايات قرآنية ونداءات للاولياء والصالحين والنجدة بسيدي عبد السلام الاسمر، اوسيدي الهدار، اوسيدي الشعاب، اوسيدي الحطاب، اوسيدي المصري، نفعنا الله ببركاتهم اجمعين، كلمات كتبها اناس مروا بهذه الزنزانة، يعالجون بها امراض اليأس وانهيار الروح، وهم يعيشون وسط هذا الصندوق الحجري الذي يحط من قيمة الانسان وينتهك من آدميته، ما شد ازرك حقا، ان هؤلاء النزلاء الذين خطوا هذه الاسطر كلهم اناس متعلمون، فوق طبقة اللصوص والمجرمين الذين لا معرفة لهم بالقراءة والكتابة، وربما كان بعضهم مجاهدا،ايام الجهاد، او مناضلا للظلم في هذا الزمان.
 اكتشفت وانت تنتقل الى حائط آخر من الحيطان الاربعة، ان بين الخطوط والخربشات شجيرة مرسومة على رقعة واسعة من الجدران، بلون اسود، ثم اكتشفت عندما امعنت النظر، انه ليس سوادا، وانما حمرة قانية، وسرت في نفسك قشعريرة رعب، وقد اتضح لك انه دم تناثر على الجدار. كان واضحا انها اثار دماء الضحايا ممن شهدت هذه الزنزانة تعذيبهم، او قتلهم تحت التعذيب. ها انت هنا، تلتقي وجها لوجه بلغة الجبروت والطغيان، لغت القوة التي اذا قالت فعلت، حتى وان كانت مكتوبة بدم النزيل، لا ما يكتبه هذا النزيل بنفسه مستخدما لغة المسكنة والرجاء، متوسلا بالاولاياء والنصوص الدينية سبيله للخلاص. هذا هو الوجه الاخر للحاكم الايطالي، الذي لا تعكسه المرايا الكثيرة الموجودة في بيت عشيقته حورية.
 جلست فوق مرتبة القش، لا تدري ماذا تفعل بنفسك. اظلمت الكوة الصغيرة اعلى الجدار، واضيئ في دهليز السجن مصباح كهربائي يتسلل منه الضوء الى زنزانتك عبر شباك حديدي في بابها، الا انه ضوء لا يضيء شيئا. اطبق الليل وبدأت الاصوات تهدأ الا من انين ياتي من مكان بعيد. نمت نوما متقطعا، ومضى الوقت دون ان تشعر بعطش او جوع او حاجة لقضاء الحاجة البشرية، حتى جاء الحارس مع الصبح يذكرك بانقضاء الليل. قادك الى دورة المياه البدائية، واعادك ليعطيك افطارك، كسرة من الخبز وكمية من الشاي البارد في كوب نحاس صغير. ورغم علمك انه لا يعرف شيئا، فقد حاولت ان تعرف أي شيء يمكن ان يضيء عتمة هذه الظروف الغامضة التي تحيط بك، ويبدو انك سألته اسألة محظورة، او لم يألف سماعها، فقد التفت وراءه مذعورا، وخرج مسرعا، واقفل خلفه الباب بقوة، دون ان يقول شيئا.
 سمعت بعد قليل من انصرافه، اصوات ابواب تفتح واقدام تعبر الممر امام زنزانتك، وعرفت فيما تناهى اليك من كلام، انه موعد خروج السجناء الى الساحة. حسبت ان هناك تعليمات تمنع خروجك من الزنزانة، مثلما منعت اختلاطك بهم في عنابر السجن، والاحتفاظ بك في زنزانة منفردة، الا ان شرطي الحراسة ما لبث ان جاء يفتح الباب ويدعوك للخروج مثل بقية النزلاء.
 عرفت اثناء وجودك في الساحة، ان هذه الزنزانة تخصص فقط لاول يوم يقضية النزيل في السجن، قبل استكماله للفحص الطبي، كاجراء وقائي، صحي، وتفاديا لما حدث في السابق، عندما جاء سجناء يحملون امراضا معدية مثل السل الرئوي والتهاب الكبد الوبائي، نشروها بين زملائهم في العنبر، عندها فقط عرفت السبب في انهم انتزعوا عينة من دمك قبل ايداعك هذه الزنزانة، الا انك تستطيع بمجرد التطلع الى وجوه هؤلاء السجناء، ان تعرف ان لا احد منهم يخلو من مرض مزمن، يكفي ان ترى عظام وجوههم البارزة، ورقابهم التي لم يبق بها الا الحبال، واصابعهم التي تشبه اصابع هيكل عظمي، وبشرتهم الصفراءالتي تؤكد ان مرض فقر الدم حقق عدالة التوزيع بينهم جميعا دون ان يستثني احدا، لتدرك ذلك. اما الرمد الذي يأكل العيون، فهو سمة مشتركة بين اغلبية النزلاء، ويبقى سيد الامراض كلها، الذي جاء بهم الى هذا المكان، هو الفقر. اذ انك ما سألت احدا مهم، عن سبب وجوده في السجن، الا وجدته لصا، سرق متجرا، او سرق عنزة، اوسطى على شجرة عنب في مزرعة مستوطن ايطالي، كلهم معدمون، لا يجدون فرقا بين وجودهم في السجن او في بيوتهم، لانها ليست افضل من هذه الزنازين، ولا الطعام افضل من هذا الطعام، الذي، رغم مسواه المتدني، قد لا يجدونه هناك. رأيت بين المساجين من جاء يتفرس في وجهك، وكانه لا يصدق انه انت، ثم يصيح مندهشا:
-ـ هل هذا معقول؟ عثمان الشيخ معنا في السجن.
 كان الرجل هذه المرة شابا، تحسبه في بداية الامر بدينا، بل لعله البدين الوحيد بين هذه الهياكل البشرية، ثم لا تلبث ان تكتشف ان ما به ليس بدانة، وانما بناء جسمي قوي، اكتسبه بالتدريب والتمرين، كابطال العاب القوة، من مصارعين وملاكمين، وقفت تتأمله قليلا، مستغربا لوجوده بين هؤلاء البشر القادمين من حضيض الحياة. تركته وواصلت المسير، مشى بجوارك قائلا
- الم تعرفني؟
- لا اذكر، ولكن لا بأس ان تذكرني.
 مددت يدك تصافح اليد التي مدها اليك، وانت ترى فيه احد المساجين القليلين ممن يمكنك ان تتواصل معهم دون خوف من انتقال القمل اليك.
- اخشى ان قلت لك، ان تغضب عني.
 نظر اليك بزاويتي عينيه، فتذكرت في الحال،انه سبق وان التقيت بهذه النظرة في ليلة لن تنساها. انها ذات النظرة التي لمعت تحت اضواء سيارة عابرة. ليلة ان تربص بك ثلاثة من اوغاد المدينة القديمة، اوسعوك ضربا حتى اشرفت على الهلاك في زنقة القزدارة والحدادين.
 كدت تأخذ بخناقه، الا انك تمالكت اعصابك وقلت له حانقا:
- ارجو ان تبتعد عني فهذا افضل لك ولي.
- ليس قبل ان تسمع اعتذاري، لان وجودك هنا في هذا السجن، مهما كانت التهم الموجهة اليك، يعني شيئا واحدا، هو انك واحد منا، ولست منهم.
- لا انتظر شهادة براءة من احد.
- ارجو ان تسامحني.
- عفى الله عما سلف.
- وجدوني اقوم بتوزيع منشورات اصدرتها لجنة الدفاع عن طرابلس وبرقة، الموجودة في المهجر، فقادوني بلا محاكمة الى السجن، وانت ما الذي جاء بك،اذا سمحت لي ان اسأل؟
- ان كنت تعرف تهمتك، فصدقني لو قلت لك انني لا اعرف تهمتي.
- سأعود فور خروجي من السجن الى مواصلة العمل الوطني، باذن الله، فمرحبا بك ان رغبت في خدمة الوطن معنا.
- هل استطيع ان اعرف ما عمرك؟
- واحد وعشرون عاما، وعمر المختارالذي مات شهيدا وهو يحارب الطليان، كان عمره فوق السبعين، فما اهمية العمر؟
- عمر المختار حارب منذ بداية الغزو، واستشهد منذ خمسة اعوام مضت فكان موته خاتمة الجهاد، بدأ مع جيش قوامه الشعب كله، وانتهي بجيش صغير قوامه عدة انفار، فبأي جيش تخوض انت الحرب.
- الناس موجودون لكنهم بحاجة الى قيادة.
 ادركت ان الولد لم يستوعب ما قلته له، واذا كان بطلا اسطوريا مثل المختار لم يستطع ان يواصل معه الجهاد الا عدد قليل من هؤلاء الناس الذين طحنتهم حرب طويلة غير متكافئة، فكيف اذن مع قيادات على شاكلة هذا الصغير.
- واين هم هؤلاء الناس؟
- لنبدأ من هذا السجن، كل واحد موجود هنا لديه الف سبب لان يحارب الطليان.
- ولماذا لم يحارب اذن؟
- الشعب في حاجة الى تنظيم وقيادات.
 قلت له ساخرا:
- واين ذهبت انت؟
 وكأنما اخذ كلامك مأخذا جادا، فقد اجاب بسرعة وحماس:
- القيادة السياسية موجودة، ولكن القيادة العسكرية هي التي تنقصنا.
 قلت محاولا ان ينتهي هذا الحوار العبثي:
- انت الخير والبركة.
- لابد من رجل له خبرة عسكرية، وهو موجود، بل هو هنا في هذا السجن.
 نظرت اليه باستغراب وسخرية، قبل ان تتركه وتمضي، الا انه استوقفك قائلا:
- لا تستغرب يا سيد عثمان، انه انت هذا القائد.
 لم تستطع ان تمنع نفسك من الضحك.
- ولماذا الضحك؟
- اضحك لانني منذ امد قصير، كدت الاقي حتفي على ايديكم باعتباري عميلا للطليان.
- وما الغرابة في ذلك، الم يكن سيف الله المسلول،سيدنا خالد بن الوليد، قائدا لجيش الكفار، قبل ايام من توليه قيادة جيش المسلمين. خبرتك في العمل معهم، ستكون احدى نقاط القوة التي تساعد في تحقيق النصر عليهم باذن الله.
 قررت ان تكون جادا مع هذا الفتى المهووس ببطولات الماضي، فانسته الواقع. قلت له محذرا:
- دعك من مثل هذا الكلام الذي سيكون سببا في هلاكك لو وصل الى اسماع " الاوفرا " واصرف جهدك للدراسة، او الرياضة التي تحبها، فذلك اجدى من هذه الاوهام التي لا علاقة لها بالواقع، اما انا، فارجو ان تخرجني من رأسك، لانني مازلت عسكريا في جيش الطليان.
 تركته وسرت خلف شرطي الحراسة الذي جاء يقودك الىغرفة يستخدمها الطبيب الزائر، لفحص المساجين. وضع السماعة على صدرك وظهرك، ونظر بالمجهر الى حلقك واسمعته عينة من سعالك، واخرجت له لسانك، وبعد ان انتهى من فحصه اعطى امره بضمك الى احد العنابر.
 قبل الذهاب الى العنبر، قادك الشرطي الى المخزن، حيث اعطوك بذلة السجن، وطلبوا منك ارتداءها وتسليم بذلتك الى المخزن، كما اعطوك مرتبة من القش وبطانية واناء نحاسيا، وعندا عدت كانت الساحة فارغة فقد رجع النزلاء الى زنازينهم.
 كانت الزنزانة التي اختارها لك جندي الحراسة، مكتظة بنزلائها، تضم تسعة انفار، بينما هي لا تصلح لاكثر من اربعة اوخمسة، ولذلك وقفت عند الباب حائرا، تبحث عن مكان يتسع للمرتبة التي بحوزتك فلا تجد، اذ لم يبق شبر واحد من ارض الغرفة ليس فوقه مرتبة من هذه المراتب التي تمدد فوقها النزلاء، بعضهم يغمض عينيه مستسلما لاغفاءة القيلولة، وبعضهم يحدق في السقف كانه قرر ان ينام ويبقى عينيه مفتوحتين، وبعضهم يسدل ملامحه في بلاهة وينظر اليك ساهما دون ان يتطوع بابداء كلمة تعينك على الخروج من حيرتك، وكلهم في حالة صمت وسكون كالتماثيل، عدا اياديهم التي تتحرك حركة الية، روتينية، امام اوجههم، تنش عنها ارتال الذباب. ادرت بصرك الى الحارس تستنجد به كي ينقلك الى عنبر او زنزانة اخرى يكون فيها متسع لك، او يعيدك اذا شاء، الى الزنزانة الانفرادية، الا انه اقفل الباب خلفك وتركك تواجه الموقف الصعب مع زملاء الزنزانة وحيدا. و بمجرد انسحابه، دب النشاط والفوضى في الغرفة الهادئة، قام الراقدون من مراقدهم ينطون كالقرود، لان سكونهم لم يكن الا تظاهرا كاذبا في حضرة الحارس، وعادوا الى لعب الورق بعد ان قسموا انفسهم الى مجموعتين، يتشاحنون ويشتمون بعضهم بعضا، دون ان يعيروك انتباها. رآك احدهم ما تزال واقفا، تحت ابطك المرتبة والبطانية، وفي يدك اناء الطعام الفارغ الذي يسمونه " القاويطه "، فسألك مستغربا عما يدعوك للوقوف على هذا النحو، واشار الى الورق قائلا بانه بامكانك ان تشارك في اللعب اذا اردت. اخبرته بانك لا تجيد لعب الورق، فاعاد دعوته لك بالجلوس لان وجودك واقفا امامه يمنعه من التركيز. رميت امتعة السجن تحت قدمك، وحشرت نفسك بينهم، تحاول ان تتعلم كيف يلعبون، طالما هذه هي الوسيلة المعتمدة لديهم لقتل الوقت، واكتشفت بعد دقائق قليلة انك لن تستطيع ان تكون طرفا في هذه اللعبة، لانهم يقامرون بالسجاير، التي لا تدري كيف يحضرونها داخل السجن، ويقامرون بها، ويستخدمونها بديلا للعملة في شتى معاملاتهم، وطالما انك لا تشرب السجاير ولا تملكها، فانت غير صالح كشريك في لعب الورق، ولعل بعضهم، ممن نظر اليك باستهزاء عند دخولك، يراك غير جدير بمشاركتهم الزنزانة. وجاء سريعا موعد الغذاء، فوضعوا لك في القاويطه مغرفة من حساء الفاصوليا، ورموا اليك نصف رغيف يابس. ارغمت نفسك على اكلهما لكى لا تبقى طوال اليوم تعاني من الام المعدة الفارغة، ودخلت معركة ضارية مع ارجال الذباب التي حاولت دون جدوى ان تشاركك صحن الفاصوليا البارد، ورغم دوشة زملاء الزنزانة ولعبهم وخروجكم في استراحة المساء الى الساحة وعودتكم منها، ومجيء الحارس بمغرفة حساء اخرى لوجبة العشاء، فقد مضى الوقت بطيئا، ثقيلا، وتساءلت وانت تجد بين زملاء السجن من له خمس وست سنوات على هذا الحال، كيف استطاع هؤلاء الناس ان يحتملوا مرور كل هذه المدة في هذا المكان وتحت هذه الشروط. وجاء موعد النوم، فتزحزت المراتب الاخرى قليلا لتترك لك مكانا عند عتبة الباب، وضحكت معهم اثناء الليل، على شاب من النزلا ء، له موهبة في تقليد الناس، اختار ان يكون ضحيته هذه الليلة احد القضاة المعروفين بتملقهم للايطاليين، ممن ياتمرون بامرهم حتى في اصدار الاحكام، فيقلده عندما يذهب الى رئيسه في قضية مواطن بريء يريد الحاكم الايطالي من القاضي ان يحكم عليه بالسجن المؤبد، وحيرة القاضي وهو يسال الحاكم عن الحيثيات التي يكتبها للحكم، ويكلمه بالايطالية مصرا على تطبيق قواعد اللغة العربية فيرفع مارشال ليصبح مارشاللو، لانه اسم كان، وطليان ليصبحوا طاليانو باعتباهم فاعلين، وانتهى اللعب والسهر داخل الزنزانة، فنمت نوما متواصلا لا تقطعه الا لسعة بقة تسللت الى جسمك لامتصاص ما تقدر عليه من دمك، فتقتلها، لتموت شهيدة الواجب، وتعود انت الى نومك.
 توقعت ان تسمع احدا يستدعيك من ادارة السجن، لابلاغك بنتيجة التحقيق في التهم الموجهة اليك، او تقديمك للمحاكمة، او اجراء استجواب معك، او أي شيء آخر يعطيك فكرة عما يدبر لك، فلم يظهر احد سوي اثنين من الحراس يحملان اخشاب الفلقة وعصاها، وقبل ان تسأل عن السبب، وجدتهما يبدآن معك انت باعتبارك الاقرب الى الباب، يربطان قدميك الى لوح من خشب، ثم يمسك به احدهما مرفوعا الى اعلى وقد ارتفعت معه قدماك في مواجهةالحارس الثاني الذي بيده عصا غليظة يتولى بها ضرب باطن القدم عشر مرات، وهو يحسب الضربات بصوت عال، واحد، اثنان، ثلاثة، ومع ازدياد الضربات تتضاءل قدرتك على السيطرة على الامك وصراخك الذي تحاول كتمانه، لكنك في النهاية لا تستطيع الا ان تصرخ لشدة الالم، وهكذا كان حال بقية الزملاء في الزنزانة الذين اخذوا نصيبهم من الفلقة دون استثناء، واطلقوا صرخات اعلى من صرخاتك، لان ضربات اليوم تقع فوق اثار ضربات تلقوها في الايام الماضية فكانت اكثر وجعا منك وانت تتلقى اولى هذه الوجبات التأذيبية، وهي عقوبة عرفت انها تقدم في السجن دون سبب سوى ان هناك نزيلا في عنبر آخر ارتكب ذنبا ما، فيتم تذنيبه، ومعه تذنيب كل نزلاء الحصان الاسود الذين يفوقون الخمسمائة. بدأت شيئا فشيئا تتكشف امامك حقيقة الحياة داخل السجن، الذي تدخله لاول مرة في حياتك. اذ لم يكن العقاب في اليوم الثاني " الفلقة " كما بالامس، وانما حرمان الجميع من وجبتي العشاء والغذاء، لان سجينا آخر ارتكب ذنيا استوجب هذا العقاب، وتسأل عن طبيعة هذه الذنوب والمخالفات، فتجد انها لا تزيد عن كلمة احتج بها احد المساجين على قسوة او شتيمة احد الحراس، اما لماذا يكون العقاب جماعيا، فلا جواب سوى انها وسيلة لقهر واذلال الانسان الذي اوصلته نجوم نحسه الى هذا المكان. ولكن ماشأنك انت ومجتمع الاجرام والجريمة من سارقي الماعز ولصوص الدكاكين، فانت تعرف، كما يعرف الذين امروا بحبسك، انك لست مجرما ولم ترتكب جناية صغيرة اوكبيرة تستوجب هذا السجن، فلماذا اذن جاءوا بك الى هنا ووضعوك بين هؤلاء الناس وجعلوك تخضع لهذه المعاملة القاسية المخصصة للمجرمين؟ والاقسى من ذلك، ان اليوم الثاني يمر، ويأتي الثالث، والرابع، ولا شيء يحدث بشأنك، مما انبت في رأسك هاجسا يقول بانك هنا لامد غير محدود، وان هناك خارج السجن، من اراد بهذا الاهمال المتعمد، وابقائك في السجن دون قضية،ان يدمر اعصابك، ويتلف قواك البدنية والمعنوية، فلا تخرج من هذا المكان الا حطاما، والدليل على هذه النية المبيتة في محاصرتك وزرع امراض القلق والتوتر والكآبة في نفسك، ان تبقى دون كل السجناء محروما من أي انسان يأتي لزيارتك. يبدأ موعد الزيارات وينتهي كل يوم، ويذهب اصحاب الجنح والجنايات للقاء زائريهم من نساء ورجال والحديث اليهم من وراء الشباك الحديدي، الا انت. الامر ليس طبيعيا، والقبض عليك لم يحدث في صحراء الحمادة الحمراء، الخالية من البشر و العمران، وانما في فندق الكبران، وعلى مرآى من الغادي والرائح، ممن طيروا الخبر لمن يعرفك ولا يعرفك، ولا يعقل الا يكون بين هؤلاء الناس، من اراد زيارتك. ولا تفسير لبقائك بلا زيارات طوال الايام الاربعة الماضية، غير انهم يمنعون وصول الزوار اليك، لكي تكتمل حلقات المؤامرة التي تهدف الى عزلتك ومحاصرتك،ثم القضاء عليك، وتسأل نفسك وتعيد السؤال مرة تلو الاخرى، لماذا وما الذي فعلته ليتفجر ضدك الحقد بهذه القوة والقسوة والتوحش.
 في اليوم السابع احضروا سجينا ايطاليا، وضعوه في الزنزانة الانفردية. كان ذلك موضع استغراب النزلاء، لان للايطاليين سجونهم الخاصة التى لا يختلطون فيها بالليبيين. اثار الرجل فضولك انت ايضا، خاصة وانه كان رجلا انيقا، تدل قيافته انه ينتمي الى مهنة راقية مثل الاطباء والمحامين والمهندسين , ولذلك قررت وانت تراه يتمشى بمفرده في الساحة، ان تبادره بالتحية والحديث. وابدى الرجل ترحيبا بك، عندما قدمت له نفسك بانك المسئول السابق عن مكتب الشكاوى، وفوجيء بان يوجد في هذا السجن من ينتمي مثلك لشريحة الموظفين. وعرفت منه انه صحفي، يعارض السياسة الاستعمارية لبلاده، وانه جاء متسللا الى طرابلس، لان السلطات الايطالية لم تشأ ان تمنحه تصريحا للدخول، لكي لا يكتب منتقدا الاوضاع السائدة في المستعمرة، ولذلك فانهم، عندما اكتشفوا وصوله الى الميناء دون تصريح، قبضوا عليه لاعادة ترحيله الى روما، وهو هنا مؤقتا الى حين توفر وسيلة السفر، سواء عن طريق الجو او البحر، اما سبب حجزه معنا، بدلا من السجن المخصص للايطاليين، فهو خوفهم من ان تصل افكاره المعادية للسياسة الاستعمارية الى السجناء الايطاليين، ومن خلالهم،الى جمهور اعرض من المستوطنين فيؤثر ذلك في روحهم المعنوية.
 لم تشأ ان تنتقد امامه سياسة بلاده، او تتفوه بكلمة نقد واحدة عن الاوضاع الداخلية للبلاد، ورغم الاسئلة التي امطرك بها، لم تأت على ذكر أي شيء عدا محنتك الشخصية عندما وجدت نفسك مسجونا بلا ذنب، معبرا عن ثقتك في الحاكم العام الذي لن يرضى بهذا الظلم اذا عرف به. انه ايطالي يستطيع ان يختلف مع حكومته كما يشاء، اما انت، فمن تكون حتى تبدي اعتراضا وا احتجاجا على استعمار بلاده لبلادك، كل ما استطعت قوله، هو ابداء دهشتك لان هناك انسانا ايطاليا يخالف الدوتشي، الذي اجمع الشعب على حبه، فاختفت بالتالي اصوات النقد و المعارضة والاحتجاج.
- من قال انني اخالف الدوتشي عندما اعارض السياسة الاستعمارية؟ انني لا اقول في صحيفتي شيئا الا اعادة اقوال الدوتشي نفسه، ولا افعل الا ما كان يفعله عندما قاد المظاهرات ضد احتلال ليييا عام 1911، ووقف امام الدبابات المسافرة اليها، ودخل السجن من اجل هذا الموقف.
 كان ما قاله شيئا جديدا بالنسبة لك، لان الليبيين يربطون بين الفاشية وبين انتهاك شروط الهدنة التي كانت بينهم وبين الحكومة السابقة، ومعاودة احتلال ليبيا بوسائل واساليب اكثر عنفا ووحشية، وعندما اردت ان تسأله مستفسرا عن السبب الذي اجبر الزعيم على تغيير سياساته ومواقفه بعد ان وصل الى السلطة، اوقفك قبل ان تكمل السؤال قائلا:
- تلك ليست قضيتي. قضيتي هي ان اجد منفذا اعبر فيه عن افكاري دون ان اتحول الى لحم مفروم.
 شعرت بقلبك ينفتح لهذا الايطالي النبيل الجريء، الذي فرحت لوجوده وتأسفت لفراقه، عندما اخرجوه في صباح اليوم التالي من السجن، الا انه وعدك بان يثير قضيتك مع مسئولي السجن، وسيهددهم بالكتابة عنك، واتخاذك مثالا للقهر الذي يمارسونه ضد اهل البلاد، فسجنك دون محاكمة، وعدم انتداب احد المحامين للدفاع عنك، ومنعك من استقبال الزوار، والاعتداء عليك بالضرب وحرمانك من الطعام دون سبب، امور لا تحدث الا في النظم البدائية، لا تلك التي تقول ان لها رسالة حضارية، مثل الحكومة الايطالية.
 واضاف غامزا:
- الدوتشي لا يرضى بهذا الكلام.
 لم تتوقع خيرا بعد خروج الصحفي، لانه هو نفسه ضحية القهر الذي يحكي عنه، فكيف لمن لا يستطيع دفع الاذى عن نفسه، ان يدفعه عن الاخرين، ولكن ما حدث خيب توقعاتك المغموسة في حنوط اليأس والقنوط،فقد تحقق ما وعدك به، وبدأ الحصار الذي ضربوه حولك يتقوض وينهار بعد يوم واحد من خروجه، وشرع الزوار يهلون عليك واحدا بعد الاخر، وكان الكبران اول القادمين، قائلا بانه حاول ان يزورك منذ اليوم الاول لوجودك في السجن، الا انهم ان الزيارة تقتضي تصريحا، والتصريح لا ياتي في نفس اليوم، فجاء في اليوم التاني والذي يليه وهم يماطلون ويسوفون، حتى كاد ان يصيبه اليأس ويتوقف عن مراجعهم، الا انهم فاجأوه اليوم بان التصريح جاهز، فأخذه وظل واقفا امام باب السجن ينتظر الوقت المحدد للزيارة وليس هذا حاله وحده وانما حال اقارب واصدقاء قالوا لهم نفس الكلام يوما وراء الآخر حتى يئسوا من جدوى التردد على السجن، الا انه سيحمل الخبر لكل من يراه ويبلغه برفع الحظر عن زيارتك، وهو يبدي استعداده لعمل أي شيء من اجل اطلاق سراحك، والذهاب الى أي شخص مهم في الحكومة ترى اهمية الاتصال به للمساعدة، لان الكبران واثق من ان هناك خطأ ما فيما حدث لك، وان خبر سجنك لم يصل الى الحاكم العام والا لتدخل في الحال للافراج عنك، فهي مكيدة دبرها الكومندان الذي اكلت قلبه الغيرة من نجاحك " وخاف ان يفقد مكانته مع الطليان ".
 قدمت للكبران الشكر على ما ابداه نحوك من جميل العواطف، فقد اسعدتك زيارته وارأيت فيها فاتحة خير وانفراج، وافهمته ان الوقت مازال مبكرا على اجراء الاتصالات مع الشخصيات الكبيرة، لانك تفضل ان يأخذ الشق القضائي طريقه، باعتبارك واثقا من براءتك التي ستظهر دون عون من احد، الا انك من باب الا حتياط سألته ان يضع امتعتك في صندوق من الورق المقوى او صندوقين، ويحتفظ بها في مخازنه، ليستطيع ان ينتفع بتأجير الغرفة بدلا من وجودها عاطلة بهذا الشكل، فاستنكر هذا الكلام، ورفض الفكرة قبل ان تنتهي من شرحها له.
- لا تقل هذا الكلام. الغرفة ستبقى في انتظارك الى ان تعود اليها قريبا ان شاء الله.
 وبعد الكبران جاءت نورية، يقودها عبد المولى الشحاذ. جاءت وفي يدها منديل وردي تجفف به دموعها التي تأبى ان تتوقف:
- انها عين واصابتك ومنذ ان اخذوك من الفندق وانا اذهب كل صباح الى ضريح سيدي الهدار، واوقد له الشموع واطلب عونه على اطلاق سراحك.
- والله فيك الخير يا نورية.
 ثم اجهشت بالبكاء، وادارت وجهها الى باب السجن ورفعت يديها امامها، تدعو بصوت تخنقه العبرات:
- يا سيدي الهدار، يا من اخترت ان يكون ضريحك في الهواء الطلق، فلم تسمح ببناء حيطان حوله ولا باب يقفل عليه، سألتك بجاهك عند الله، ان تعجل بالافراج عن عثمان ولد الشيخ..
 ثم التفتت تسألك عن اسم ولدتك، تسهيلا لمهمة الولي الصالح في مساعدتك فقلت لها" مريم الشيخ"، فواصلت الدعاء:
-ـ وابن مريم الشيخ، البريء المظلوم، وتفك كربته، قادر يا كريم.
 وفهمت منها بعد ان توقفت عن البكاء انه تم ارجاء الوليمة الى وقت آخر، ورأت في ذلك فرصة لان تكون وليمة اكبر، بعد ان توفر لها وقت اطول للتحضير، وستكون الفرحة هذه المرة فرحتين، فرحة الحصول على البيت، وفرحة خروجك قريبا من السجن، وهي تملك يقينا كاملا بما تقول، لانها مؤمنة بان سيدي الهدار لن يخذلها، وواثقة ايضا من صدق امرأة من اهل الفلاح والصلاح، تسكن شارع ابو هريده ذهبت اليها لتقرأ لها طالعك، فابلغتها بانك ستحطم القيود، وتنطلق وراء الحدود، وتنتصر على عدوك، وتتمكن من استرجاع ماضاع منك، باذن واحد احد لا يغفل ولاينام. فقلت لها بان كل تنبؤاتها ممتازة ما عدا الانطلاق وراء الحدود فهو امر يثير القلق خاصة اذا كان هذا الانطلاق صوب المجاهل الافريقية، فتولى عبد المولى الشحاذ الاجابة بان كلام اهل النبوءة والعرفان ليس كلغة الناس العاديين التي تؤخذ بحرفيتها وانما لغة مفاتيح ورموز والحدود في هذه الحالة حدود الكدر والضيق والعزلة والظلم التي ستعبرها محلقا في افق الامان والحرية.
 رأيت فيما قالته نورية وما بذلته من جهد لاجلك، وما سكبته من عبرات حزنا عليك، شهادة لها بنقاء الروح التي لا سيطرة لاحد عليها، ام الجسد فهو ابن عالمه، يتصارع معه، ويغوص في المعارك ضد الظروف القاسية التي تواجهه، فتقهره هذه الظروف،او يقهرها، وفقا لقوة وشراسة هذه الظروف او ضعفها وهشاشتها، الا ان الروح، تستطيع مهما كانت الظروف ان تحتفظ بنقائها وقوتها وسموها، عصية على القهر والانكسار.
 وجاء عبد المولى هذه المرة في صورة جديدة. جاء يرتدي بذلة عربية نظيفة، ويعتمر طاقية حمراء مثل كبراء القوم، ويضع في قدميه صندلا انيقا، وقد ترك الاسما ل البالية التي لم يتخلى عنها الا اثناء سفره الى "اولاد الشيخ"، لانه يستخدم تلك الاسمال لاستدرار العطف، مع وجهه الذي يبقيه دون حلاقة وملامحه الشعتاء كجزء من ديكور البؤس،الذي يراه اكثر الناس بؤسا، فيحمد الله على ما اعطاه من نعمة مقارنة به:
- ما الذي حدث في الدنيا يا عبد المولى حتى تركت ما كنت ترتديه من خرق واسمال.
- تلك كانت عدة الشغل، التي لابد منها لمن يمتهن الشحاذة.
- وهل تريد ان تقول، انك تركت هذه المهنة.
- الفضل لله ولك انت يا ابن العم، فقد وضعت ما اعطيته لي فوق القروش التي اذخرتها على مدى الاعوام الماضية، واشتريت عربة يد ابيع فيها الخضروات والفواكه وتدر الخير والبركة.
- هذه معجزة ياسي عبد المولى، لان الشحاذ لا يترك الشحاذه حتى لو صار ملكا، الم تسمع عن الفتاة الفقير التي تزوجها ملك السند، واخذها الى عاصمة ملكه لتكون سيدة على بلاد، فكانت تتسلل متنكرة من القصر كل مساء لتمارس الشحاذة.
- انها مهنة ليست لنا رجال اولاد الشيخ، وكما تعلم فقد كنت اخفي نفسي كالمجرمين عن ابناء قريتي، اما الان فان اولادي يفخرون بانني تاجر جوال. لقد سافرت اول امس الى هناك للمساعدة في بيع صفقة فاكهة وخضار لاحد بقالي القرية، ورجعت بالامس بعد ان رايت اهلك الذين يبلغونك السلام، ولولا انني اخبرتهم بان الزيارات ممنوعة لكان جميع الناس قد جاءوا اليك. والدك يقول لاهل القرية بان الرجل الكبيرخاف على منصبه منك.
- يقصد بشير بيك الغرياني.
- لا يقصده، وانما يقصد من هو اكبر منه.
- انه نوع من الهديان يقوله ابي نتيجة احساسه بالصدمة فلا تأبه له، المهم انني لا اريد احدا من اولاد الشيخ ان يزورني في السجن، فقل لهم بانني سازورهم هناك قريبا ان شاء الله لانني واثق ان سجني لن يطول.
- سافعل. هل تريد اية خدمة اخرى من خارج السجن.
- ليس سوى احضار علبتين من السجائر واخفائهما داخل رغيف او رغيفين من الخبز.
 وعدا الزيارات فان ظروفك في السجن ظلت كما هي، ولم يظهر في الافق ما يوحي بان اقدارك تختلف عن اقدار بقية المساجين، ونصيبك من العقوبات يأتيك مثلهم، بما في ذلك عقوبة الفلقة، التي كانت اكثر هذه العقوبات مهانة وقسوة، ولو ان الحراس بعد ان عرفوا انك عسكري مثلهم، وانك تحل رتبة شاويش في الجيش، صاروا يضربونك باسلوب اكثر رفقا من الاخرين، وجربت ذات مرة ان تختبر كونك اكبر رتبة من الحارس الذي يتولى الضرب، فقلت له بلهجة آمرة، بعد ان افلحت في السيطرة على صرخات الامل:
- كفى ضربا اليوم.
 وكانت المفاجأة المذهلة حقا انه فعلا توقف عن الضرب قبل ان يصل الى نصف الضربات المقررة، وانتقل هو وصاحبه الى النزيل الذي يليك، وصرت تكرر اصدار الاوامر قبل بلوغ نصف الجلدات المقررة، وتتولاك الدهشة دائما وانت تراهما ينفذان تعليماتك التي صارت جزءا من روتين يخضعان له بطريقة لا ارادية.
 ورغم مهانة الضرب، والحرمان من الخروج للساحة احيانا، والحرمان من الطعام، الذي يستطيع البعض تعويضه بما قد يأتي من طعام عن طريق الزوار، فقد انتعش لديك الامل في الخروج، بعد فتح باب الزيارة لك، وصرت ترى يوم الخلاص قريبا كما تقول نبوءة المرأة الصالحة التي زارتها نورية في شارع ابي هريدة. ستخرج الى عالم جديد، غير االعالم الذي عرفته في كل اعوامك السابق، هكذا كنت تقول لنفسك وتعيد ليلة وراء الاخرى، وسط هذا الفراغ الموحش وايام السجن المكرورة الممرورة الخاوية، عالم جديد، لابد ان تضع لنفسك خطة كيف تواجهه وتسهم في تحديد معالم حياتك فيه، لانك لن تجد، بعد خروجك من السجن، وقتا كمثل هذا الوقت الذي يملكه السجناء. عالم جديد، تراه لاول مرة باعين انسان عاش تجربة السجن وعرف ما تعنيه الحياة خارجه، وهو لن يكون مثل عالمك الذي عشت فيه اثناء حياتك في القرية، الذي كان عالما قريبا من الفطرة، وثيق الصلة بالطبيعة، يختلف عن مجتمع المدينة وتعقيداته، وقد تباعد ذلك العالم واتسعت المسافة التي تفصلك عنه وتفصله عنك. كما انه لن يكون شبيها بالعالم الذي عرفته بعد ذلك عندما انتقلت الى المدينة وانضممت الى الجيش والتحقت بالعمل سائقا لدى السنيورة حورية واقتربت من اهل الحكم وشملتك لفترة قصيرة دائرة الضوء التي تصنعها السلطة، والتي احسست بها تدفئك، ثم يزداد الوهج حتى يصبح لهبا يحرقك، وقد تقطعت الان، الاسباب بينك وبين هذا العالم ايضا. انه عالم لم تتضح لك معالمه، ولا تعرف عنه شيئا سوى انه يختلف عن عوالمك السابقة، وحقيقة انك تخرج من السجن انسانا يختلف في رؤاه وتفكيره عن الانسان الذي دخل السجن، واكثر حرية، لانك لم تعد رهينة لجمائل احد او وساطته او سلطانه، ستعتمد على نفسك وتصنع بها ما تريده انت لا ما يريده الذين استخدموك، وتحاول توظيف حصيلتك من الخبرات والمعارف التي اكتسبتها خلال الفترة الماضية لصالحك، لا لصالح وظيفة او حكومة، ولا صاحب او صاحبة نعمة، فانت ومنذ اللحظة الاولى لخروجك من هذا السجن، بل وقبل خروجك منه، لن تكون موظفا لدي اية جهة، سوى جهة واحدة هي انت، وبهذا تجعل السجن، الذي ارادوه قمعا لك وقهرا لارادتك وتحطيما لمعنوياتك فعل تحرر وتجدد وانعتاق من الاغلال التي ربطتك بهم والظروف التي رهنت حريتك وارادتك لديهم.
 عندما جاء وقت الزيارة في اليوم التاسع او العاشر من وجودك في السجن، ورأيت مختار العساس وعياد الفزاني ومعهما امرأة لم تعرفها لانها احكمت اللحاف حول وجهها ولم يبق الا البانبوك الذي لا يكشف شيئا من ملامحها،اندهشت، لانك لم تتوقع مجيئهما ولم تتصور امكانية ان يصل خبر سجنك اليهما، بعد ان باعدت بينك وبينهما ظروف العمل والاقامة. كانت المراة ذات اللحاف المقفول، هي حواء، التي ما ان عرفت انها هي حتى صحت بها:
- اكان لابد يا حواء ان تأتي بنفسك الى هنا، ولديك رجلان يستطيعان حمل التحية عنك الى هذا السجن.
- وهل تهون العشرة الا على قليل الاصل.
- اصيلة دائما يا حواء.
 كانت حواء هي التي نقلت الخبر لمختار وعياد، بعد ان سمعت اشارة عابرة من سيدتها عن وجودك في السجن، دون ان تسمع منها شرحا عن دوافع وقصة هذا السجن، واتفقت معهما على زيارتك. اردت تهوين الامر امامهم، وهم يسألونك بلهفة عن السبب وراء محنة السجن، فاخبرتهم بانه مجرد عراك نشب بينك وبين الكومندان بشير بيك الغرباني، ادى الى هذه النتيجة المؤسفة، وان الموضوع في طريقه الى الحل قريبا، وعرفت منهم ان اشياء كثيرة تغيرت في بيت حورية خلال الشهر الذي مضى، وان هناك عنصرا جديدا دخل على المشهد الذي كنت تعرفه هانئا، آمنا، فافسده. اذ توتقت علاقة حورية بواحد من شباب الحزب الفاشي الليبي، عاش طفولته في ملجأ للايتام، وخرج منه لا يعرف له ابا ولا اما الا الحكومة الايطالية، ولا لغة الا لغة الايطاليين، وهو الذي عقدت عليه قرانها فجأة خلال الاسبوع الماضي. تظاهرت بانك لا تعرف شيئا عن خلفيات الموضوع، لان العساس والسائق لا يعرفان شيئا عن هذه الخلفيات التي كنت طرفا فيها، ولا احد غير حورية يعرف سر العلاقة الخاصة غير حواء، التي كانت شاهدة على ماجرى بينك وبين حورية، علاوة على انها تمثل لها اكثر من مجرد الدادة ومدبرة شئون البيت، وانما الاخت والصديقة وكاتمة الاسرار، وهي تعلم جيدا انك كنت مرشحا لاداء هذا الدور الذي اخذه الفتى المعجون من مادة لييبية أيطالية. تساءلت باندهاش:
- والباشا الكبير، هل استطاع الاستغناء عن حبيبة عمره.
 اجاب عياد الذي بدأ منزعجا مما يحدث:
- الحقيقة ان زياراته ازدادت هذه الايام، وما ان يأتي حتى يتسلل الولد هاربا، فلا يعود حتى يتأكد ان الباشا الكبير غادر البيت.
 واضاف بشيء من الغضب والمرارة:
- قدمت طلبا للتقاعد من العمل، لاعيش مع اولادي في مرزق، لان الحال لم يعد قابلا للاحتمال.
 وجاء تعليق مختار العساس يضيء جانبا لا تعرفه من جوانب العلاقة التي ربطت فجأة بين حورية وهذا الوافد الجديد:
- سي عياد عنده حق، ولو كنت مكانه لتركت العمل حقا، لان الرجل لا يحترم صغيرا ولا كبيرا، ولا يتكلم الا بلغة الضرب والشتائم، حتى السنيورة حورية لم تسلم من شتائمه.
- وما الذي يجبر السنيورة حورية على القبول به.
- معذور عندما تسأل هذا السؤال لانك لا تعرف.
 ثم نظر الثلاثة الى بعضهم بعضا وسكتوا. وقطعت حواء الصمت قبل ان يطول:
- والله الذي لا اله الا هو، ما كانت حورية لترضى بالنظر اليه حتى من الشباك، ولكن المسكينة مجبورة.
 ادركت انها متحرجة من ذكر السبب، فجازفت انت بالقول:
- مجبورة؟ لماذا؟ هل بسبب الجنين الذي في بطنها.
 لم تكن تعلم ان حورية حبلى، ولم تكن قد لاحظت عليها أي اثر او علامة لهذا الحمل، فهو بالتأكيد مازال في مراحله الاولي، او لعله ليس كذلك، واستطاعت ان تنجح في اخفاء هذه العلامات. الا ان الحاحها الشديد على موضوع الزواج، وبهذه السرعة القياسية التي تنشدها، جعلتك ترتاب في ان هناك ما هو اكثر من مجرد الرغبة في زواج يعطي الغطاء الشرعي والضروري لانجاب الاطفال مستقبلا. لان اول هؤلاء الاطفال، بدأ فعلا اول مراحل الوجود، يواصل نموه في رحمها، قبل ان يصل الزوج الذي سيكون ابا شرعيا لهذا الطفل.
 ورغم اللحاف الذي يغطي وجهها كان يحجب ما يرتسم عليه من تعبيرات، الا عينها التى ظهرت من كوة الرداء، جحظت حتى صارت في حجم الفنجان:
- وكيف عرفت؟ هل اخبرتك هي بذلك؟
- وهل هناك في الحمل اسرار؟ حتى لو اعتبرته سرا، فستظهر العلامات التي تكشف هذا السر.
- لا تقل هذا الكلام، فالله يعلم بمدى براءة ونقاء هذه المرأة.
- المهم انها تداركت الامر، فلا تظهر العلامات الا وهي في عصمة الزوج.
- اتمنى الا تكون حاقدا عليها، لان حورية جوهرة لمن لا يعرفها يا سي عثمان.
 ادركت انها تغمز من طرف خفي، فلم تشأ ان تتحدث معها بما تعرفه امام الرجلين. انتظرت حتى حان موعد انتهاء الزيارة، وقبل ان يغادروا باب الصالة، ناديتها لتستفرد بها قليلا بعد ان اخذت اذنا من الحارس:
- كان ما قلته تلميحا لشيء ما، فما هو؟
- هو انك لم تعرف حورية، ولهذا استهنت بها ورفضت عرضها.
- وهل تعرفين انني في هذا السجن بسببها؟
- انها بريئة من مثل هذه الاعمال، فهي ليست وراء سجنك لانها ارقى واشرف من ان تفعل ذلك، ولكنها طبعا لم تتدخل لحمايتك لانك خذلتها وتخليت عنها.
- وهل كان يرضيك ان اتزوجها ثم اركض هاربا من البيت عندما يأتي ذلك الرجل.
- كان الحال سيختلف، لانها احبتك انت، وتريدك انت، وكانت صادقة في ان تبقى مخلصة لك، وقد وافقت انت على ان تطوي صفحة الماضي، وتفتح صفحة جديدة، ثم اخلفت وعدك.
- وهل ظلت مخلصة لزوجها الجديد؟
- لانه ببساطة ليس زوجا، وليس رجلا، وليس اختيارا من اختياراتها، فقد جاء عارفا لماذا جاء، وسيقبض الثمن، ويرحل، لان سيدتي لا تكره احدا في الدنيا كما تكرهه.
- ارجو ان تبلغيها تحياتي.
- انت الذي تحيرني، لماذا وافقت وعاهدت ثم تراجعت وهربت.
- لام حورية لم تستطع ان تشرح لي كيف يمكن ان تقطع علاقتها بالرجل الذي ينفق عليها، ويواصل مع ذلك هذا الانفاق. اليس ذلك مستحيلا؟
- لو انتظرت قليلا كنت ستفهم، لان حورية كانت سفتح معك صفحة جديدة مبنية على الصفاء والثقة والصراحة والحب، وكانت على وشك ان تخبرك كيف ان الرجل سيستمر في الانفاق، لا بسبب العلاقة التي ستضع لها حدا، ولكن بسبب ثمرة العلاقة الماضية، أي هذا الجنين، الذي يعرف الرجل الكبير انه طفله، وسيواصل الانفاق عليه وعلى امه، حتى لو لم يستطع ان يعطيه اسمه، هل فهمت؟
 قلت لها وهي تستدير تجاه الباب:
- ابليغها اسفي لاي كدراكون قد سسبته لها.
- لا استطيع، لانني لم اخبرها ولن اخبرها بامر هذه الزيارة.
 لم تكن واثقا من ان ما قالته حواء يمكن ان يغير شيئا من الحقائق التي بنيت عليها موقفك عندما انسحبت من مشروع حورية ومن حياتها، بل ربما جاء هذا الكلام ليؤكد صحة الظنون والشبهات ويحيلها الى يقين. لن تشغل بالك بما اصبح ماضيا، فهي صفحة طويت وانتهى زمانها، ولن يفيد شيئا ان تبقي عقلك رهينة لاحداثها الميتة، وتستمر انت غاطسا في دخانها الذي لن يفعل شيئا اكثر من تعتيم الرؤية التي تريدها صافية، واضحة، لتسطيع ان تعرف جيدا، اين تضع قدمك عند دخول عتبات حياتك الجديدة. طبعا، لم يكن ممكنا ان تكون حورية شخصيا، هي التي امرت بسجنك او حرضت عليه، فهذه تدابير اجرامية، تحتاج الى طاقة من الشر لم تكن تملكها حورية، كل ما في الامر انها رفعت يدها عنك، وسحبت بردة الحماية والامان التي كان تسدلها فوقك، هذا كل ما فعلته ربة الحسن التي حبتك بحبها، ومنحتك رعايتها، واسكنتك في الدائرة القريبة من قلبها، وعندما اكتشفت انك غير اهل لهذه الرعاية والحماية، ادارت وجهها للناحية الاخرى وتركت لذئاب البراري، حرية الركض وراءك وافتراسك.
 دعك الان مما مضى وما سوف يأتي، وانظر لراهنك، والواقع الذي تعيشه في هذا السجن، ولتروض نفسك على قبوله كما هو، ولتحاول ان تجد حلا مع السجائر، وامتلاك كمية منها، تسهم في تحسين هذه الاقامة، حتى تنتهي، خاصة بعد ان عرفت ان السجاير ايضا هي اداة الرشوة التي يتعامل بها الحراس، وبموجبها يرفعون عنك الاذي ويتساهلون في عقابك، ويلبون طلباتك، ويقضون لك داخل السجن بعض المصالح التي لا يعاقبهم عليها القانون. كان عبد المولى قد جاء حاملا لك السجائر داخل رغيف الخبز. صارت معك الان علبة سجاير ايطالية فاخرة تؤمن بها مكانا افضل لنومك من الاستلقاء عند باب الزنزانة، وتستطيع ان تشارك في لعب الورق ان شئت، وتستطيع بكمية اكثر منها ان تفرض هيبتك واحترامك على بقية النزلاء، فالثروة هنا هي السجاير، ومع كل يوم يمر، تكتشف القوة السحرية لهذه اللفائف، الى حد انك اوصيت عبد المولي، بان يداوم على امدادك بها كل يوم، ومرت عدة ايام اكتشفت خلالها انه يمكن للنقود ايضا ان يكون لها نفس المفعول، وربما اكثر قليلا مع الحراس، وبعدد قليل من الليرات صارت الفلقة مجرد مداعبة فوق بطن القدم، لها فعل الزغزغة التي تجعلك تضحك بدلا من ان تبكي.
 كان طيف ثريا يأتيك كثيرا في النوم، و تفكر فيه خلال ساعات اليقظة، ربما كان السبب هو خروج حورية من حياتك،اوخروجك من حياتها، بهذا الشكل الحزين، مما جعل اللجوء الى طيف ثريا يمثل شيئا من السلوى، كما يتيح لك فرصة الهروب من اجواء السجن البائسة ووجوهه الكالحة وروائحه الكريهة. تستخدم قوة الحب، لاستحضار سماحة وجهها ونفحات عبير العنبر الذي تتعطربه، تحارب بهما كآبة الواقع الذي تعيشه. لم يكن ممكنا ان يعرف الحاج المهدي بسجنك، ولا يبعث كل افراد اسرته لزيارتك كل يوم. فهو بالتأكيد لم يعرف، وانت بوسعك، اذا اردت، ان ترسل اليه عبد المولى بكلمة عن سجنك، وستجد ثريا امامك في اليوم التالي مباشرة. انك لست مشوقا لان ترى احدا او شيئا في الدنيا اكثر من شوقك لرؤية عينيها. ولكن هل تراه مناسبا ان تأتي الى هنا لتراك وانت في هذا الواقع المهين. اليس من الافضل ان تصبر حتى ترحل هذه السحابة السوداء من فوق رأسك، لتراها في شروط اكثر ملائمة للحب الذي تحمله لها.
 ضحكت من نفسك وانت تحدثها عن حب مشنوق وامرأة كتبتها الاقدار لرجل سواك. ولكن القلب دائما يعمل بمعزل عن هذه الاعتبارات. انه مشدود لامراة اسمها ثريا، يستطيع ان يراها عندما يكون خارج السجن متى يريد، ويستدعي صورتها كلما اشتاق اليها وكفي.
 بين الكتابات الكثيرة الموجودة على حيطان الزنزانة، كتابات عاشق مر على هذا السجن، ونقش فوق كل جزء من الجدران الاربعة اشعار الشوق لحبيبته صالحة، التي يطلق عليها في كل قصيدة من قصائده، ربيع القلب، مع انه، كما سيعترف في واحد من ابياته، لم ير صالحة في حياته ابدا، فقد احبها من خلال الخاطبة التي رشحتها له كزوجة، وكان سيخطبها ويتزوجها لولا ان السجن حال بينه وبينها فزوجوها من رجل آخر، وكان هذا هو مصدر الحرقة واللوعة في قصائده. لقد صنع ذلك السجين ربيعا وهميا لقلبه، في اغوار هذا السجن، فكيف لا تحتفي انت بربيع قلبك، وهو ربيع حقيقي، متجدد، مونق، خصيب.
 كان الولد الذي حصل بجدارة على لقب مهرج الزنزانة، بسبب ما يقدمه من مشاهد ضاحكة، يصر ليليا على اعادة اغنية شعبية حزينة، يسميها النشيد الوطني لسجن الحصان الاسود، تقول كلماته:
ابكي معاي ياللي فيك دموع
ابكي معاي بدموع الدم
الناس تجلب وتجيب غنم
وانا اهو قاعد في الهم
جنب سواني الزعزوع
ياللي فيك دموع
ابكي معاي
 واقترحت عليه، من اجل احداث شيء من التنويع، ان يصنع الحانا، يقتبسها من الاغاني المشهورة، للقصائدة المنحوته عن صالحة فوق جدران الزنزانة، والتي صرتم جميعا تحفظونها، لانها طوال الوقت امام اعينكم، وسيكون جميلا ان تراها ترتدي ثوب الغناء والتلحين، وكانت سهرة ناجحة، لانه اختار الحانا خفيفة مرحة، اغرت الجميع بالرقص على ايقاعها، يراففونه بالتصفيق والضرب الايقاعي على الصحون:
 يا صالحة يا ربيع قلبي الغالي
يا واقدة نجوم الفرح في بالي
 يا صالحه تعالي لي
يا واقدة نجوم الفرح في ليلي
 دق الحارس باب الزنزانة غاضبا مهددا بالعقاب الذي سيطول كل نزلاء السجن، ولكن ورقة من خمس ليرات، تسللت اليه من تحت الباب، جعلته يختفي الليل كله، ولا يعود حتى صباح اليوم التالي.
 قد لايختلف اسلوب الناس في السجن او اخلاقياتهم، عن سلوكيات واخلاقيات الناس خارجه، الا ان النفوس هنا اكثر ضعفا وهشاشة والارادة اكثر قابلية للانكسار وما يبدو كبيرا عزيزا خارج اسوار السجن، كالكبرياء والكرامة والصدق والامانة والشرف والنزاهة، يمكن بسهولة ان يتحول لشي لا اهمية له داخل الاسوار، ولهذا صار ممكنا ان تكون للسيجارة كل هذه القوة، وصار ممكنا بالنسبة لك ان ترى فيما رفضته وانت خارج السجن، شيئا لم يكن يحمل من المهانة ما يستحق الرفض، فماذا لو انك قبلت ما عرضه عليك الكومندان، عندما ارادك تابعا لتابعه فوزي؟ الم تكن بهذا القبول قد جنبت نفسك الاذى الذي جاء بعد ذلك، فما الذي افادك هذا الرفض الارعن المتهور الذي لا معني له.
 كنت قد خرجت في موعد الزيارة للقاء عبد المولى، تتلقى منه عبر قضبان الحديد، تموينك من السجاير المخبأة في ارغفة الخبز، عندما جاءك احد ضباط السجن، يبلغك بوجود زائر يريد ان يراك الان. وقفت في مكانك خلف السور ترنو الى باب الصالة الذي يدخل منه الزورا، متوقعا ان ترى هذا الزائر الذي تفضل الضابط بالاعلان عنه وهو لا يزال في الشارع. ولكن الضابط اشار عليك ان تتبعه، لان الزائر موجود في مكتب مدير السجن. سألت عبد المولى ان ينتظر، فربما استطعت ان تعود اليه قبل انتهاء موعد الزيارة، وذهبت لتجده في انتظارك، هو ولا احد غيره، الرجل الذي تشير كل الدلائل انه كان وراء وجودك في السجن، الكومندان بشير بيك الغرياني، بلحيته التي اختلط بياضها بسوادها، ووجهه العريض، المائل الى الاحمرار، الذي ينضح بدهن الصحة والعافية، وبذلته العربية الكاملة، والبرنس الذي احتوى هذا الهيكل الكبير وعطاه مزيدا من المهابة، بلونه الزيتي الجميل. كان جالسا على احد كراسي الصالون في الغرفة الكبيرة، الواسعة، التي بدت لك اكثر اتساعا من حقيقتها، وسقفها اكثر ارتفاعا، وجدرانها اكثر نظافة والتماعا وجمالا، وكان ابهي شي ء في المكتب هو ذلك الشباك المفتوح على فضاء بديع عامر بخضرة الاشجار وزرقة الافق، الذي تراه الان بعينين اعيتهما اجواء الزنزانة، الضيقة، الخانقة، الكريهة.
 اراد صاحب المكتب ان يغادره ليعطي للكومندان فرصة ان يتكلم معك على انفراد، الا ان البيك طلب من مدير السجن ان يبقى، واشار اليك بيده التي تحمل مسبحة الكهرمان المضيئة، ويزين احدى اصابعها الخاتم الكبير، ان تجلس، فجلست على الكرسي المقابل، تستمع اليه.
- لا تظن يا ولدي اني اردت بك شرا. او انني سعيت لجلب الضرر لك، فالظلم ليس من طبعي , عملي هو رفع المظالم عن الناس لا تعريضهم للظلم، وافرح كثيرا عندما اجد شابا من اهل البلاد، يثبت للايطاليين ان العنصر الليبي، صاحب فطنة وذكاء، وانه جدير بالثقة وتحمل المسئولية
ولذلك..
 قاطعته بشيء من الحدة:
- ولذلك انا في السجن.
- لا تقاطعني ارجوك، فهذه العصبية الزائدة عن الحد هي التي ادخلتك السجن، لانك اخطأت عندما رفضت الامتثال للتعليمات ومواصلة العمل في مكتب الشكاوى كما ابلغتك. الوظيفة ليست دكانة تملكها وتحتفظ بها مدى الحياة. انها شأن من شئون الحكومة، وللحكومة حق ان تضعك اليوم في هذا الموقع، وغدا في موقع آخر، دون ان يكون في ذلك ما يوجب الغضب والاحتجاج، لانه قاعدة تسرى على كل من يعمل في الدولة من الحاكم العام الى السعاة والفراشين.
- من حق الانسان ان يستقيل.
- انك مازلت صغيرا على مثل هذا الكلام. تستقيل لتذهب الى اين؟ وتستقيل لماذا؟ ثم انك منخرط في الخدمة العسكرية، وهي لها قواعد وشروط تمنع الاستقالة قبل انتهاء المدة القانونية.
 ثم وقف متكئا على عصاه، استعدادا لمغادرة المكتب:
- جئت لاقول لك ان تأخذ حذرك في المرة القادمة، وان تبتعد عن التهور، وتلتزم بالتعليمات ولا تكن حرونا عنيدا، لان ذلك لن يكون لصالحك. لقد منعت الموضوع من ان يتطور، و اوقفته عند هذا الحد، رحمة بك، وباهلك في اولاد الشيخ، الذين جاءوا الى بيتي يرجون تدخلي لانقاذك من السجن والمحاكمة.
 وقبل ان تسأله عمن جاء الى بيته من اهلك في اولاد الشيخ، ابلغك بلهجة رسمية ان هناك قرارا صدر من قائد الاركان بانهاء ندبك واعادتك لعملك العسكري، وستخرج من هذا المكان فور انهاء الشكليات.
 خرجت لتجد عبد المولى مازال باتظارك اما شباك الحديد. انتهى موعد الزيارات، الا انه احتج لدى شرطة الحراسة بان حقه في الزيارة اغتصبه السيد مدير السجن الذي استدعاك لمكتبه، فضحكوا من هذا المنطق الغريب، وسمحوا ليه بالبقاء بضع دقائق بعد الوقت. اخبرته بانك ستعفيه من مهمة جلب السجاير لانك ستخرج قريبا كما ابلغك الكومندان بشير بيك. بسط ذراعيه امام القضبان كانه يحاول احتضانك، وتهنئتك بالافراج القريب، وقال تعليقا على زيارة بشير بيك:
- شكرا له ولعنة الله عليه.
- ولماذا تخلط الشكر باللعنة.
- استحق الشكر لانه جاء ينقل لك خبر الافراج، واللعنة لانه هو الذي كان وراء سجنك.
 لم يفته ان يذكرك، قبل انصرافه، بما يجب عليك عمله فور خروجك من السجن، فهناك الحفل المؤجل الذي ستقيمه حورية وصاحباتها في بيتهم الجديد، والذي يتوقف على اشارة منك،حتى لو اردته مساء اليوم، ثم الرحلة الى اولاد الشيخ، وفاء للوعد الذي قطعته على نفسك بزيارة الاهل حال خروجك من السجن.
 اردت ان تساله عمن ذهب من اهلك لزيارة الكومندان، الا ان السؤال خطر لك متأخرا بعد ان اتجه عبد المولى الى الباب، فكان سهلا ان يتظاهر بانه لم يسمع السؤال، لكي لا يعود ويدخل معك في نقاش حول خطأ ما حدث او صوابه، لان النتيجة تحققت، وهي صدورالامر بالافراج عنك.
 ذهب عبد المولى لابلاغ من يجب ابلاغه بانك في الطريق الى الخروج من السجن، وجاء في اليوم التالي مبكرا يستفسر من ادارة السجن عن موعد الخروج، وحان موعد الزيارة، فوجدته، يقف بانتظارك، قلقا، متوتر الاعصاب، لانه لا يرى سببا لهذه المماحكة والممطالة، او سببا يمنعهم من اخباره بساعة خروجك ليقوم بابلاغ الاهل والاصدقاء الراغبين في استقبالك على باب السجن. فسألته بالا يفعل ما يفعله بعض الموسرين والتجار الذي يدخلون السجن ويخرجون منه، فيقيمون بمناسبة خروجهم احتفالا صاخبا، ويعمدون احيان الى نحر الخراف واحضار من يعزف المقرونة ويضرب الطبلة وسط حشود المستقبلين عند بوابة السجن، فحالك لا يماثل حال اولئك الناس، وسجنك لم يكن الا حدثا عرضيا، تريد ان تعامله باهمال، وتمحوه من سجل حياتك كأنه لم يحدث اصلا، لا ان تقوم باشهاره والاعلان عنه، وبدلا من الانتظار والسؤال عن ساعة الافراج، فان الافضل له ولك، ان يذهب للاعتناء بعمله، وبيع الخضروات والفواكه التي بحوزته قبل ان يلحقها الفساد، وسيجدك بعد خروجك، بانتظاره في فندق الكبران، كما سيجدك هناك كل من يريد ان يراك من الاهل والاصدقاء، لانك لا تريد ازعاجهم بالمجيء الى هنا والتجمهر امام باب بالسجن كما كان يقترح.
 ذهب عبد المولى متأففا، متكدرا، كأنه يقول، اصنع بنفسك ما تشاء، لان كل اما اراده هو ان يقوم بالواجب حسب الاصول المتعارف عليها بين اولاد البلد. الا ان ما حدث بعد ذلك، جاء مخيبا للامال، متناقضا مع ما ابلغك به الكومندان في حضور مدير السجن، فالافراج الذي انتظرته في اليوم التالي لزيارة الكومندان، لم يتحقق، ومر اليوم دون ان يحدث شيئا، ثم الثالث، وهاهو اليوم الرابع قد جاء دون اشارة او عبارة تفيد بقرب هذا الافراج، مما جعل عددا ممن ذهبوا يبحثون عنك في الفندق يأتون صحبة الكبران يراجعون ادارة السجن ويسألون عن سبب التأخير، بينهم عبد المولى واكثر من قريب من اولاد الشيخ، وكان لابد ان يحدثوا ضجيجا عاليا لكي ينتبه مدير السجن، لوجودهم، فيستدعيك الى مكتبه، ليقول لك بلغة ايطالية مهذبة، غريبة عن لغة التعامل بين الادارة والمساجين، بانك لم تعد سجينا، لان قرار اطلاق سراحك قد صدر فعلا، وانك تستطيع اذا اردت ان ترتدي ملابسك العادية، وتسترد ما لديك في المحفوظات من اغراض شخصيةاخذوها منك كالنقود والساعة وغيرها، وان تستقبل ضيوفك في أي وقت تشاء، وان يأتيك من خارج السجن أي طعام تريد، وان يكون لك حق مغادرة الزنزانة الى الساحة في أي وقت يناسبك، ولن يتم تطبيق العقوبات التأذيبية عليك، كالعقاب البدني بالفلقة، او الحبس الانفرادي، او الحرمان من الطعام، الا انك لن تستطيع مغادرة السجن الان.
 وقبل ان تسأل بحرقة واستغراب وغضب عن السبب، افادك بان هناك امرا يقضي بالتحاقك بدفعة المجندين التي ستسافر قريبا الى الحبشة، وانك ستذهب مباشرة من السجن الى السفينه، التي ستغادر طرابلس يوم الخميس القادم، أي بعد اربعة ايام من الآن. لم يكن هناك جدوى من محاولة الحصول على اية توضيحات منه، كل ما يعنيه، ويدخل في اختصاصه، هو تنفيذ التعليمات بحزم ودقة. وعندما سألته عن جدوى قضاء هذه الايام الاربعة بين جدران هذا السجن بدل ان تعيشها مع اهلك خارجه، احسست بمجرد ان فرغت من قول السؤال، انه سؤال لا معنى له، لان الهدف من هذا القرار واضح لا لبس فيه وهو ان يقطع عليك اية فرصة للهروب او استجداء العفو، وتسليمك كالعهدة الى سفينة شحن الجنود، وقبل ان يجيبك اصدر الهاتف فوق مكتبه رنينا عاليا مزعجا، اقتضاه ان يرفع السماعة ويشير اليك بما يفيد انتهاء المقابلة. خرجت من مكتبه ووقفت. انت الان حر داخل السجن. تستطيع ان تقف امام مكتب المدير كما تشاء، او تجلس اذا اردت. تستطيع ان تمشي. او تتكيء على الجدار. او تتمدد فوق زليج هذا الرواق، فانت حر داخل السجن. يمكنك ان تعود الى الزنزانة او لا تعود. تأكل او لا تأكل. تشرب او لا تشرب. تتكلم مع نفسك او مع الاخرين. تغني او تمتنع عن الغناء. تحجل على قدم واحدة او ترقصة الغزال في الصحراء، وتفعل ما لا يستطيع أي سجين آخر ان يفعله لانك حر داخل السجن. وهضاب الحبشة تلوح الان قريبة، قريبة. انها اقرب اليك من أي مكان آخر في طرابلس. اقرب اليك من السرايا الحمراء،و زنقة الريح، وجامع الباشا، وكوشة الصفار، وسيدي عمران، وجامع قرجي وميدان الساعة ومقهى االميرامار. وهي بالتأكيد اقرب اليك من فندق الكبران الذي جعلته نقطة اللقاء عند خروجك من السجن، لانه لم يعد هناك لقاء تذهب اليه في ذلك الفندق، ولا غرفة هناك تستطيع ان ترنو للنوم فوق سريرها الهزاز. انتهى عالمك الليبي الطرابلسي، وبزغ عالمك الجديد في بر الحبشان. هضاب اثيوبيا اقرب كثيرا جدا من قرية اولاد الشيخ، التي تتوارى الان خلف دخان المعارك التي تنتظرك في موطنك الجديد.
 لا احد يستطيع ان يهرب من قدره، وما سطرته الملائكة فوق الجبين لابد ان تراه العين، كما تقول الجدات والامهات، فلماذا يكذب الناس على انفسهم، ويخدعونها، ويحاولون الهروب، مما لا مهرب منه الا اليه.
 خرجت لزائريك الذين ينتظرون عند الحاجز الحديدي في صالة الزوار، وفاجأتهم بان تركت الجانب الذي يقف فيه المساجين وخرجت خلف الحاجز قائلا لهم ما قاله لك مدير السجن، من انك انسان حر، طليق، ولكن داخل السجن، وافهمتهم ان الاوامر صدرت بالا تخرج من السجن الا الى السفينة الذاهبة الى بلاد الاحباش لتلتحق بمن بقي على قيد الحياة من ابناء دفعتك، وان موعد السفر يتناسب تماما مع موعد الاعراس واحتفالات الزفاف، فهو يوم الخميس القادم باذن الله.
 فاجأ الخبر عبد المولى والكبران ومندوبي العائلة، الذين ظلوا يحدقون في وجهك غير مصدقين ما تقول، اذ كيف لمن كان يظن انك حقا الرجل الثاني في البلاد، ان يصدق انه يمكن ان يخسف بك الىحضيض المجندين المبعوثين لملاقاة حتوفهم في حرب الحبشة. نعم، انت سجين الان، او كنت سجينا، فهذا يحدث نتيجة صراع القوة بين ارباب المراكز العالية في السلطة، اما الحبشة،التي يأنف من الذهاب اليها حتى ابناء الخدم، فيهربون ويتسللون خارج الحدود لكي لا يقعوا في مستنقعاتها، فهي بلا شك موضوع غير البقاء في السجن لبضعة ايام، حيث لا قوة ولا مراكز ولا صراع ولا سلطة ولا دوائر عليا، وانما حضيض الحضيض من البؤس ومهانة الموت في الاحراش حيث تبقى الجثث فرائس للضباع. كان الكبران اكثر الموجودين احساسا بالصدمة، اذ لم يصدق ان الرجل الذي رآه اهل المدينة يعمل مرشدا ودليلا للحاكم العام، ينتهي به الامر الى هذا المصير.
 قال محاولا ان يتشبت باية قشة تنجيه من السقوط في لجة اليأس وهو الذي بنى امالا عريضة على صداقته معك التي رآها طريقا سالكا، آمنا، يقود مباشرة الى قصر الحكومة.
- هل انت واثق ان صديقك الحاكم العام على علم بما يحدث لك.
 قلت له قبل ان تنسحب عائدا داخل السجن للبقاء قليلا مع نفسك:
- قرارات الالتحاق بالحرب، مثلها مثل قرارات التأجيل والاعفاء لا تصدر الا من الحاكم العام.
 ايام اربعة تفصلك عن يوم السفر، تراها اسوا من خبر ارسالك للحرب، لانه ليس امامك ما تفعله سوى الانغماس في الهواجس السوداء التي تصاحب التفكير في المصير الغامض المجهول الذي يسوقونك اليه. الوقت يمر ثقيلا، وهكذا كان حالك منذ ان دخلت الى هذا السجن، الا انك الان وبعد ان تحدد مصيرك، تريد ان تستعجل الذهاب الى هذا المصير مهما كان مخيفا، فذلك افضل من زمن الانتظار، الفارغ، المميت، الذي لا قيمة له ولا معنى، والذي تراه عائقا دون الوصول الى نقطة الانطلاق نحو المجهول.
 صار بامكانك ان تترك الزنزانة مقفلة على قاطنيها وتخرج الى الساحة للتتجول هناك وحيدا، تطوف بتمثال الحصان الاسود، وتتحار معه اذا شئت عله يعطيك فكرة عما شهده من احداث في هذا السجن، مثل احداث التمرد الذي قام به النزلاء في احدى الاستراحات واستولوا على سلاح الحراس وجاءت كتيبة من الجيش ترمي بقذائف المدفعية المتمردين وتقتلهم هم وحراسهم، وقيل ان الحصان الاسود نفسه، الذي احتمي به المتمردون استهدفته القنابل وسقط لاول مرة فوق الارض،الا انهم اصلحوا ما به ما اعطاب وجراح واعادوه، وهو بالتأكيد اصلح شاهد لمعرفة ما اذا كانو حقا قد حفروا حفرة في هذه الساحة لجموع الفتلى من المتمردين وجعلوها قبرا جماعيا لهم. وها انت الان تمشي وحيدا فوق جماجم وهياكل اولئك الموتى، لا يرافقك سوى ظلك، ولا تتناهي اليك سوى وقع احذية العساكر وهي تضرب الارض في اروقة الادارة، او فوق سطح السجن وابراج المراقبة، وقد تلاشى البكاء والانين الذي لا يظهر الا اثناء الليل، والذي سالت عنه كل الناس في السجن من نزلا ء وحراس على ان تعرف مصدره، فلم تعرف، انهم اناس يعذبون ولكن اين ومن هم، بعضهم يقول بان هناك انفاقا تحت الارض مخصصة لسجناء سياسيين، وبعضهم يقول انهم خصوم الدوتشي، يرسلهم من روما ليلاقوا حتفهم تحت التعذيب في انفاق هذا السجن، ولكن لا احد يعرف الحقيقة، والبكاء والصراخ المكتوم البعيد الحارق، يتصاعد طوال الليل، ولا يغيب ليلة واحدة، حتى تآلف معه السجناء، فلا ينامون الا على ايقاع هذا الانين والبكاء، هناك نوع اخر من البكاء والانين، له هو الاخر توقيته الصباحي، معروف مصدره، هو الناتج عن حصة الفلقة التي يتلقاها كل النزلا ء في ايام متعددة من الاسبوع، وكنت انت ايضا شريكا في الجوقة التي تعزف هذا النشيد الصباحي الحزين، الا ان دورك الان تضاءل فلم تعد شريكا وانما مجرد مستمع. والحصان المعدني الاسود، الذي اعطى اسمه لهذا السجن، وصار رمزا له وعنوانا، يقف فوق منصته العاليه وحيدا، يتأمل الكون، ويلمع حديده الاسود تحت شمس الصباح، ويمد قائتيه الاماميتين في الهواء، متأهبا كي يقفز في المجهول، لكنه يقف صامتا في هذه الوقفة المتأهبة، فلا يكملها، كأنه خائف على نفسه من هذا المصير، ولامر ما، تشعر بدرجة من التوحد والاندماج مع وحدته وغربته وحيرته ازاء مصيره المجهول.
 حدث اكثر من مرة ان تناهى اليك صوت المؤذن، وانت في الساحة، في اوقات الظهر او العصر او المغرب، فقد صرت تخرج للساحة كثيرا، لمجرد ممارسة هذه الحرية التي لا يملكها بقية النزلاء، فتتخذ مكانا بجوار التمثال وتتجه صوب القبلة لاداء الصلاة، وقد ايقظ الاذان في ذهنك روابط وعلاقات وصور ومشاهد ربطتك بهذه المدينة التي تغادرها يوم الخميس القادم، ولا تدري اذا كنت ستعود اليها ام لا تعود. تفرغ من الصلاة، وتتساءل بينك وبين نفسك، اوبينك وبين الحصان البرونزي، ان كان هذا هو الوداع الاخير لهذه المآذن، وهؤلاء البشر وهذا الوطن بمفازاته الرملية الشاسعة وواحاته التي تتناثر بقعا خضراء فوق المتاهة الحمراء، لتتوى عظامك في احدى الفجوج البعيدة لافريقيا السوداء. هل هذا هو آخر عهدك بهؤلاء الاهل والاصدقاء الذين صاروا يفدون اليك باعداد كثيرة كل يوم ويقيمون المناحات في قاعة الزوار، فتخرج اليهم وسط القاعة وتلتقي بهم دون حواجز، تصافحهم وتتبادل معهم الاحضان والقبلات.
 لم يكن غريبا ان تبكي امك هذا البكاء الحارق القوي الذي يهز حيطان السجن، وانما الغريب هو ان ترى والدك، الذي لم تشاهده يبكي قبل الان، يدرف الدموع غزيرة وهو يحيطك بذراعه ويأخذك الى حضنه ويعبر عن هذا الفيض من العواطف وهو الذي كان حريصا في كل المناسبات على ان يبدو قويا، قادرا على حبس دموعه وكبح مشاعره، في اكثر المناسبات حزنا التي شهدتها مع العائلة، في طفولتك وصباك، بما فيها موت اعمام وعمات، هم بالنسبة له اخوة واخوات. ولم تستطع انت ايضا ان تقاوم الرغبة في البكاء، فصرت انت ايضا تذرف دموعا اكثر غزارة من دموعه وانت تدرك لاول مرة ان لوالدك كل هذه العواطف نحوك التي لم يكن يظهرها لك. واخرجت امك حجابا قالت ان الفقي عبد الله، اعده خصيصا لك، وكتب فيه التعويذه التي تسخر الملائكة لحراستك، وعلقت الحجاب في عنقك واوصتك الا تخلعه بالليل والنهار.
 لم تشأ ان ترد عليها ما جاءت به من قديد وكعك وسويق ممزوج بمسحوق الحلبة ومعجون بالزيت والتمر. اخذته منها، ورجوت بعد خروجها عبد المولى ان يأخذه، لانك لن تذهب الى السفينة محملا بهذه الصرة التي تفوح منها رائحة الحلبة وشرائح اللحم المقدد، خشية ان يرمي بك قبطانها في البحر.
 جاءت نورية وصاحباتها، بمن فيهن شريفة،سيدة البيت البدينة، التي كانت دائما في استقبالك، جالسة في غرفة السقيفة بالبيت القديم بزنقة البهلول، كما هي لم تتغير، تنهج تعبا، وتصدر شهيقا وزفيرا عاليا، حتى وهي واقفة لا تفعل شيئا. جئن واحضرن معهن لحم الذبيحة التي كانت تنتظر حفل خروجك، فذبحت اليوم، وملات هبر اللحم المذبوح طنجرتين، تم توزيع كل منهما على الحراس، والسجناء الذين تصادف وجودهم في قاعة الزويارات، هم وضيوفهم، واخذت بعضا منه لرفاق الزنزانة، وبعكس الزيارت الاخرى التي يلونها الحزن، كانت هذه الزيارة الوحيدة المليئة بالمرح والدعابات، وخلقت قدور اللحم جوا احتفالبا شارك فيه الحراس انفسهم الذين كانوا ينهبون اللحم من بعضهم بعضا ويطارد بعضهم الاخر ليسترد ما نهب منه، ولم تسمح لنورية ان تفسد هذا الجو بالبكاء، فقد اخرجت منديلها وبدأت اولى شهقاتها، فرجوتها الا تفعل، لانك تريد ان تحتفظ بصورتها في ذاكرتك، وانت تذهب الى الحرب، باسمة، جميلة، لا باكية حزينة، تفسد ملا محها الدموع. وقبل انتهاء الزيارة، اخذتك السيدة البدينة جانبا، واعطتك هدية، رات انك ستحتاجها اكثر من أي شيء آخر في الايام القادمة المليئة بالاعمال الحربية، وهي علبة معدنية من غبرة المسك. رأتك تمسك العلبة حائرا لا تعرف شيئا عن استعمالا ته، ولا تدري لماذا ربطت بينه وبين العمليات الحربية، فافهمتك انه مسك من النوع الاصيل المستخرج من اكباد الغزالات، الذي لا تصمد اية رائحة مهما كانت كريهة امامه فهو يزيلها وينشر عبيره في مكانها، لانه ليس من تلك الانواع المقلدة الرخيصة التي تملأ السوق، وانك لن تجد شيئا افضل من غبار المسك الحقيقى تحارب به رائحة الموت، ولم تقل شيئا يفيد انك مازلت لم تفهم قصدها بالضبط، الا انها رأت ان علامات الحيرة لم تختف من جبنيك، فواصلت الحديث قائلة بان المجاهدين انفسهم كانوا يستخدون هذه الغبرة لحفظ كرامة موتاهم، اثنا ء المعارك، أي عندما يتعذر نقلهم ودفنهم، فكانوا يدرون غبار المسك عليهم، لتبقى رائحتهم زكية عطرة حتى تبلى عظامهم، وان هذه الغبرة هي اهم عنصر من عناصر الحنوط الذي يدخل في تطييب الموتى من الاكابر والعظماء.
 ورغم ما يبعثه حديث الموت من كآبة، وما تثيره الاشياء التي تتصل به من رهبة وتخوف،الا انك اخذت منها العلبة باسما شاكرا لها هديتها، مقدرا لها شعورها النبيل الذي يدعوها لللاهتمام بكرامة الموتى الليبيين من ضحايا الحرب في الحبشة.
 وخطر لك عندما عدت الى الزنزانة، ووجدت علبة المسك في جيبك، ان تجرب مسحوقها في محاربة الرائحة الكريهة التي لا تزال عالقة بسقوف الزنزانة وجدرانها، وكانت النتيجة مبهرة، فما ان قبضت باصبعيك على كمية ضئيلة منها، ورميت بها في فضاء الغرفة، حتى نشرت عرفا طيبا ازال ما كان يملأ الجو من رنخ وعفونة.
 وعندما جاء الكبران لزيارتك، ابى ان يأتي دون ان يحضر معه جهاز الحاكي، الذي رآى أن واجب الصداقة يفرض عليه ان يعيده اليك، وحيث انك مسافر الى تلك المجاهل الافريقية الموحشة، فلابد انك ستحتاج الى جهاز مثل الحاكي، يكون مصدر تسلية ومؤانسة لك. واختار ان يضع فيه اسطوانة تحمل اغنية شعبية تناسب المقام هي "فتنا النخل والديس وتعدينا، لحقنا الندم ياريتنا ولينا ".
 وقد اطلق الحاكي يلعلع وسط اجواء السجن،غير عابىء بما يمكن ان يقوله الحراس، لا انهم لم يقولوا شيئا، فقد جاء من كان مناوبا منهم في الساحة، ينضم الى الموجودين في قاعة الضيوف، يسمع الاغنية التي تذكره باجواء اخري تركها وراءه في الارياف التي جاء منها.
 ورغم جو المرح والتهريج الذي خلقه الكبران ورفاقه الثلاثة من اعضاء الشلة الذين جاء بهم معه، قائلا بطريقته الفوضوية، بانهم جاءوا لوداعك ظاهريا، اما الحقيقة فانهم جاءوا لوداع الحاكي، الذي يفارقونه بعيون دامعة. رغم هذا الجو الضاحك، لم تستطع ان تمنع عبراتك من النزول وانت تستمع الى هذه الاغنية الحزينة، وكلماتها الموجعة،المؤلمة، ولحنها الشعبي المورزقاوي الذي ينساب صافيا رقراقا كالغدير، و التي تصور قسوة الرحيل. توقف تهريج الكبران واصحابه واراد ان يوقف الاغنية فسالته ان يتركها حتى تنتهي. جففت دموعك بعد انتهاء الاسطوانة، واردت ان تعود الى جو المرح، فقلت للكبران انك ترد اليه الحاكي، بشرط الا يتركه دائما يردد الاغاني القديمة التي رددها عشرات المرات الى ان يصيبه الضجر فيتوقف عن العمل، وان يعمل على تزويده بالاغاني الجديدة التي تنزل السوق. وسالته ان يحتفظ بالحاكي كتذكار منك، فادعن مرغما لرغبتك واضعا شرطا لقبول الهدية:
- ساحتفظ به ليس كتذكار وانما كامانة تستردها عندما تعود قريبا ان شاء الله.
- ان شاء الله.
 نعم، لانه لاشيء في الدنيا خارج هذه المشيئة الالهية، ولها وحدها حق اتخاذ القرار فيما كنت ستعود او لا تعود.
 وكانت ثريا، التي لا تشبه شيئا غير اسمها، هي آخر من جاء، صحبة امها واخيها، حاملة تحية والدها ورسالة شفهية منه، وهي الا تستاء من شيء كتبه الله لك، وتحاول ان تسخره لصالحك حتى لو كان سجنا وذهابا للحرب، لانه هوالقائل " وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم" ، اذ ما اكثر ما كانت التجربة القاسية فرصة لاختبار قوتنا وتعزيز الثقة بانفسنا، دون ان تنسى وانت ذاهب الى الحرب، بان الاعمار بيد الله، وانه لا احد في هذه الدنيا يموت ناقصا عمرا.
 افرحك مجيئها، واشاع في نفسك شعورا بالطمأنينة والامان، وقفت قبالتها محاولا ان تحتوي ما يفيض به وجهها من عذوبة وشفافية، وان تستمد من وهج عينيها دفئا لاعماقك المقرورة خوفا، وان تستمد منها ضوءا يزودك بطاقة جديدة تعينك على اعباء الرحلة المرة القاسية التي تنتظرك. اعتذرت لامها عن صرة الاطعمة التي تشبه صرة امك، تريدك ان تحملها لصهرها فتحي، متحججا بانهم يرفضون ادخال مثلها الى السفينة، ووعدتها بانك ستبحث عن فتحي حتى تلقاه، وترسل من هناك رسالة تبلغهم فيها باحواله، واحوالك، مع صورة شمسية لكما على ضفة احد الانهار، تشربان حليب جوز الهند. قلت هذا الكلام لتخفف عن المرأة المسنة قلقها على صهرها، وترسم لها صورة اخرى غير صورة الحرب.
 ندمت على شيء واحد، هو انك لم تنتهز فرصة خروجك منفردا مع ثريا، فتأخذها الى احد المصورين الطليان، من اجل صورة تذكارية تكون زادا لك في تلك البلاد البعيدة. تمنيت لو استطعت احتضانها، ولان ذلك كان مستحيلا في مثل هذا المكان، وفي حضور امها واخيها، فقد اكتفيت بان امسكت بيدها واستبقيتها لحظات في يدك، مستمتعا بلذة هذا التواصل الحسي، وما ترافقه من متعة روحية تسكب قطراتها في صدرك بردا وسلاما.
 احضر لك عبد المولى من غرفتك بالفندق، حقيبة احتوت بعض الامتعة التي تحتاجها في السفر، واودع ما تبقى لدى اسرتك، وجاء، في صباح يوم الخميس، اثنان من جنود البحرية، لاخذك في سيارة عسكرية الى الميناء، واصطحابك عند دخول السفينة، وحتى تسليمك لاحد حراسها، فلم يعودا حتى جعلاه يضع توقيعه على الورقة التي تفيد باستلامك منهما.
 كان المشهد مؤثرا وانت تجد هذا العدد الكبير من الاقارب والاصدقاء، من رجال ونساء، جاءوا لوداعك، وكان الفضل لعبد المولى في ابلاغهم بالموعد وتجميعهم على هذا النحو بمن فيهم الشيخ البلبال الذي وجدته يقف قريبا من سلم السفينة منذ وصولك اليها وفي يده قطعة طويلة من جريد النخيل يغطيها السعف الاخضر، فتفاءلت بوجوده بين المودعين واقبلت تشكره وتحييه، الا انه حاول ان يمازحك بطريقة اثارت حنقك قليلا، عندما رفع قطعة الجريد، وانت تصعد السلم، وظل يضربك بها على ساقيك وقدميك، ولم ينقذك الا وصولك اثناء الصعود الى مستوى اعلى مما تصل اليه جريدته، دون ان تدري ان كان معنى هذه الحركات مباركة لك او تعبيرا عن غضبه منك، اذ من تراه يستطيع ان يعطي تفسرا لافعال درويش مثل الشيخ البلبال؟ اسعدك كثيرا ان ترى الحاج المهدي، قد جاء راكبا عربة الحنطور، وظل جالسا بها يلوح لك بيده مودعا، ولم تكتف نورية هذه المرة بجلب صاحباتها وانما احضرت ابنتها ورده، ذات السنوات السبع، وصارت ترفعها فوق رأسها لكي تراها، وقد قفت جنبها نساء لا تعرفهن وخمنت انهن من نساء سيدي عمران ممن حصلن على البيوت الجديدة اثر تلك الزيارة، وراين في ذلك معروفا اسديته لهن وجئن يكافئنك بهذا الوداع، بينما وقف حول الكبران اناس لا تعرفهم، يلوحون لك بايديهم، فتذكرت ما سبق ان قاله عن وجود اناس من اصحاب الشكاوي، ممن استجابت الحكومة لشكاواهم التي اعطوها لك، وهم يبحثون عنك ليعبروا عن مشاعر الامتنان والعرفان بالجميل. وقريبا من السلم ن وقف والدك، مع عدد من ابناء البلدة، ينظرون باستغراب لهؤلاء النسوة الطرابلسيات اللائي جئن لوداعك، غير قادرين، فيما يبدو، على تفسير او معرفة الرابطة التي يمكن ان تربطك بهن، وحاول والدك، اثناء مرورك قريبا منه، ان ينقل اليك دعواته، ووصاياه بان تأخذ حذرك وتحافظ على نفسك وتعود لاهلك سالما غانما. ولم تستطع، فيما تبقى من زمن الانتظار على رصيف الميناء، وانت واقف بمحاذاة سور السفينة، وسط عدد من المجندين الذين يلقون نظرتهم الاخيرة، قبل السفر، على اهلهم، الا ان تصرف ذهنك، وتتجه ببصرك، الى امرأة واحدة في هذا الحشد، استولت على مشاعرك كلها، ورمت شباكها على قلبك فاضحى رهينة في قبضتها، الى درجة احسست معها بتأنيب الضمير، لان امك التي تبكي بذات الحرقة واللوعة منذ ان جاءت من القرية، لم تستطع، برغم حبك لها، ان تنافس ثريا في استقطاب مشاعرك، وكان ثريا حقا، تملك قوة سحرية، لها قوة جذب وسيطرة على عقلك وقلبك وجسدك، واحسست بعد فترة من التحذيق فيها، وتركيز بصرك عليها، ان الافق كله امتلا بصورتها. وكان اجمل ما حدث لك ان رأيت مصورا ايطاليا، يلتقط الصور للمودعين من فوق ظهر السفينة، وعندما عرفت انه مراسل حربي، سيرافقكم الى الحبشة، طلبت منه، ان يلتقط صورة مقربة لثريا، وستعطيه أي ثمن يطلبه،الا انه ابدى استعداده لالتقاط الصورة لثريا بلا ثمن، قائلا بان هذا هو ابسط واجب يقدمه صحفي ايطالي لجندي ليبي في طريقه الى الحرب من اجل عزة ومجد ايطاليا. اسعدتك استجابته السريعه، الا ان مزاجك الحزين هذا النهار، وضعها في مصاف الاستجابة التي يلقاها عادة المحكوم عليه بالاعدام، لما يسمونه الرغبة الاخيرة، لان هذه كانت آخر امنية جاهرت بطلبها من انسان، قبل ان ترفع السفينة خطافاتها التي تشدها الى قاع البحر، وتفك الحبال التي تربطها باوتاد الرصيف، وتباشر ابحارها الى الشطوط البعيدة.
 ابتعدت السفينة عن الشاطيء
 وشمس الظهيرة تغرق المدينة بفيض من الضياء
 فوداعا طرابلس، القلعة، والميرامار، وبرج الساعة، والفندق الكبير، وسيدي الشعاب، والقباب الذهبية لقصر الحاكم، و مآذن جامع الباشا، وقرجي، وبن ناجي، وسيدي حموده.
 الشاطيء ياخذ تكوينا جماليا كلما اوغلت السفينة في عمق البحر، ويتحول الى هلال ضخم، يحضن زرقة البحر باخضراره المضيء، اللامع، واقواس الحجر واوراق الشجر التي تصنعها الصورة البعيدة لاشجار النخيل وهي تندمج في اجنحة الابار المحاذية للشاطيء.
 يتضاءل حجم المدينة، وتتلاشى ابنيتها، وقصور حكامها، فلا يبقى ظاهرا الا ذؤابات اشجار النخيل ومآذن المساجد.
 لابد ان تركب البحر لترى طرابلس على حقيقتها، هكذا كنت تقول لنفسك طوال الوقت. لابد ان تبتعد عنها لترى الافق الذي صنعته مأذنة ونخلة وجناح بئر، وكيف يحدد هذا الخط هويتها، ويقول لحاكمها الايطالي، افعل ما شاء لك المزاج والفن والجمال ان تفعل، تزويقا وتلونيا لهذه المدينة، من اجل الباسها حلة اجنبية، فانها ستبقى واحة من واحات الصحراء، تحيط بها الارض القاحلة الجرداء، وكتبان الرمال التي تتماوج حمرتها المبهجة تحت ابخرة الشمس الحارقة، هذه الرمال التي صنعت ذراعين عملاقين، يحملان الواحة الخضراء، ويقدمانها قربانا للبحر.
 كل شيء يسبح في الضياء الصارخ لشمس الظهيرة.
 كل شيء يتراءى لك وكأنه ينفك ويتحلل، ويسير مبتعدا عن بعضه البعض. الشاطيء يسير القهقرى، متراجعا، مبتعدا عن السفينة، والسفينة تسير مبتعدة عن الشاطيء، والبحر الذي تتماوج زرقته، وتتحرك مياهه، وتتكسر فوقها اشعة الشمس العمودية، يسير هو الاخر مبتعدا عن خط الافق.
 وترفع بصرك الى السماء، فتجد سحبا بيضاء كندف القطن، تلتقى ثم تنفصل عن بعضها البعض، والافكار في رأسك، عربات تلاحق بعضها بعضا، وتصطدم ببعضها البعض، قبل ان تغيب في السديم الكبير الذي يغلف الكون.
 ولا تدري لماذا خطر ببالك، وانت ترى طرابلس محمولة فوق الذراعين الاحمرين، العاريين، المتوهجين، لعملاق الرمال، مشهد مختار العساس، وهو يحمل بين ذراعيه جثة ابنته وسط البراري. تذكرته وهو يبكي ويسير، باحثا وسط متاهة الصحراء، الشاسعة، القاحلة، الجرداء، الحمراء، عن قبر يدفن فيه ابنته. رأيت المدينة تبكي وتسير، والشاطيء يبكي ويسير، والسفينة تبكي وتسير، والشمس في قبة الكون تبكي وتسير، وانت تبكي وتسير باتجاه مصير، غامض، مجهول.

*تاريخ الانتها من النسخة المخطوطة لهذا الجزء اثينا23-9-20001
* تاريخ الانتها من كتابة هذا الجزء هو اثينا 28-6- 20005وبه اكتملت كتابة الرواية بأجزائها الأربعة على الكوميوتر

 

 

0 :عدد الردود
تعليقات القراء
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي إيلاف.
 
 

جميع الحقوق محفوظة © 2001 - 2008 إيلاف للنشر المحدودة Elaph Publishing Limited ©
تطوير وصيانة Developed & Maintained By